هذه الفلسفة ظلت تدور في فلك البيذاتية تقوم بتمجيد التمثل وتعرف الوعي بالعالم بواسطة القصدية وتسعى لكي تشكل المنهج الوصفي الأكثر صرامة ودقة بالنسبة للظواهر وتمنع نفسها عن الالتقاء بالغير كماهو في حد ذاته. لقد أحدثت محاضرة هوسرل بعنوان تأملات ديكارتية رجة في صف الفلسفة الفرنسية...

استهلال:

" في العمق، ولدت الفنومينولوجيا منذ أن وضعنا جانبا، بشكل مؤقت أو دائم، مسألة الوجود، وتناولنا، كمشكلة مستقلة، طريقة ظهور الأشياء."1

لقد دشن الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني أودموند هوسرل 1859-1938 الحركة الفلسفية التي اصطلح على تسميتها فنومينولوجويا والتي ارتكز منهجها بالأساس على رد المعطيات إلى الوعي واستخلاص الفلسفة من الميتافيزيقا التي أضاعت طريق الذهاب إلى الأشياء في حد ذاتها. لكن هذه الفلسفة ظلت تدور في فلك البيذاتية تقوم بتمجيد التمثل وتعرف الوعي بالعالم بواسطة القصدية وتسعى لكي تشكل المنهج الوصفي الأكثر صرامة ودقة بالنسبة للظواهر وتمنع نفسها عن الالتقاء بالغير كماهو في حد ذاته. لقد أحدثت محاضرة أدموند هوسرل من على مدرج السوربون سنة 1929 والتي جاءت بعنوان "تأملات ديكارتية" رجة في صف الفلسفة الفرنسية وأثرت بقوة على أبحاث ليفيناس وسارتر وغاستون برجر.

بيد أن طرافة الفنومينولوجيا في الساحة الفرنسية أنها اصطبغت بالمنحى النفسي عند موريس مرلوبونتي وجسدت تأثير هوسرل من خلال هيدجر على ليفيناس وسارتر وريكور ودريدا. احقاق للحق ينبغي القول بأن الفنومينولوجيا مثلت في بداية القرن العشرين وعيا جديدا بالأزمة التي يعاني منها العالم ودشنت محاولة جدية للتفكير في الأزمة واستفاقة فلسفية مهمة بغية البحث عن مسارات مستحدثة تتعقل الأحداث وتشخص الوضعية وتقوم الأنساق وتنشر الأمل والانعتاق. وبالتالي" من المهم أن نرى أن الفنومينولوجيا تمثل بالنسبة لبعض الفرنسيين المحاولة الوحيدة الصارمة (لا يتم اعتبار الفلسفة التحليلية مطلقا في هذا السياق) لإحياء الفلسفة بعد نهاية الميتافيزيقيا"2.

لقد سعت الفنومينولوجيا إلى تخطي العديد من الأزواج الميتافيزيقية ضمن تأليف جدلي بينهما على غرار ثنائيات الطبيعة والقانون، وكذلك الجسد والنفس، ثم التجريبية والعقلانية، وأيضا الإنسان والعالم، والذاتي والموضوعي ووجهت الأنظار الى الخبرة المعيشة والحياة اليومية وقضية المعنى والقصدية والبيذاتية والعالم المشترك وأعلنت الحرب على الوضعانية والعلموية. من المعلوم أن علاقة بول ريكور بالفنومينولوجيا وثيقة وبدئية في حياته الأكاديمية وخاصة حينما ترجم عن الألمانية "أفكار توجيهية من أجل فنومينولوجيا أدموند هوسرل"3 وقدمه إلى الجمهور الفرنسي سنة 1950 وأعاد طبعه سنة 1985 عن دار غاليمار وبعد ذلك بسنة أي 1986 وجمع مقالات في كتاب عنونه "في مدرسة الفنومينولوجيا"4، ثم أعيد طبعه عام 2004 عن دار فران.

إن هذه النصوص المجمعة تنتمي الى سنوات التعلم الأولى ولقد تمحورت في معظمها حول هوسرل المؤسس الثاني للمدرسة بعد هيجل وضمت مقدمة الأفكار والتعليق على الترجمة والكريزيس5. بيد أن المنهج الفنومينولوجي ظل يرافقه في الرحلة الفكرية الطويلة والشاقة وبقي وفيا له ويلتجئ اليه في كل مرة يجد صعوبة للتقدم في البحث ويظهر ذلك بوضوح في ثلاثية "الزمان والسرد" وفي قراءاته السياسية والدينية والأخلاقية ولقد ثمنه في "الذاكرة، التاريخ، النسيان" سنة 2000.

والحق أن مجلة دراسات ريكورية لم تخصص عددا مستقلا من أعدادها العشر المنشورة إلى حد الآن سنة 2019 يتناول مبحث الفنومينولوجيا على خلاف الهرمينوطيقا والاعتراف والإيتيتقا والنظرية الاجتماعية وفلسفة الدين والغيرية وأزمة الذات والفلسفة التحليلية والمخيال السياسي والترجمة والعدالة والتحليل النفسي والتاريخ والايديولوجيا واليوتوبيا والأنثربولوجيا الفلسفية وفلسفة الذاكرة التي مثلت عناوين المجلة، إلا أن مؤسسة أعماق ريكور نظمت بالاشتراك مع مؤسسة أعماق ميشيل هنري يومين دراسيين بتاريخ 13 و14 أفريل 2015 حول فنومينولوجيا الذات الحية9 عند بول ريكور وميشيل هنري شارك فيهما عدة مختصين على غرار جان غرايش.

لقد طرح في حصة اذاعية معنونة بالفنومينولوجيا بوصفها معرفة الإنسان أجراها في18 ديسمبر 1957 الكيفية التي قطع بها تفكير أدموند هوسرل مع التقليد السائد في تاريخ الفلسفة وتحوله من واقعية المواضيع الى مثالية الوعي وتفتيشه عن إدراك الشكل الأكثر أولية في مضامين للوعي10.

لكن ما المقصود بالفنومينولوجيا؟ كيف تم الانتقال بها مع مرلوبونتي من عالم المفارقة إلى عالم المحايثة؟ وهل ساعدت على اكتشاف قارة الغيرية في قلب الذاتية مع ليفيناس؟ وبأي معنى عمل ريكور على تطعم المباحث الفنومينولوجية بالعلوم الإنسانية والتأويل والسردية؟ وماذا حدث على صعيد الفلسفة لما تم وضع هرمينوطيقا ريكور بين فنومينولوجيا مرلوبونتي وايتيقا لفيناس؟ كيف ساعدت الفنومينولوجيا ريكور من التمييز بين الإرادي واللاإرادي؟ وماذا قدمت للايتيقا عند التقاطع بين الزمانية والسردية؟ وماهي الفوائد التي حصلت منها عند اعتمادها في تحليل الظاهرة الذاكرية وتجربة النسيان والمعرفة التاريخية؟ وكيف أدى ذلك الى تغطية فنومينولوجيا الذاكرة على ابستيمولوجيا التاريخ؟ وألا يجدر بالمرء رصد منعرج فنومينولوجي حاد للعقلانية السردية؟ لماذا ظل العقل الهرمينوطيقي يدور حول الفنومينولوجيا11؟

ماهو في ميزان العقل عند بول ريكور ليس استعادة الفلسفة الفنومينولوجية بصورة تامة ومذهبية والاكتفاء بعرض فكري تحليلي لأبنيتها النظرية والتعرف على مصادرها وإنما استخدام المنهج الفنومينولوجي في وصف التراث ودارسة الواقع الذي يعيشه المرء والإحاطة بتطبيقاتها الممكنة في الشأن الانساني.

1- فنومينولوجيا المعنى عند أدموند هوسرل:

"لن تكون الفنومينولوجيا تجربة فقط بل هي تحليلا قصديا. انه مع موضوع القصدية يتم تعريف الفنمومينولوجيا المتعالية من حيث هي فلسفة معنى"12

يعتبر أدموند هوسرل عقدة الفنومينولوجيا، فهو المؤسس الرسمي حسب معظم مؤرخي الفلسفة لهذا التيار المعاصر من جهة أولى ولكنه يعد من جهة ثانية المؤرخ المتتبع للارهاصات الفكرية التي وجدت عند الفلاسفة قبله وخاصة ديكارت ولابنتز وكانط وهيجل، وأيضا من جهة ثالثة أبحر في النهر الكبير التي تفرعت عنه أودية فنومينولوجية عميقة مثّلها هيدجر وغادامير ومرلوبونتي وليفيناس وريكور. لم يكن هوسرل الفيلسوف الأول الذي تحدث عن الفنومينولوجيا فقد سبقه كل من لايبنتز وكانط في التطرق الى مفهوم الظاهرة13 وكان هيجل في كتاب فنومينولوجيا الروح14 قد أثار هذا الموضوع.

صحيح أن هيجل كان أول فيلسوف فهم الفنومينولوجيا بوصفها تفتيش وافي في مختلف أبعاد التجربة الانسانية ولم يحصرها في الحقل الابستيمولوجي مثل كانط وانما وسع دائرتها لتشمل الجمالي والديني والسياسي والايتيقي ولكن هذه الفنويمنولوجيا الهيجلية التي تجاوزها هوسرل تضمنت عنصرين مقلقين هما التراجيدي والمنطقي، الأول بقي مرتبطا بالشغل الذي يقوم به السلب، في حين أن الثاني اقتصر دوره على التعبير عن الصلة الضرورية بين أشكال الروح في تطورها الموحد، وتبعا لذلك الظاهرة ليست المظهر الذي يسمح للكائن باستعادة المعرفة المطلقة.

بهذا المعنى يعيب هوسرل على كانط وقوعه في التأويل المثالي للمنهج واخفاء الاهتمامات الابستيمولوجية في النقد للأوصاف، ويلتقي في العمق بالاحاطة الفكرية بكل قطاعات التجربة التي أنجزها هيوم عندما وجه ذوقه نحو كل ماهو أصلي وممتلئ وحاضر دون اعتماد الرموز وأدرك الدلالات والأشياء والقيم والأشخاص. بيد أن هوسرل يرجع بالفنومينولوجيا الى ديكارت وجذرية الشك واكتشاف الكوجيتو ويسمح له الرد الفنومينولوجي لكي يتخلص من البديهيات المخادعة واليقينيات الزائفة ويصعد نحو الظاهرة الحقيقية والمظهر الأصيل ولم يعد الأنا أفكر يمثل الحقيقة الأولى التي تتبعها سلسلة من المبادئ المنطقية الضرورية كما وضعها ديكارت بل الحقل الوحيد الذي تترجم فيه الحقيقة الفنومينولوجية طموحاتها نحو امتلاك المعنى وتواجه ضمنه كل أشكال الحضور التي تتشكل منها ظاهرة العالم.

على هذا الأساس لا تمثل الفنومينولوجيا التي شيدها هوسرل طفرة مفاجئة في الفلسفة وانماهي مواصلة منتظرة للترنسندنتالي عند كانط والأصلي عند هيوم والشك والكوجيتو عند ديكارت15. لكن فنومينولوجيا هوسرل تتميز عن غيرها بوحدة المقصد ووضوح الطريقة وطرافة المواضيع المتناولة وإبراز نتائج التعامل مع الموقف الطبيعي والعلاقة القصدية بين الذات وعالم الحياة"16. صحيح أن الفنومينولوجيا مشروع واسع ومترامي الأطراف ولا يمكن اختزاله في عدد قليل من الأشخاص وهو منهج أكثر منه مذهب وشهد تطبيقات عديدة من طرف علماء النفس واللغة على غرار بفاندر وجايجر وماكس شيلر وهارتمان وياسبرس وهيدجر ولكن أدموند هوسرل قد تفوق على كل هؤلاء المفكرين حينما نحت مفهوم الأفق واعتبر الفنومينولوجيا الفلسفة الأولى ومنحها لقب ملكة العلوم17. حول هذا الموضوع يصرح:" لا شك في أن ظاهرة الأفق لها أهمية رئيسية بالنسبة لبحث هوسرل الفنومينولوجي... إن الأفق ليس هامشا صارما وإنما هو شيء يتحرك مع المرء ويدعوه إلى التقدم إلي الأمام "18.

لقد تميز كتاب الأفكار الأول بالنقد الشديد الذي وجهه هوسرل نحو النزعة النفسانية ومراجعته مفهوم المنطق ولكنه في الكتاب الثاني من الأفكار وضع تحت الاختبار المصطلحات الضمنية للمنهج الفنومينولوجي والتي لن يعلن عنها بوضوح إلا في القسم الخامس والسادس من البحوث وتجسدت في مفهوم القصدية ومصطلح الحدس المقولي وشكلت النظرية الفنومينولوجية للدلالة19. ربما أول سؤال تطرحه الفنومينولوجيا مع هوسرل من خلال منهجية الوصف الإدراكي التي تعتمدها بديلا عن التفكير التأملي هو: على ماذا يدل فعل يدل؟ بعبارة أخرى: ماذا تعني الدلالة؟

لا تنطلق الفنومينولوجيا من ماهو صامت أثناء عملية الوعي بل من العلاقة التي تقيمها الذات مع الأشياء عن طريق العلامات وما تقوم ببلورته الثقافة المتكلمة ومن خلال إرادة القول من حيث هي حركة إشارة تميز الدلالة عن العلامات الأخرى وتفرق بين الكلمة والصورة وبين الدلالة الفارغة والدلالة التي يعمل الحضور الحدسي على تضمينها وتعيينها بواسطة التحليل القصدي20. كما تذهب القصدية رأسا نحو المعنى وتعتبر الخاصية الملحوظة للوعي بأن يكون وعيا بشيء ما وذلك بالهروب من ذاته نحو استهداف الآخر عبر الفعل الدلالي الذي يتضمن أساسي القصدية، وتتكون من حركتين: الأولى المقصد الذي يذهب إلى المعنى بعد تحديد المعنى المقصود، أما المقصد الثاني فهو الذي يذهب نحو الحضور ويقع حله بالحدس ويكون الإدراك شكله الأساسي. هكذا تمثل الفنومينولوجيا طريقة للقطيعة مع الحس المشترك وتستمد معناها من التساؤل المفتوح بمعزل عن كل اختزال مدرسي وتشيد حركة فكرية تتخلص من ميتافيزيقا الزمن الأصلي وتضع مشكل الآخر وبعد المكانية وتعيد تأويل الكوجيتو عن طريق إنتاج معنى جديد للعالم وظاهريته21. على هذا الأساس تفيد القصدية خروج الوعي عن ذاته والاتجاه نحو شيء ميعن يمكن أن يكون هذا المقص هو الواقع أو اللاّواقع أو الماضي أو المستحب أو المرغوب فيه أو المحكوم عليه، وهو ما يمكنها من تخطي المراوحة العقيمة بين النزعة الواقعية والنزعة المثالية وتتيح للموضوع بأن يتعالى على الوعي وصفيا ويكون داخل مجال الوعي عبر ظهوره لهذا الوعي قصديا22.

بيد أن هوسرل يمنح الوعي الأولوية بالمقارنة مع الأفعال القصدية الأخرى ويبتعد عن النزعة المنطقية السائدة في فلسفات النقدية للحكم ويعتمد نموذج الحضور "باللحم والعظم" في الواقع ويعول على إدراك المواضيع الأكثر ثباتا من أجل اكتشاف أفق الوعي وبنية إمكانياته من خلال التفكير في الزمانية ويقوده هذا الدرب إلى الاقتراب من تناول ثيمة الوجود في العالم الشهيرة23. من هذا المنطلق أسس هوسرل فنومينولوجيا الإدراك بالتخلي عن طريق النظر الخاطف الذي تعبر عنه جدلية أصلية للمعنى والحضور ويتم توضيحه بالعلاقة بين الفارغ والممتلئ، وتشتغل في عملية الإدراك ذاتها على استشراف وحدة المعنى التي تسمح بتحديد تدفق مظاهر الشيء24.

لقد أصبحت الفنومينولوجيا ممكنة حينما غادرت أفلاطونية المعنى المعقول التي تمخضت عن سجالها مع النزعة النفسية وراهنت على الحدس المحمول على ماهية الأفعال الواعية ومضامينها وتوصلت إلى التمييز بين التعبير والعلامة والدلالة وبين الفارغ والممتلئ من الدلالة وبين الحدس الحسي والحدس المقولي وتمكنت من التحرك في عملياتها على صعيد حدس الأيديوسEidos 25. غني عن البيان أن الفنومينولوجيا تعمل جاهدة على تطوير نوع من النقد الذي يسمح لها من مواجهة النزعة العلمية الصارمة عند غاليلي التي تزعم تأسيس علوم دقيقة خالية من كل اعتبارات أخلاقوية وترفض أن تكون الحقيقة الأولى للعالم هي تلك التي تقدمها الفيزياء الرياضية وتعتمد على الحقيقة التي يمنحها الإدراك وتقر بأن واقعة العلم نفسها تم تشييدها على بنية فوقية تستند إلى عالم معيش بشكل إدراكي26. لقد جعل هوسرل من تعالي المدرك بالمقارنة مع الوعي الشرط الامكاني الذي يتيح له عملية نقد الكيفيات الثانية التي قال بها جان لوك ونفي الوجود في ذاته الذي توصف به الأشياء المدركة27. بعد ذلك قام هوسرل بتكرير عمله الفلسفي التأسيسي وانتقل من فنومينولوجيا منطقية تحوم حول التأويل المثالي للطريقة إلى فنومينولوجيا وصفية تستهدف المعنى والدلالة عن طريق الاختزال ورأى أن المساهمة الفلسفية الأساسية التي قدمتها الفنومينولوجيا هي وصف الوضعية العسيرة والأصلية لمشكل الواقعة والتفريق الذي أحدثته بين النوام والنواز في جميع تحليلات الوعي28. لقد أجرى هوسرل في الأفكار2 تحليلات صارمة ودقيقة على الوقائع الثقافية والشخصية وعلى النفسي وعلى تكوين الوعي ولكنه يرفض أن يكون فعل التكوين هو فعل تشييد وخلق وإنما هو فعل كشف وتجلية وإبانة عن المقاصد التي يستهدفها الوعي وتختلط مع الإدراك الطبيعي للشيء. بهذا المعنى"تكون فنومينولوجيا الادراك ممكنة لأن تكوين الشيء يتضمن ماهية يمكن بلوغها في بعض الأمثلة"29، ويظهر الرد الفنومينولوجي الذي صاغه هوسرل على أنه توضيح للمنهج المطبق لوصف الظواهر وفي ذات الوقت بلورة لفلسفة متعالية تتضمن قرار ميتافيزيقيا حاسما حول منزلتها الأنطولوجية. لكن كيف انتقل هوسرل من الفنويمنولوجيا الوصفية إلى الفنومينولوجيا المتعالية؟ وماهي مختلف الشروط التي دفعته إلى الانتقال مجددا من الفنومينولوجيا المتعالية إلى الفنومينولوجيا التكوينية؟

لقد وقعت الفنومينولوجيا في أزمة ريبية أصابت ماهية الوعي وحولته إلى لغز بعد اكتشاف القصدية من جهة والإحالة إلى التعالي من جهة أخرى ولم يخرج منها إلا من خلال التمييز ليس بين الوعي التفكيري والشيء المكاني كما فعل ديكارت بل بواسطة الانقسام في الموضوع نفسه بين الكائن في ذاته المزعوم ومظهره المحض والذي أعدت له عرضية وزمانية هذا المظهر30. من هذا المنطلق لا يعني الرد الفنومينولوجي أن العالم لا يمكن أن يكون شيئا ولا يكتمل بإرجاع الوجود للمظهر وإنما هو إنقاص من الوجود والاحتفاظ بما يمكن أن يتخلف في الوعي من بقايا المظهر المحض. كما لا يجوز تأويل عملية الغزو التي تحدث للمظهر إلا عبر اتخاذ قرار بشأن معنى الوجود ذاته. هكذا تؤسس فنومينولوجيا هوسرل من خلال التأملات الديكارتية لمثالية جديدة تعتبر العالم ليس كماهو بالنسبة للذات وإنما يستمد من الأنا كل صلاحيته الأنطولوجية ويصبح عالما مدركا في الحياة التأملية، أما التكوين فهو مشروع تجميع تدريجي لدلالة العالم دون مخلفات أنطولوجية31.

لقد انتقل هوسرل التأمل الرابع من فنومينولوجيا متجهة نحو الموضوع إلى فنومينولوجيا متجهة نحو الأنا حيث يقوم بتكوين نفسه بشكل تدريجي وبطريقة تطورية من حيث هو كائن موجود، وبعد ذلك تعيد الفنومينولوجيا وضعها لنفسها وتتحول إلى انتشار للأنا وتفسير للذات بذاتها نفسها. بعد ذلك تركز الفنومينولوجيا على أمرين أساسيين: تنمية الزمانية بإعطاء قيمة للحاضر الحي والتطابق مع علم الأنا وما يترتب عنه من إثارة مشكل جديد كان غائبا تماما وهو وجود الغير. هكذا تجد الفنومينولوجيا نفسها في مواجهة مفارقة الأناوحدية طالما أن الأنا يتكون بشكل بدئي ولا تجد هذه المفارقة فضاء الحل إلا في التأمل الخامس لما تم تصويب النظر نحو مسألة الغير32.

إن الدور الذي يؤديه وجود الغير هو منح الأفكار المتعلقة بالأنا موضوعيتها ولا يظهر قادرا على التعالي إلا بواسطة أنا آخر هو بدوره يتكون كغريب ولكن في حقل التجربة الخاصة بالأنا. اللافت للنظر أن فنومينولوجيا هوسرل تقع في صعوبات حينما تكون مطالبة بالاحترام التجربة المبتذلة للبيذاتية من جهة والتحلي بالجذرية الفلسفية للتأملات الديكارتية وصعوبة الانفصال عن السياق المثالي33. لهذا السبب وجد هوسرل نفسه مجبرا على إجراء مراجعة معمقة للتخلص من المثالية المتعالية وحمل الفنومينولوجيا نحو مواضيع مألوفة في الوجودية لكي يبحث أقل من الحكم عن نظام التجربة وأصل نظام الإسناد وتفعيل فكرة التكوين الانفعالي السابق على العمليان الايجابية للطرح والطباق والافتراض وجعل العالم يظهر لا بجمع المواضيع بل ككلية نابضة بالحياة لا تقبل للشك. لقد دفع هوسرل ببحوثه في الفنومينولوجيا الوصفية لكي تقوم بإلغاء الجدلية بين الدلالة الفارغة والحضور الممتلئ وخاض البحث الجنيالوجي الذي يذهب من التحت إلى الأعلى دون أن يفرط في الحركة المعاكسة التي تقوم بالذهاب من المدلول إلى المعيش ودون أن يهمل الرد من حيث هو عودة إلى منطق قبل إسنادي والى البداهة البدئية للعالم.

هكذا ترنو الفلسفة الفنومينولوجية إلى الاعتراف بكل ماهو كائن قبل الرد وبكل ما لا يقبل الرد. فإذا كان الكون الغاليلي يمكن اختزاله فنومينولوجيا فإن الوجود في العالم من حيث تعود إليه كل حقيقة متجلية هو ما لا يمكن اختزاله. من هذا المنظور تظل الفنومينولوجيا دقيقة وصارمة حتى لو تناولت مواضيع عادية واهتمت بمباحث تبدو تافهة وبالتالي لا توجد فنومينولوجيا مبتذلة حسب هوسرل بل تضع بين معقفين مسألة عمق وجود الكينونة وتتناول طرائق ظهور الأشياء بوصفها مسألة مستقلة وتركز على دلالة الظواهر ومعنى التاريخ وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم وتشتغل على العلاقة القصدية بينهما التي تغادر الموقف الطبيعي وتبذل مجهودا مضاعفا في اتجاه التجذير الفنومينولوجي لكي تتخلص من النزعة الأناوحدية وتلتقي بالبيذاتية وتنفتح على الفضاءات الغيرية وتقوم باستعمال الفنومينولوجيا بالشكل الحاذق في تنمية الإحساس بالذات والعالم ورسم الحدود بين المعارف والبقاء عند العتبة34.

لقد حازت الفنومينولوجيا على جملة من الخصائص الابستيمولوجية التي تدور حول المنهج الوصفي والتحليل القصدي والحدس المقولي وأرست بذلك قاعدة جديدة للمعرفة تقوم على أسس مبتكرة وتجعل من الوعي بالعالم هو المنبع الذي يصدر عنه كل شيء ولكنها لم تخلو من نتائج أنطولوجية وتبعات ميتافيزيقية ومن موقف من الطبيعة وتأطير للواقع يقطع مع الجانب النفسي. لقد نقد هوسرل المثالية الرومنطقية في زعمها ملامسة المطلق الذي يتموقع فوق الوعي البشري وجعلت الفكر الإنساني يعترف بتناهيه ويتحرك ضمن حدوده ويحايث الأرض التي يتنزل ضمنها وقاد الموجة المضاد للتأمل إلى طرح مشكل فلسفي مغاير حول أهمية الاشتغال على المعيش.

والحق أن الفنومينولوجيا تميزت براهنية فعلية وطموح منهجي يقيني لمعالجة العديد من المشاكل ومثلت المنهجية العلمية الصارمة التي تسمح للفكر الفلسفي المعاصر بالتخلي الكلي عن النزعة الوضعية والتصورات النفسانية والمقاربات الطبيعوية وايجاد معرفة بالعادي والمعيش والذاتي. لقد أصبحت الفنومينولوجيا الدراسة الوصفية لجملة الظواهر التي تمنح للتجربة الذاتية واستقت من علم النفس الانتباه الى التجارب النفسية المعيشة التي تختلف عن أفعال الوعي، وأخذت من الرياضيات والمنطق الصرامة عند بلورة مقولات الوصف التي تتطابق مع تجربة الموصوف35.

على هذا الأساس ظلت الفنومينولوجيا تشير الى اهتام هوسرل بضرورة العودة الى الأشياء ذاتها وتأسيس الفلسفة على قصدية الوعي وشغله حول التكوين المتعالية والرد إلى الذاتية المتعالية وتعمل على نقد الميتافيزيقا الكلاسيكية وتعود الى الحدس الأصلي للأشياء والأفكار وتعتبر نفسها علما دقيقا وتميز بين نوعين من العلاقة مع المعطى أو القصدية: الفكر المجرد والإدراك الواقعي36. لقد شهدت الفنومينولوجيا مع هوسرل تطورا ملحوظا على صعيد الذاتية المتعالية ودشنت مهمة البدء الفلسفي الجديد والاستئناف الميتافزيقي الثاني وسيواصل المتأثرون به مسار تطوير هذه الحركة المركبة وسيتم إحداث تغييرا مهما في مفاهيم الذات والطبيعة والمعرفة ومعنى الوجود. على هذا الأساس "يكون مجد الفنومينولوجيا في الارتقاء إلى كرامة العلم من خلال الرد والتحقيق في الظهور"37.

لقد شكلت فنومينولوجيا هوسرل منطقا جديدا ثم تحولت إلى فلسفة للفكر وساهمت في قيام فلسفة الحياة ولقد تركت أثرها بشكل واضح على فلاسفة الكينونة والفلسفة الوجودية والفلسفة التحليلية. لقد نجح هوسرل في تطبيق منهج التحليل الوصفي على الحقول الإدراكية وقام بتوسيع الطريقة القصدية لكي تشمل الإحساس والاحترام والتعاطف والإرادة ودفع بالإدراك نحو اكتساب القدرة المكونة للوعي ضمن منزلة كشفية وانتهى به الأمر إلى تشخيص الأزمة التي وقعت في ورطتها مختلف العلوم الإنسانية وعانت منها الثقافة الأوربية والعقلانية الغربية والتي أدت بها إلى تصدع الذات وتجفيف منابع المعنى وتصحر الوجود وبروز التناقض بين علوم الوسائل وعلوم الغايات38. لكن ماذا يعني هوسرل بعالم الحياة؟ وماهو الفرق الفنومينولوجي بين العالم والواقع؟

لا يمكن أن يشكل العالم حقيقة موضوعية ولا يفترض أن يمثل وجودا قائم الذات بصورة مستقلة عن الأشياء التي يتكون منها والذوات البشرية التي تتعقله وتدركه بل هو فكرة توجيهية من أفكار العقل، ومتصل بالذاتية المتعالية. إن الوعي هو الذي يكون العالم وان الأشياء عبر انفتاحها على الوعي الإدراكي تظهر العالم وتصوره. بهذا المعنى لا يوجد العالم بالطريقة التي توجد بها الموجودات التي يتكون منها. لهذا السبب أمكن للفنومينولوجيا المعاصرة أن تعرف العالم من حيث هو حدث إنساني أساسي والتعامل مع الإنسان من حيث هو موجود في العالم. بعد ذلك جاءت وجهة النظر التأويلية لتتعامل مع العالم من حيث هو نتاج ذاتية مكونة وتقر بوجود عوالم كثيرة بقدر وجود ذوات متعددة، وكل عالم لا يمكن معرفته إلا من خلال الذات التي تسكن فيه ولقد عبرت العبارة الألمانية Weltanschauungعن النظرة إلى العالم أو الرؤية عن العالم. لقد حاز العالم على معنى خاص عند مارتن هيدجر بإشارته إلى انفتاح ouverture الذات على النور lumiere بصفة عامة، الذي يمثل النور الفيزيائي والنور الروحاني في ذات الوقت، وتأكيده على تعارضه مع ظلامية الأرض الذي تفيد تجذر الكائن في وسطه الفيزيائي والتاريخي. على الرغم من أن لفظ فنومينولوجيا كان قد استعمله هيجل، إلا أن الفلسفة الفنومينولوجية ظهرت مع أدموند هوسرل وتمت ممارستها بعده وفق أشكال مختلفة بواسطة ماكس شيلر ونيكولا هارتمان ورومان أنجاردن ومارتن هيدجر وجان بول ساتر و مرلوبونتي وعمونيال ليفيناس وميشيل هنري وجان لوك ماريون. ليست الفنومينولوجيا مذهبا يسهل عرض أطروحاته وتوضيح القضايا والتصورات التي يتكون منها بل هي ممارسة للفلسفة وجملة من المشكلات ومناهج موجهة نحو القيام بتحليلات للتجارب وتقديم الأجوبة. كما يمكن ذكر مجموعة من الخصائص المشتركة التي تتصف بها الفنومينولوجيا:

- يقر الفنومينولوجيون بوجود موقف طبيعي يغلب عليه شكلا من العفوية ويجعل المرء في غفلة من الواقع المحيط به، بينما يتميز الإنسان بالوعي والقصدية ويتجه نحو معرفة الأشياء من خلال تكوينها بالوعي.

- ينبغي على الفلسفة أن تقوم بتحويل فنومينولوجي وتغير توجهها بشكل تام وبدل الذهاب إلى الأشياء عليها أن تبدأ بمعرفة كيفية تتكون الأشياء بالنسبة إلي الذات وتحليل المعاني التي تكونها الذات عنها.

- القصدية هي الخاصية التي تميز الظواهر من خلال العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الأشياء وتتعلق بحركات الوعي التي توجد في العالم بشكل أصلي وإنما تشكله بصورة قصدية من خلال الوضع البشري.

- الدلالة هي المسالة الفلسفية الأساسية التي تشتغل عليها الذاتية وتتيح لها مساءلة وجود الموجودات.

هكذا تطبق الفنومينولوجيا التعليق إزاء العالم لكي تستدرج الوعي ليعين قصديته وحقيقة علاقته الأصلية بالعالم وتفهم أن الرجوع إلى المعيش بالنشاط القصدي للوعي هو محاولة أساسية من أجل امتلاك المعنى. فكيف تستمد الفنومينولوجيا جدتها من تلافي نسيان العالم وتتوجه إلى العالم من حيث هو عالم؟ وما المقصود بعالم الحياة عند هوسرل le monde de la vie؟

لقد بينت الفنومينولوجيا أن العلاقة مع العالم هي صلة تكوينية مع الوجود البشري، وعندما بذلت مجهودا استثنائيا في سبيل توضيح هذه العلاقة وجدت نفسها مضطرة إلى جعل مفهوم العالم ركيزة أساسية للوعي والنظر إليه بوصفه التعبير الإدراكي عن بنية قصدية أساسية تظهر بشكل مختلط في السياقات المختلفة التي تقوم اللغة الدارجة أو الكلام العادي بالاشتغال على مختلف استعمالات المصطلح في الحياة اليومية. إن المفهوم الفنومينولوجي للعالم يتعلق بالتجربة من حيث هي تجربة بشرية دالة ويتم تثمينه ومنحه قيمة ضمن التمفصل التكويني الذي يُقال به بصورة مجردة عن طريق الفهم التأويلي المغادر للموقف الطبيعي وللخطاب العلمي. بهذا المعنى ينتمي العالم إلى التوضيح الذي يسبق كل فعل وضعنة وتشكيل بالمقولات. بصفة عامة يرتكز الاشتغال على مفهوم العالم ضمن المقاربة الفنومينولوجية التي تقوم باستخراج البعد الأساسي الذي تمثله التجربة السابقة عن التفكير للكائن البشري في بنته قبل التفكيرية من وظيفة الفكر الانعكاسي عينها.

أما بشكل خاص فإن الفنومينولوجيا مع أدموند هوسرل تعمل من حيث هي علم مضاد للعلوم الطبيعية ومنازع نوعي للنزعة الوضعية والمدرسة الريبية في ذات الوقت على خرق الموقف الطبيعي من أجل الانفتاح على الطابع الملغز الذي يتكون منه العالم والإصغاء إلى الظواهر والاندهاش من انعطاء ظواهر العالم في كليته. كما يبدو عالم الحياة من حيث هو أساس المعنى المنسي من طرف علوم الطبيعة التي عملت على بناء عالم رياضي من النماذج المثالية وتعاملت معه بوصفه العالم الحقيقي وأهملت تجربتنا في عالم الحياة اليومية. هكذا ترى أن العالم لا يمثل كلا مكتملا، بل هو تشييد في طور الاكتمال دوما، أي ليس له حقيقته التامة إلا كأفق39.

على هذا الأساس يمكن إثارة المشكل الفلسفي حول العالم بالطريقة التالية: إن الإنسان الذي يعيش في هذا العالم، من حيث هو أيضا باحثا في الطبيعة، لا يقدر على إدراج في عالم الحياة جميع أسئلته النظرية ولا يتسنى له طرح كل المشاكل العملية التي تعترضه. إن عالم الحياة هو الأفق الذي يمنح كل استقراء يقوم به الإنسان معنى. إنه العالم الذي نعثر عليه من حيث هو عالم كل الوقائع المعروفة والمجهولة والذي نعيش فيه نحن أنفسنا بصورة متسقة مع نمط وجودنا أي في كل ما يلتصق بشخصنا حيث تغيب كل المثاليات الهندسية من فضاء هندسي وزمن رياضي ونعيش تجارب في العالم ونتصل به ونعيشه بكليتنا ولحمنا وعظمنا.

من هذا المنطلق يعمل هوسرل على استبدال النشاط المثالي الذي يقوم به الأنا بشكل منهجي بالنشاط الذي يتم بصورة مباشرة من طرف الذات من حيث هي واقعة. يتم إعطاء عالم الحياة بقوة، وإصرار، الحقيقة التي تجعل من الطبيعة هي واحدة وفريدة ولا تقبل العبور. إن هذا العالم الطبيعي لا يعرف التغير، لأننا اقتصرنا على منهج فيزيائي مخصوص يرتبط بالمعالجة الهندسية. لقد قام العلم باللباس عالم الحياة ثوب الأفكار التي تأتي من الرياضيات والفيزياء، وان هذا الثوب من الأفكار العلمية هو الذي يجعلنا نعتبر كل ماهو منهجي أو خاضع لمنهج هو الأمر الحقيقي. علاوة على ذلك لا تبحث الفنومينولوجيا عن حقيقة العالم ولا تتعامل معه من حيث هو واقع ينقسم إلى ماهيات وجواهر وإنما تتخطى الإخفاق الديكارتي عند تنصيبه الأنا الأفكر في موقع متعال على صعيد المعرفة والوجود. لهذا السبب تقوم بعملية قلب للموقف الإدراكي بحيث لا وجود للأنا بلا عالم والذات منغمسة في جملة من التجارب المعيشية في. كما تؤكد على الانفتاح على الحياة الجديدة وتعطي أهمية للمخيلة والزمان والذاكرة واللحم وتتخلى عن مثالية العالم وتعاليه وتقول بالمحايثة وتقر بأن العالم أرضية وأفق ونتيجة للتكوين الذي يقوم به الأنا عبر الحضور في الذات وتوسيع ميدان الحدس المقولي عن طريق الفعل القصدي والبيذاتية. إن عالم الحياة هو وحدانية العالم وأن نسيان الحياة من طرف العلم قد تم تداركه بإعادة الاعتبار إلى العالم من حيث هو أرضية وأفق وتأسيس الحرية ضمن الذاتية المتعالية والنظر إلى العالم كإمكانيات محضة40.

في هذا الإطار يصرح ما يلي: " الظاهرة هي التجلي الكامل للماهية"41، ويعني بذلك أن الفنومينولوجيا على خلاف عمونيال كانط قادرة على إدراك الماهيات والعودة إلى الأشياء في حد ذاتها من حيث هي ظواهر معطاة للوعي. غاية المراد أن المنهجية الفنومينولوجية عند هوسرل ترتكز على تجربة الوصف التي تقوم على وضع العالم الموضوعي الخارجي بين معقفين في مرحلة أولى وتنطلق في ممارسة الوصف في مرحلة ثانية من خلال تعيين القصد الذي تستهدفه هذه التجربة وبعد ذلك الموضوع المعنى فيها. فكيف أمكن للوساطة الوجودية التي تعرضت لها الفنومينولوجيا أن تساعدها على إحداث طفرتها الفلسفية النقدية للواقع المادي والقيام بنقلتها النوعية في المستوى التطبيق لتلامس الكثير من خلال الحقول والميادين في العالم المعيش؟

2- فنومينولوجيا الكلام عند موريس مرلوبونتي:

" ليس الإدراك الطبيعي علما، ولا يطرح الأشياء التي يحمل عليها ولا يقوم بالابتعاد عنها لكي يلاحظها وإنما يحي معها، انه الرأي أو الإيمان الأصلي الذي يربطنا مع العالم مثلما نرتبط بالوطن الذي يخصنا"42

لقد خالف مرلوبونتي (1908-1961) كل من برجسن ولافال وألف أطروحة حول فنومينولوجيا الإدراك الحسي سنة 1945 مقبولة باللغة الفلسفية المتداولة وتتضمن فلسفة شاملة تعتمد على الإدراك الحسي للإطلال على الوجود وتأخذ بعين الاعتبار تجربة الإنسان في العالم وتستلهم في حدوساتها العناصر الفلسفية التي وفرها علم النفس الشكل. لقد عكس بذلك تأثره بهوسرل في نظريته الفنومينولوجية وأعاد النظر فيماهو مسلم فيه بالنسبة للفلسفة وانطلق في التفكير في دروب جديدة وواجه التجارب التي يجريها الإنسان بحثا عن المعنى ومنح الجسد والمحسوس دورا مركزيا في المعرفة وحاول استئناف النظر في تأويل العالم عبر إعادة التفكير في التمييزات التي أحدثتها التقاليد الفلسفية بين الأنا والآخر وبين الذات والموضوع وبين الوجود والعدم.

لقد انتبه إلى غموض العلاقة بين التحليلات الفنومينولوجية والفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة ورأى أن هوسرل نفسه قصد ميز بين المباحث الفنومينولوجية بالمعنى الواسع والفلسفة المحيطة بها. كما كشف عن صعوبة حصر المشكل الفلسفي في الاستثمار الفنومينولوجي للعالم المعيش43 وأقر بأن ذلك مجرد مرحلة تمهيدية تعقبها مرحلة ثانية أكثر جدية واحترافية حول التكوين الكوني44. ربما التحدي الكبير الذي يجب على مرلوبونتي الرد عليه هو توفير الشروط المنهاجية والمفهومية التي تسمح بالفنوميلولجيا بان تكون فلسفة حقيقية ولا تبقى مجرد مباحث أنثربولوجية من الدرجة الثانية حول الوعي واللغة ورصد ذلك في الاستثمار النسقي للعالم المعيش والتصالب بين العالم واللغة ضمن الذات الفلسفية للوعي القصدي الذي يعيش تجربة التفكير في حضور الأشياء في الفكر وعودة الكلام إلى اللغة.

لقد تحركت فنومينولوجيا مرلوبونتي بين المعنى واللامعنى وبين المرئي واللامرئي وبين نثر العالم ومنبع الحقيقة وبين العين والفكر وبين بنية السلوك والإدراك الحسي وبين الرعب العنيف والانسانوية التراجيدية وبين مغامرات الجدلية والعلامات اللغوية وبين الطبيعة والتاريخ وبين الصمت والتعبير وبين نقد المقاربات الوضعية وتقريظ الفلسفة وبين طبيعة الوعي بالذات وبالعالم وتجربة الوجود مع الآخر. لقد أكد مرلوبونتي خاصية الذاتي بالنسبة إلى الجسد الخاص وذلك بأن نفى عنه أن يمثل عضو المعرفة بالعالم والتعامل معه بوصفه قصدية دالة. لقد أوضح، على خلاف الاختزال الديكارتي للجسم إلى الامتداد، بأن الجسد هو كلام متكلم يحمل المعنى في العالم الذي يحضر فيه.

على اثر تحليله للعالم المدرك بين مرلوبونتي عن عدم كفاية الأطروحات العقلانية التي تقتصر على رؤية شغل العقل في التجربة الإدراكية والطابع الاختزالي والتبسيطي والميكانكي التي تعاني منها النظرة الوضعية وكشف عن خطأ نظرية المعرفة الكانطية لما قامت بالخلط بين الزمان والمكان. على هذا النحو لا يكون الإحساس مجرد قبول المعطيات من الخارج وإنما هو انفتاح على العالم وتلخيص للمدركات الحسية أكثر منه تأليف وموجز عن المحسوسات أكثر منه إحاطة واختصار أكثر منه استيعاب. لقد بلور مرلوبونتي عن طريق تحليل للإدراك الحسي من زاوية الجسد الخاص نظرية جديدة في الذات، وحرص على أن تُختَزَل الذاتية وتُرَد فنومينولوجيا الى الزمانية في حد ذاتها وأن تكون الفنومينولوجيا بحثا متأنيا ومنهجا وصفيا يظل وفيا لما يسبق مبدأ الكوجيتو الانعكاسي أو المجال الذي يأتي قبل البعد التفكيري ويقصد الجانب من الذات الذي يهب نفسه لذاته وذلك من حيث البدء باعتباره ملتزم بالعالم. من الإشكالي أن يكون" الإدراك الحسي هو فكر الإدراك عندما يكون مفعما أو راهنا. وعليه، إذا كان الإدراك يطال الشيء ذاته، فعلينا القول دون تناقض إنه صنيعتنا بكامله وإنه عائد إلينا بتمامه شأنه شأن كل أفكارنا"45.

على هذا الأساس يستثمر مرلوبونتي حقول متنوعة من علوم الإنسان لمواجهة الاتجاهات الموضوعاتية والوضعية ويعتمد دون دراية منه على الفلسفة العينية للروح عند برجسن التي تتأسس على مفهوم التعبير وذلك في كتبه المتقدمة وخاصة مؤلفات "بنية السلوك"1942 وفنومينولوجيا الإدراك 1945و"الانسانوية والإرهاب"1947 و"المعنى واللاّمعنى"1948 و"تقريظ الفلسفة"1953 و"مغامرات الجدلية"1955. 46 في هذا السياق يصرح بأن "الوعي ليس له ماهو باطني، انه لا يوجد خارج العالم وخارج الكلمات"47، وبالتالي لا يكون الإدراك perception حصيلة تفاعل سببي بين ذرات من الإحساس وإنما هو بعد فاعل من حيث انفتاحه الأولي على العالم المعيش ويترجم قول هوسرل بأن "كل وعي هو وعي بشيء معين". بطبيعة الحال مهما كانت أطروحة مرلوبونتي طريفة وجديدة إلا أنها بقيت تتحرك على أرضية الفلسفة المثالية وتحترم المقولات التي بلورتها على غرار ثنائيات الذات- الموضوع والطبيعة-العالم والوعي – الوعي بالذات.

بهذا المعنى يوجه عناية كبيرة بمشكل الفن ويضع مسالة التعبير الفني في مركز اهتمامه الفنومينولوجي ويضعها في منزلة البناء التكويني للإدراك والعلاقات التي يمكن أن يشيدها كل من الإنسان والعالم معا. ربما يكون مرلوبونتي قد اقتدر على تخطي ثنائية الذات والموضوع في كتاباته المتأخرة وبالخصوص في مؤلفات "علامات" 1960 و"العين والفكر" 1960 و"المرئي واللاّمرئي" 1964 و"نثر العالم" 1969. لقد تم اختراق الفنومينولوجيا عن طريق صعود حدس ميتافيزيقي بصورة خاصة يتمثل في معطى اللحم الذي يوجد في منطقة وسطى بين الواقعة والماهية وبين المادة والفكر ويشكل اللاّمرئية التي تشكل المرئي ويمثل العمق الغامض الذي يسمح بظهور الأشياء واللاّمعرفة الأولية التي تدفع الرغبة إلى كسب المعرفة.

لقد حاول مرلوبونتي دفع الحدود الداخلية للفنومينولوجيا من حيث هي دراسة موجهة للظواهر وتقييد للفلسفة لكي ترتقي إلى مستوى فلسفة الفكر ومن أجل أن تتحول إلى ميتافيزيقا من نوع جديد ومعاصر. لقد تعامل مع الفنومينولوجيا بوصفها إنكار للعلم وأكد على أهمية العودة إلى الأشياء من الناحية المنهجية وحاول إعادة التفكير في العلم في حد ذاتها وذلك بإضفاء المعنى والقيمة على تجربة الإنسان في العالم. لقد مر مرلوبونتي بتجربة التدريس وكان أستاذا ناجحا في تعليم الفلسفة بالرغم من فشل الرفقة التي جمعته بجان بول سارتر وتميز بإعطائه الأولوية للإدراك وتثمينه للحضور المتجسد في العالم وتدشينه التجربة اللغوية لفنومينولوجيا الكلام واهتمامه بالفنون والانتباه إلى دور العلاقات البيذاتية في تشبيك حركة التاريخ وتأكيده على أهمية التصالب48 الحي في الانتقال من اللاّمرئي إلى المرئي وفي إنتاج المعنى من اللاّمعنى.

إذا كان سارتر قد أخذ من هوسرل مصطلح القصدية ونصص على أن الوعي هو وعي بشيء ما وأن هذه الفكرة لا يمكن قبوله بشكل مستقل عن انفتاح الوعي على العالم المتكون من الأشياء والمشاعر والعدم ورفض الوجود الجوهر وأكد على القدرة على الإعدام فإن مرلوبونتي يستعيد فكرة القصدية أيضا ولكنه يعطيها صورة مختلفة ويستعملها بطريقة مغايرة وأكثر هندسية بحيث يقدم الوعي على الفعل في لحظة مطوية في بنية العالم من خلال نمذجة الزمان والمكان وحيث التفريق بين الداخل والخارج ويقر بتكامل الذات والعالم بحيث تشعر بالعالم الذي يتاح إدراكه. إذا كان سارتر أكد على إلزامية الحرية باعتبارها وضعية أصلية من ناحية ومشروع وجود مستهدف من ناحية أخرى وبالنظر الى أسبقية الوجود على الماهية وعرضية العالم وحدثيته فإن مرلوبونتي يرفض مقولة العدم ويقاوم كل اختيار عدمي يتبناه الإنسان ويعترف باحتلال الكائن البشري لمنزلة في العالم الذي هو بصدد التشكل ومفتوح على عدد لامتناهي من الإمكانية ويرافع على ممارسة حرية التوازن أثناء الاختيار بين أحد هذه الإمكانيات عبر فعل التجديل والتكامل.

وإذا كان سارتر في جلسته المغلقة يعتبر الآخر هو الجحيم ويكشف عن العلاقة النزاعية بين الأنا والآخر سواء من خلال الإقرار بوجود صراع بين أشكال الوعي بين الكائن في ذاته والكائن لذاته من أجل انتزاع الاعتراف والتي ترجمتها جدلية السيد والعبد أو من خلال مفهوم النظرة التي تحرج الذات وتسلبها التعالي والكبرياء وتحولها إلى مجرد موضوع وتنزل بها إلى مرتبة الشيء فإن مرلوبونتي يذهب في الاتجاه المعاكس من ذلك ويعتبر وجود الغير هو وجود إشكالي للفكر الموضوعي ولكن يفترض إمكانية التقابل والتلاقي معه ضمن أفق تكاملية العالم المشترك.

على سبيل التخصيص لقد كانت" خشية الفلسفة من اللاّمعنى هي خشية الخطر الكارثي الذي لا انعطاء معه لمعنى أصلي ولا بقاء بعده لمطلب غائي ولذلك كان صبرها على إنشاء المعنى بقدر حرصها على استبعاد اللاّمعنى"49. لقد استخدم مرلوبونتي فنومينولوجيا الكلام من أجل أن يبين أن التعبيرية expressivité تمتحن قدرات الذات المتسجدة في العالم على بلورة أنشطة رمزية وأفعال إدراكية تتجاوز المستوى العضوي للجسم الموضوعي وتبلغ درجة الأنشطة العقلية التي تقوم برفعها إلى مستوى الحياة الثقافية. هكذا يتحول الكلام إلى نواة الثقافة وذلك لما يتمتع به من دور في امتحان العلاقة بين الفكر والمعنى وبين الذات والعالم ويتجلى ذلك بوضوح في الاستعمالات الأدبية للغة وإمكانيات الجسد الخاص في التعبير فنيا.

"فالفنومينولوجيا إذن ليست صياغة جاهزة أو مذهبا مكتملا بل هي إمكان مفتوح للمساءلة والتشخيص. إن المجال الفنومينولوجي يضم الذاتي والموضوعي، انه مجال الإظهار في فعل إظهاره، هو الذي يُمَكِّنُ التقاء الذات بذاتها ويوفر الإمكانيات التي تيسر تجسد كيان الأنا في صلبها"50. بعد ذلك يعالج مرلوبونتي المشكلة الخاصة بالعلاقات المعقدة بين الفنومينولوجيا والميتافيزيقا من زاوية قضية اللغة ويبحث في الكيفية التي يحوز فيها الكلام الذي يقوله الإنسان على القدرة التي تمكنه من الهيمنة على الممارسة وبذلك يتحول من مجرد القول إلى فضاء التجربة وميدان الفعل. لكن كيف يمكن أن تتحول فنومينولوجيا الكلام فلسفة كلام وتحصل على توضيح من درجة عالية؟

والحق أن هوسرل كان محقا حينما حاول التقريب بين مشكل الكلام ومشاكل الإدراك والمعرفة بعدما ظل مطمورا في التراث الفلسفي وعمل على دفعه إلى الموقع المركزي في الفنومينولوجيا. بعد ذلك حافظ مرلوبونتي على هذا التمشي ولم يكتف بتكرار النتائج التي توصل إليها هوسرل وإنما كشف عن أصالة المبحث اللغوي وطابعه المعضلي وأعاد تحريك التفكير حول هذا السؤال. فاذا كان هوسرل خاض في الفوارق القائمة والمحدثة بين النحو الكوني والكلام الأولاني وبين أشكال الدلالة وشبكة الرموز وبين اللغات التجريبية والكلام الماهوي وبين البنية والوظيفة وبين لغة التواصل ولغة الفكر فإن مرلوبونتي قد ميز بين اللغة والكلام وبين معرفة اللغة وحدث الكلام وبين فكر اللغة وجسد اللغة وبين الذاتي والموضوعي وبين الدياكروني والسانكروني وبين الكلام المتكلم والكلام المتكلم وأسند للكلام مهمة الكيان في العالم بوصف طريقة أصلية في قول الأشياء.

ما يهتم به مرلوبونتي بالتمييز بين الكلام من حيث هو موضوع للفكر والكلام من حيث هو خاص بالذات هو إبراز أصالة الحاضر في الموقف الفنومينولوجي وليس صلته بالموقف الموضوعي من التمييز الذي أجراه دي سوسير بين سانكرونيكية الكلام ودياكرونية اللغة وما ترتب عنها. على هذا النحو إن ما تضيفه الفلسفة الفنومينولوجية مع مرلوبونتي إلى المعرفة الإنسانية باللغات من حيث هي أنساق من العلامات والرموز تحكمها قوانين هو خوض غمار التجربة الذاتية في الكلام وما تحمله من معنى تخص العالم الذي نعيش فيه والمنزلة الأنطولوجية للوجود من حيث هو كلام. هكذا تشيد فنومينولوجيا الكلام تصورا جديدا لوجود الكلام وفق منطق متجسد في الحدثية. لكن فيم تتمثل خصوصية الرؤية الفنومينولوجية للعالم من وجهة نظر الفلسفة العينية عند موريس مرلوبونتي؟

في هذا الإطار يميز مرلوبونتي بين العالمle monde والكونl’univers بالانطلاق من التمييز بين الإنسان والطبيعة وبين الفكر والمادة، الكون الذي قام العلم ببنائه هو كلية مكتملة بشكل علني،حيث تم تحديد العلاقات بين ظواهره بصورة تبادلية. بينما العالم الخاص بحياتنا، الوسط الخاص بتجربتنا وفعلنا هو تعددية مفتوحة ومجهولة حيث تكون العلاقات بين العناصر التي تتكون منها في تبادل تلازمي، ولا يوجد موضوع بلا مطبات معطلة ودون نقائص واضحة بل وفق عبارة مالبرانش أثر مفتوح وعمل غير مكتمل وبناية بلا سقف. من جهة أخرى ليس العالم موضوع تفكير بل هو مجموع التجربة التي ينخرط فيها الناس بشكل ملموس53. انه الأسلوب الكوني لكل إدراك ممكن وكذلك الكائن المستمر في وجوده بصورة دائمة بحيث يستقطب كل طاقة دافعة نحو الوجود. انه حركة الكائن البشري نحو الحقيقة من خلال الظاهر. انه لا يؤسس وحدته المعطاة على هوية الذات لفكر مكون بشكل مسبق بل على العكس هو الوحدة التي تتشكل عندما تنخرط في تجربة الإدراك الحسي وتنطلق من القاعدة التي تمنح الانسجام والتساوق مع الذات ضمن العالم الطبيعي.

لم يعد العالم حسب مرلوبونتي موجودا بصورة مطلقة ولا موضوعا شاسعا يتضمن كل الآخرين وإنما هو فقط ما يظهر، أي الذي يمنح الوجود لكل موجود، أي الأسلوب الكلي لكل مظهر يمتلك وجودا لغويا. في هذا السياق يتضمن العالم كل الموجودات حينما يعمل على منحها معنى مشتركا بصورة تلازمية عند كل فجوة تفضي إلى هذا الأسلوب في البداية الذي يمتد فيه كل إدراك للموضوع بشكل معلوم سواء باتجاه عمقه المحايث الذي ينغرس فيه (الأفق الباطني) أو باتجاه السياق العام الذي يتنزل ضمنه (الأفق الخارجي)54. لقد اتضح للعيان أن التأليف الذي أعطى الإنسان موضوعه من عمق العالم هو غير مكتمل ومفتوح وأن هذا الانفتاح أو اللااكتمال لا يسلب العالم واقعيته وراهنيته وإنما على العكس يعمل على تأسيس هذه الواقعية. والحق "أن العالم هو الذي يشكل نواة الزمن لا يستمر إلا بهذه الحركة التي تفصل وتصل اللاّحاضر بالحاضر"55. كما ينسحب الواقع في انعطائه ويهب نفسه في انسحابه ويمثل العالم واحد من الأسماء التي يطلقها الإنسان على هذا الرابط الذي لا ينفصل بالانعطاء أو بالانسحاب وإنما بالانتماء الذي يمنح الأشياء المدركة أحجامها أي معان وجودها وذلك بأن يجعلها تند عن كل تفرد في المكان والزمان وعن كل ماهية كونية. لقد أظهر موريس مرلوبونتي أن "العالم هو هذا المجموع الذي ينفتح بشكل مفاجئ كل جزء مأخوذا في حد ذاته على أبعاد غير محدودة لكي يصير جزء شاملا"56. ولم يكف مرلوبونتي عبر أثره الممتد عن الإشارة إلى ضرورة العناية الخاصة بببعدين من أبعاد الوجود في العالم هما:

أ- الحدثية أو الوقائعية facticité وذلك من خلال تصريح مرلوبونتي بأنه "يوجد العالم" ا أو بأكثر دقة ثمة عالم وبأهمية التدرب على الاعتراف بأن الادراك ليس الا الانبثاق اللامحفز للعالم وبالانفتاح على العقل و"عدم وجود الفكر الذي يتخطى حقيقة العالم"57،

ب-الفردنة أو التفريد individualité التي تعني بأن العالم هو ذلك الجزء الذي يعانق الكل وكذلك هو الفرد المتفرد والفريد والذي يلتقي مع الجميع على جهة الاختلاف والتنوع والفرادة والطرافة معهم ويعمل على إثبات ذاته في فردية مطلقة تسبق المفرد والجمع دون أن يتم تصوره على منوال عام58.

بطبيعة الحال يصوغ مرلوبونتي من الصفحات الأولى من بنية السلوك المشكل الأهم في أثره الفلسفي والمتمثل في معرفة أساس العلاقة الممكنة والقائمة بين الوعي والطبيعة ورأى أنها تتخطى في ذات الوقت التفسيرات الوضعانية والمقاربة النقدية ويتبع منهجا مغايرا ينطلق من التحت ومن الهُنا ويحاول وصف المتراكم. لقد اختار أن يعتمد على النتائج التي توصلت إليها العلوم الدقيقة والاجتماعية ويمارس التفكير في تبعاتها وعلاقتها بالثقافة والمجتمع وانتبه باكرا إلى المخاطر التي ظهرت معها وخاصة في مستوى اختزال الصلة المنعقدة منذ البداية وبعد ذلك بين الوعي والطبيعة والركون إلى الطبيعة كما تكونت في الوعي. كما يجب ترقيم الحقل الظاهري وإنتاج معرفة من خلال أشكال الوصف النفسي للمواضيع الظاهرة وذلك بالابتعاد عن الإقامة المباشرة في البعد المتعالي التي يفرضها المعطى المباشر وينقصه التكوين الحق ويقع الفكر الموضعي بالتالي في طرح أسئلة غير قابلة للحل وذلك لأنه يظل يتحرك تجربة لم يغادر مضيقاتها.

هكذا يقودنا الانطلاق من الإقامة في العالم بدل الاكتفاء بالتفكير فيه إلى بناء تصور جديد للتجربة يقوم بإلغاء المسلمة الطبيعية التي وقع التصديق عليها من وجهة نظرة مشتركة والقبول بها بصورة عفوية. من هذا المنطلق يعالج مرلوبونتي المسألة بالانطلاق من تحليل مفهوم السلوك أو التصرف comportement بالاعتماد على علم النفس الشكلي والفزيولوجيا عند غولدشتاين ويحرص على إعادة تحديد العلاقة بين الذات الحية والطبيعة المادية التي تتحرك ضمن وسطها وتتسم بالحياد نتيجة الفرق القائم بين الفزيولوجي والنفسي.

لقد قلل مرلوبونتي من قيمة مفهوم المنعكس الشرطي الذي صاغته فزيولوجيا بافلوف في تفسير السلوك البشري على الرغم من نجاحها المذهل في تفسير السلوك الحيواني من خلال التلازم بين إثارة خارجية واستجابة عضوية وعن طريق التفاعل بين البعد الكيميائي والجانب الغريزي الذي يتحرك عند التحفيز. إن السلوك الذي يتأثر فيه العضوي بالكيميائي هو ميكانيكي وغير إرادي ولاواعي ولذلك يعيد مرلوبونتي تنظيمه لدى الكائن الحي بصفة عامة ولدى الموجود الإنساني بالخصوص خارج إطار الميكانيكا العمياء التي أصيبت بها العقلانية العلمية الكلاسيكية والتي جعلت الجسم مجرد آلة تتكون من مجموعة الأجهزة.

غاية المراد من هذا التحليل أن العالم عند الحيوان ليس واقعة في ذاتها خاضعة لقوانين فيزيائية وكيميائية التي اكتفى العلم بجعلها موضوع له وإنما قطاع حي مليء بالتقلبات ويخضع للتطور وميدان للتجريب والتفاعل والتأثير المتبادل والتكيف والصراع ويمثل وحدة دالة تتطابق مع حضور الكائنات في الوسط. من جهة أخرى ليس جسم الحيوان قطعة من المادة ومجرد كتلة من الأعضاء وإنما مجرد برنامج وراثي يحوز على بنية وظيفية وعلى مقصد يتحرك في الاتجاه إلى تحقيقه ويعرف توجها واضحا ووعيا ايجابيا بالعالم. بعد ذلك يسعى مرلوبونتي جاهدا في فنومينولوجيا الإدراك الحسي إلى وصف القرابة القائمة بين السلوك الإنساني وتجربة الجسد الذاتي ويركز على المقاصد والدلالات التي يتصف بها سكن هذا الجسد في العالم. إن "الجسد الذي أكونه فعليا هو أكثر من أن يكون شيئا أمتلكه" والبينة على ذلك أن حركات الجسد الخاص هي مغايرة للتصرفات الإدراكية تجاه المواضيع الخارجية ولا يمكن تفسيرها بالتفاعلات الميكانيكية مع المثيرات الخارجية بل بالحركة القصدية التي تتوجه نحو مجال لا يكون غريبا عنها على الإطلاق. لهذا يذهب مرلوبونتي في الاتجاه المعاكس لهذا التصريح: "لست قاطنا في جسمي مثلما يقود الربان سفينته"59.

من هذا المنظور لا يفترق الاتصال بالعالم من خلال الجسد عن الالتزام الوجودي به والانخراط التام بقضاياه ومحنه وذلك لأن المرء يمكنه بلوغ العالم من خلال الحضور التام فيه بدل التعامل المجرد معه من جهة التمثل والفكرة. إن الانغراس في العالم يفضي إلى حيازة الوجود الذي يتقمص الذات دلالة عملية أكثر من معرفة نظرية لأن العلاقة البدئية تتخطى الفعل السببي والتمثل الذهني وتتشكل من حضور الأشياء في الحقل الإدراكي. كما يتم الوجود في العالم عن طريق الجسد بالنظر إلى أن الجسد عبارة نحو الإقامة في العالم بذاتية متجسدة ليست لها شبه بالعلاقة المعرفية التي كانت سائدة بين ذات متعالية وموضوع خارجي مقتطع من الطبيعة. وبالتالي يكون الجسد أثناء تجربة الوجود في العالم هو الحامل الفاعل الذي يترك الأثر ويمنح الذات مفتاح التجربة الإدراكية ويساعد التفكير الفلسفي على الاتصال بالبعد غير المفكر فيه لينتج تفكيرا دالا حول اللاّمفكر فيه.

في الواقع ليس من الخطأ تعريف فكر مرلوبونتي على أنه محاولة من لأجل إدراك المعنى المميز للعالم من حيث قام بتعقل العناصر العفوية التي تعج بها حياتنا اليومية ولهذا السبب قام بتثمين عودة هوسرل إلى عالم الحياة في مقالاته عن الأزمة التي عصفت بالعلوم، وتناول العالم من حيث هو الوسط الذي يشهد غالبية التجارب والأفعال التي تعطى كما لو أنها كانت دائما هناك تتضمن كل شيء بما في ذلك الوعي الذي يموضعها. لقد كان هدف مرلوبونتي استخلاص كل النتائج الفلسفية من الاندراج البدئي للذوات في العالم من خلال تجربة الجسد وذلك من خلال التركيز على نقاط حدوث الالتقاء والتقاطع والتواشج وليس بالمعرفة الشفافة. هكذا توجد مسافة فاصلة وهوة سحيقة أو عمق تكويني للعالم ولكن الخاصية الأساسية للعالم ليس في إسناد موضوع لهذا التعالي الذي عده هوسرل من الأمور البديهية بل أصبح يشكل عند مرلوبونتي بنية الأفق. بهذا المعنى صار العالم هو هذا الوسط حيث كل حضور يمكن أن يكون مثبتا بواسطة جملة من الادراكات ويحيل من جهة أخرى على محيط قابل للاستثمار بلا حدود بما أنه يمثل أفق جميع الآفاق وكلية حاوية ومفتوحة. على هذا النحو يعبر مفهوم البعد عن هذا الاندراج لكل موضوع ظاهر في العالم من أجل أن يقول المرء شيئا عن شيء ما ولكي يكون في العالم وذلك بأن يتم التعرف عليه من خلال تجليه بواسطة شكل ما وتصرفه وفق بعد من أبعاد العمومية التي تجعله يشتغل وفق أسلوب يناسب كل ما يمكن أن يظهر به من أعمال وتجارب. فما معنى أن نقول عن شيء ما أنه في العالم؟ وما المقصود بالكيان في العالم من المنظور الفنومينولوجي؟

تحتل مسألة الرؤية مكانة أولى في فلسفة مرلوبونتي لأنها موجودة في جميع الظواهر التي تنتج المعنى وتكمن في كل نافذة مفتوحة على العالم وتمسك مفاتيح الدخول إلى بواطن الذات والولوج إلى الخارج. إن دراسة اللمس الذي يمثل اختزالا حقيقا للرؤية يظهر الانخراط الأساسي للعضو الذي يحس في مجال ما يحس به، لأن الذات لا ترى شيئا إلا من خلال قرابتها الأنطولوجية مع الموضوع المرئي من جهة انتمائه إلى العالم. إن رؤية المرئي هي التي تمثل المبدأ التكويني للرؤية وانه غير كاف أن يكون المرء متيقنا من رؤيته لشيء معين لكي يكون رائيا بل العكس الشيء هو الذي يستهدف نفسه إلى الرؤية التي تراه هناك. فأن يكون الرائي مرئيا يعني أن تقر بأن الرؤية تأتي لكي تتثبت منظورية متداخلة في الأشياء المرئية. هذا المعنى الحقيقي للمحسوس حيث يكون المرئي شبيها بها وبالتالي لا يجب نعته بأنه قابل لكي يكون مرئيا بل يشيد حركة رؤية من أجل وجوده وأن يمثل الوجود المرئي قسما من الوجود ومن فعل الرؤية. فإلى أي مدى يمكن الإدراك الحسي الإنسان في جميع أنماط وجوده من رؤية العالم كماهو في حد ذاته؟ وما يمكن أن تضيف فنومينولوجيا الكينونة عند هيدجر إلى فنومينولوجيا الكلام عند مرلوبونتي؟

3- فنومينولوجيا الكينونة عند مارتن هيدجر:

" يجب أن نكون بالضرورة قادرين على تحديد الفرق بوضوح بين الكينونة والكائن إذا أردنا أن نأخذ شيئًا مثل البحث. هذا ليس تمييزًا على الإطلاق، لكن من خلال هذا الفرق فقط يمكن التغلب على موضوع الأنطولوجيا، وبالتالي الفلسفة نفسها. نحن نعتبره فرقًا أنطولوجيًا، أي الفرق بين الكينونة والكائن"60

يعتبر مارتن هيدجر 1889-1976 من أكثر الفلاسفة الألمان تأثيرا وإثارة للجدل في القرن العشرين ويعد كتابه الوجود والزمان 1927 من أشد المؤلفات تشويقا وغموضا على الرغم من عدم بلوغه وضع الاكتمال والتمام وذلك لما تضمنه من تحليل دقيق لأحوال الوضع البشري من خارج المنظور الميتافيزيقي بالتركيز على العالمية والقلق والتناهي والإثم والنسيان والعدم والمعنى والوجود الزائف والوجود الأصيل. إذا كان أدموند هوسرل قد أدخل الفنومينولوجيا إلى مجال البحث الابستيمولوجي وبحث في نظرية المعرفة ومسألة الوعي وانتهى إلى أزمة العلوم الأوروبية فإن مارتن هيدجر قد نقلها إلى المجال الأنطولوجي وجعلها منهجا بحثيا في أحوال الوجود وتفطن إلى خطورة التقنية والعقل الأداتي وأهمية الشعرية.

وإذا كانت الأنثربولوجيا الفلسفية مع أرنست كاسرر والفنومينولوجيا المتعينة مع موريس مرلوبونتي قد سلكت الطريق الطويل في تقصي معنى الوجود فإن هيدجر قد اختار الطريق القصير والمباشر في العروج نحو الوجود. وإذا كان الطريق الطويل في استهداف الكائن البشري يشير إلى الأنثربولوجيا الفلسفية التي سعى إلى بنائها بول ريكور وذلك بالتعويل على ما وفرته العلوم الإنسانية من عدة منهجية وطرق إجرائية واستثمار النسق الرمزي للغة والأولوية العلمية والإيتيقية للبيولوجيا والبسيكولوجيا وما تركته الشمولية من جراحات حية وأخلاقية. فإنه على خلاف ذلك يدل الطريق القصير في استهداف الكائن البشري على الأنطولوجيا الأساسية التي أبدعها مارتن هيدجر وتمظهرت في ثوب تحليلية الدازاين بالعزوف عن استثمار نتائج واكتشافات العلوم الوضعية والصحيحة والإنسانية.

في هذا الصدد يمكن إثارة الإشكاليات التالية: ماذا يمكن أن يكون الإنسان في حياته اليومية؟ وأي وجود أصيل يمكنه بلوغه؟ وهل بقي أمرا معينا يمكن أن نذكره عنه في ظل نسيان الكينونة وطغيان النزعة العدمية؟ ما الفرق بين الوجود بصفة عامة والوجود الأصيل؟ وما الداعي إلى التمييز بين وجود الأشياء والوجود الإنساني؟ وما المقصود بالوجود الزائف؟ وكيف يمكن الارتقاء من الوجود الزائف إلى الوجود الحقيقي؟ وأين يتحقق الوجود الأصيل؟ هل في الوجود المكاني أم في الوجود الزماني؟ وماذا تضيف الزمانية إلى الدازاين؟ هل تبقى الدازاين على حالها أم يصيبها التغير والتحول؟ وماهي دوافع وضعيات القلق والجزع والعبث التي يتعرض لها وجود الإنسان؟ هل من دور للقلق في التعبير عن الوضع الإنساني؟ بأي معنى يمثل الموت البعد الأساسي للكينونة؟ وكيف للمرء أن يواجه الموت؟ ومتى يمكن الانتصار على التناهي؟ إلى أي مدى تمثل اللاّعصمة خاصية الإنسان؟ ماهو المعيار المحدد للطابع التاريخي للذات؟ وهل التاريخية هي ركام الأحداث المختلطة دون فاعلية من الكائن الإنساني؟ هل الإنسان هو نقطة التقاء بين الأحداث التاريخية أم هو ذات فعالة في صيرورة الأحداث تتدخل في صنعها؟ هل يصير الدازاين كائنا تاريخيا بالذوبان في الأحداث التاريخية المتتالية؟ ماهي انعكاسات تدخل الماضي في البنية الزمانية للدازاين على مستقبلها؟ ألا ينبغي أن نبحث عما يشكل الوجود الخاص للدازاين؟ إلى ماذا يقود التأويل الأنطولوجي للدازاين؟

يعبر هيدجر عن الوضعية التراجيدية التي يمر بها الكائن الإنساني في الأزمنة الحديثة باستثمار المراوحة التي تتضمنها المفارقة الفلسفية التالية: "كلما نظم الإنسان بتصميم وإصرار مسيرته نحو التحكم بالطاقات الهائلة الضرورية لسد حاجاته إلى الأبد، كلما ضعفت قدرته على بناء إطار ماهو جوهري وضروري وعلى الاستكانة إليه."61 كما يحاول مارتن هيدجر تحطيم التناول العلمي المموضع للإنسان والتعريف البديهي الموروث عن القدامى والذي يميزه عن بقية الكائنات بوصفه الحيوان العاقل وينقد فكرة الذات التي تزعم بأن حد الطبيعة البشرية يمكن إنارته وتوضيحه عن طريق أنثربولوجيا وضعية ذات منحى علمي وفي المقابل يلتزم بوصف فنومينولوجي لوجوده وينطلق من اندراجه في العالم ويقوم بتحليل أحواله وتجاربه وتتبعه في تجليه وتحجبه وفي إقباله وإدباره ويكشف عن فقر الإنسان بلا مقولات أساسية ودون ماهية وطبيعة ثابتة62.

في هذا الصدد بَيَّنَ هيدجر أن الدّازاين هو مفردة ألمانية تفيد الوجود بصفة عامة وفعل أن يكون الإنسان موجودا ولكنه منح الكائن الملقى في العالم الذي يتخذ طابعا زمانيا معنى محددا هو نمط وجود خاص بالإنسان وبرر ذلك بأن الأشياء موجودة ومستمرة وتختلف فيما بينها بينما الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن نقول عنه أنه كائن ويرتبط بوجوده من جهة نمط الفهم والإمكانية. في الواقع أن يكون المرء لا يعني فقط أن يوجد مثلما توجد الأشياء التي تجهل وجودها ولا تعي ماهيتها بل يكون بالفعل ويتساءل عن معنى وجوده ويحول هذا السؤال عن وجوده إلى علاقة تكوينية مع ذاته. من هذا المنطلق لا تتطابق حقيقة الموجود البشري التي يتم الحصول عليها من خلال فهم ماذا يعني الوجود بالنسبة إلى الإنسان مع المعارف المجردة والجزئية التي تراكمها العلوم الوضعية. على هذا النحو يعلن مارتن هيدجر انتمائه إلى المشروع الهوسرلي الناقد للعلم ويجري تحليلا للدازاين ولا يركز فيه على التصرفات الفردية وإنما يهتم بالبُنَى الأنطولوجية الكبري للوجود البشري وبعبارة أخرى يتناول الأبعاد الوجودية للإنسان. إن الخاصية الأولى التي تميز الوجود البشري هي الانفتاح على العالم وعلى كل الكائنات الأخرى طالما أن الوجود ليس ذاتا واعية ومتجردة وإنما هو الاندراج في العالم الآن وهنا واكتشاف المرء نفسه باعتباره كائن فريد وموجود متعلق بالمكان والزمان ومنتمي إلى عصر معين ومنغرس في التقاليد والتراث.

بيد أن الوجود البشري يمتد باعتباره إسقاط لذاته خارج ذاته والتوجه نحو العالم وبالنظر إلى أن الوعي هو دائما وعي بشيء ما. بناء على ذلك تمثل القصدية حركة انفتاح على العالم ومحاولة للظفر بالمعنى. كما لا يشكل الوعي حالة مكتملة ومعطى أصليا بل تجربة ذهاب من الذات إلى العالم وإياب من العالم إلى الذات. كما لا يحصل الإنسان على وعي بذاته إلا من خلال إقامته لعلاقة مع العالم الذي يحيا فيه وعند لقائه بهذا العالم من خلال ذاتها عينها. إن الإنسان يوجد معزولا بصورة اصطناعية في باطنية ذاتية ناتجة عن تفكير مجرد ولكي يلتقي بإنسانيته ويتصالح مع ذاته يكون ملزم على الخروج من ذاته والإلقاء بنفسه في العالم. هكذا يسحب هيدجر الستار عن فهم أصلي وأصيل للوجود البشري ويلغي التعريف الكلاسيكي العقلاني للذات ويقرر الكف عن تكوين تصور ماهوي عن وجودها الواعي بشكل مستمر وبصورة شفافة ومطابقة لذاتها وتحطيم ثنائية النفس والجسم والانقسام الميتافيزيقي بين المحسوس والمعقول وبين المادة والفكر. وبالتالي حلت تجربة الوجود في العالم مكان مفاهيم الحيوان العقلاني والكوجيتو والذات الحاضرة بشكل مجرد ودائم وموحد مع نفسها وتبين أن الإنهمام angoisse هو البنية العامة لوجوده وتقمص الوعي الوضعيات المعيشة والانفتاح وصار الإنسان مقذوفا به في العالم ومنفتحا على المستقبل الآتي ويوجد في شكل مشروع ذاتي.

اللافت للنظر أن الوجود البشري مرتبط دوما بالزمان ويتجلى في صورة مشروع إنساني قابل للتحقيق في المستقبل وبالتالي يأخذ الزمان أهمية جوهرية وبالتالي تشكل الزمانية المعنى الأصلي لوجود الدازاين ويشير معنى الدازاين الى الزمانية63. بناء على ذلك لا تخضع الأنطولوجيا الأساسية الوضع البشري لفهم نظري مجرد ولا تطرح أسئلة علمية مكانية وإنما تتنزل ضمن فهم التجربة الزمانية للدازاين والديمومة الحية وتقوم بوصف صيرورة تشكل الذات ضمن الغيرية والاختلاف وتعطي الأولوية للمستقبل على الحاضر وتعتبر الزمان عبور للماضي للحاضر نحو المستقبل ولكن الماضي ما ينفك يمضي والمستقبل مازال لم يهل بعد والحاضر لم يقدر على الحضور وبالتالي هو مجرد همزة وصل بين ما انقضى دون رجعة وما قد يأتي. غني عن البيان أن الوجود البشري موسوم بخاتم التناهي ويتجلى ذلك في الانهمام بالمستقبل في إطار الزمانية والوجود من أجل الموت بوصفه البعد المتناهي من الكينونة والتعامل مع ظاهرة الموت باعتبارها البعد الجوهري للوجود وليس الحد الخارجي للحياة. والآية على ذلك أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة إلا والهرم قد دب به لكي يموت وكأن أول يوم يقضيه الإنسان في الحياة هو أول خطوات في اتجاه الموت. اللاّفت للنظر أن الانهمام sorge هو مفهوم متميز عند هيدجر لأنه يعبر عن تجربة خوف يعيشها الإنسان في مواجهته للتناهي والشعور بالضياع في العالم وانتفاء القيمة واصطدامه بالعدم وليس مجرد خوف من مخاطر واقعية تهدد الحياة الإنسانية بالانتفاء، كما يعبر الانهمام عن تجربة الوجود نحو الموت64. والحق أن الإنسان لا يكتشف بنفسه نهاية الشأن الإنساني عند التقائه بتجربة الموت فقط وإنما يعبر عن بعده عن جوهر وجوده ولذا يمثل الموت الإمكانية الخاصة بشكل مطلق واليقين الذي لا يتجاوز ولا يمكن تحديده65.

بناء على ذلك يتجلى الوجود الزائف للدازاين في مظاهر القلق والشعور بالغربة والتباعد والسقوط واللغو والالتباس والتوسط والتأثر الوجداني وهي مظاهر فردية رغم اندراجها ضمن مظاهر جماعية مثل الناس والشعب والحشد والحياة اليومية فإنه يمكن رفع هذا الوجود الزائف وإلغائه نحو الاهتمام المستبصر. كما يتضح الوجود الحقيقي للدازاين في مظاهر الخوف والهُم on والانهمام والقلق والعدم والوجود في العالم وهي مظاهر تتجاوز وتتعالى على الوجود الزائف وتعبر عنها تجارب الوجود من أجل الموت والضمير والذنب والتصميم والتاريخية والزمانية والنداء والحضور والانعطاء. غاية المراد أن وجود الدازاين هو نقطة انطلاق الأنطولوجيا الأساسية لاسيما وأن السؤال الأنطولوجي عن الوجود لن يطرح إلا إذا وجدت كائنات بشرية تحمل على عاتقها مهمة طرحه والتفكير حول الوجود وحراسته.

هكذا يتبين أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي بإمكانية طرح سؤال الوجود وذلك لكونه الوحيد الذي يتضمن الإمكانية على طرح السؤال والتكلم مع العالم والإنصات إلى نداء الوجود واستدعاء المعاني. في هذا السياق يري هيدجر أن مسكن الوجود هو اللغة وأن الوجود يفكر فينا وبنا وذلك لأن الإنسان هو الموجود الأوحد الذي يبدو وكأن الوجود العام قد اصطفاه أو دعاه ليكون في مصيره نفسه ناطقا باسمه. والحق" أن سؤال التماسك في الدازاين الذي يوجد في تشتت الظروف والفرص لا يطرح إلا في أفق اليومية الروتينية أي التاريخانية اللاأصلية وحتى يخرج الدازاين المتردد من التشتت يجب أن يخترع بعد فوات الأوان بدء موحدا"66.

لكن ألا يتعلق الذهاب إلى الوجود عندئذ بحدوث البدء العائد أم بحدثان عائد في البدء؟ فهل تمثل اللحظة الريكورية البدء الجديد الذي حدث في أوانه؟ وما الذي تغير في تصور الوضع البشري عندما تم تبديل الطريق القصير بالطريق الطويل مع ريكور؟ كيف تتعامل فلسفة اللاّعصمة مع لاتناسب الذات مع ذاتها؟ أو بعبارة أخرى: إن السؤال الذي يحق للفنومينولوجيا أن تدقق في عملية طرحه وصياغته هو المتعلق بعالمية الكائن البشري: فيما تتمثل هذه العالمية؟ وكيف يكون الطابع العالمي ممكنا عند الكائن البشري؟ وما الذي يجعله مميزا؟

في الواقع يفضي امتحان سلوك الحيوان إلى استنتاج انتمائه بشكل طبيعي إلى محيط environnement بينما ينتمي الإنسان بشكل رمزي من جهة الذات الساعية إلى الوعي بنفسها ومن الناحية الثقافية إلى العالم. لقد احتل كل حيوان بشكل غريزي وسطا خارجيا حيث ربطته به شبكة من العلاقات التي تساعده على التكيف والمحافظة على البقاء والتكاثر ويتميز هذا الوسط بالتجانس ويمثل مجموعا متمفصلا ويتكون من مواد مألوفة من جهة وسائل الاتصال ونافعة عند الاستعمال ومن أشياء ضارة عند الاقتراب منها وغريبة. بهذا المعنى يمثل المحيط نسقا من التوجهات والحاجات وصور للسلوك ويشكل بصورة دقيقة شبكة محددة بينما الكائن البشري لا يجوز إخضاعه إلى التحليل الذي يشتغل بأدوات تصلح في تحليل الجسم المادي.

لعل المرء يحتل على غرار الحيوان وكل كائن حي آخر وسطا خارجيا ويخضع لمؤثرات غريبة عنه ويشعر من حيث هو جسم بضرورة تلبية مجموعة من الحاجات النوعية ولكن إضافة إلى ذلك يحوز على قدرة حقيقية على إظهار رغبات في تغيير دلالات الأشياء الخارجية وتحويل خصائص الوسط بحيث تتفق مع الصور المنظمة الخاصة به وبالتالي تكون الدلالات الثقافية هي ثمرة التطور للدلالات البيولوجية. إن هذه الدلالات تغطي في قسم منها المواد المصنوعة والمواضيع الرمزية والمحيط الطبيعي وجملة التمثلات الميثولوجية التي تنعكس في المقولات الفلكية وجل الظواهر الكونية التي تقع تحت طائلة الإدراك البشري.

من هذا المنطلق تتشكل منظورية الواقع من خلال مركز المحاولة ومنبع الفهم الذي يصدر عن الكائن البشري ذاته حيث يقوم هذا الحاضر وسط الأشياء بطريقة تفهمية بتعقل معنى الموجودات ويحرص على شحن الكائنات التي تدور في فلكه بالقيم ويوزعها في حقل مشتت يحوز منذ البداية على قانون تنظيمه. إن الخاصية الأكثر إثارة للانتباه عن هذا الحقل هي عدم تناهيه ولامحدوديته وبعبارة أخرى هو انه ليس البتة النسق المغلق الذي تكون من عدد قليل من الأشياء والعناصر والمواد التي تم وصفها بدقة وبصورة معينة، وإنما يمتد إلى مابعد المواضيع المعتادة والأشياء المألوفة ويقدم نفسه على أنه قادر على استيعاب الأشياء المكتشفة وامتصاص المواضيع الجديدة دون أن يستطيع رسم الحدود التي يتوقف عندها هذا الاستيعاب.

على هذا النحو قبل أن يكون العالم شبكة من القيم فإنه يمثل النواة المعيارية التي تشيد إمكانية التقويم ذاته، وهو الذي يجعل حقل الدلالات، من حيث هو مبدأ التشميل وليس كلية مغلقة ولا مجموع مجرد ولا نسق نهائي من التمفصلات، القاعدة التي يرسي عليها الكائن البشري سفينته ويستمد معقولية وجوده في العالم. إن الطريقة التي يتم من خلالها تشميل العالم ليست محددة لا بواسطة طبيعة المواضيع التي تم تشميلها ولا بواسطة الخصائص المموضعة من طرف الكائن البشري من خلال التعامل معها بوصفها حاجيات محددة. إن المواضيع ذاتها يمكن إدراجها في حقول من الدلالات المختلفة وتتأثر بدلالات متنوعة وقابلة للتأويل من منظورات كثيرة، وان الكائن البشري ذاته ليس مميزا بخصائص ثابتة ولا يمكن احتجازه عند جملة من المصالح والحاجيات ولا يقبل التحديد من أي قيمة كانت متعالية عن حياته اليومية أو محايثة لواقعه. ما تبدو خاصية مميزة عند الكائن البشري ليس اندراجه في حقل مفتوح من الدلالات، وإنما حيازته على القدرة على تشييد حقول لها مثل هذه الميزة. وان ما يمكن تسميته بالعالم le monde هو حقل الدلالات الذي يندرج ضمنه الكائن البشري والذي من خلاله يؤول واقعه والحقيقة الاجتماعية التي يعيش فيها. بهذا المعنى يمكن التفطن إلى أن الكائن البشري يحوز بصورة تكوينية على طابع عالمي mondain وذلك بالنظر إلى أنه الوحيد بالماهية من بين الكائنات الأخرى الذي بإمكانه إنشاء عالم مختلف. كما لا يمكن الإجابة عن سؤال الطابع العالمي للكائن البشري إلا بعد امتحان بنية structure العالم في حد ذاتها واستنطاق العوالم المتعددة التي ينتجها الإنسان بالانطلاق من نفس المعطيات الأولية والسمات الأساسية ذاتها والإقرار بوجود بنية مخصوصة تنتمي إلى أي عالم من حيث هو بالخصوص عالم ما. لكن القول بأن العالم هو نسق مفتوح من الدلالات يثير التساؤلات التالية: كيف لهذا النسق أن يكون ممكنا؟

لكي يكون ثمة نسق يفترض أن تكون هناك دلالات وقيم مترابطة مع بعضها البعض بطريقة محكمة ومحددة ويفترض أن تحيل إلى بعضها البعض وفق اتجاهات معروفة ودروب معلومة ولكن طبيعة الدلالة تقتضي أن يؤثر الحامل في الموضوع المحمول ويتفرق إلى إشارات وملاحظات متنوعة من الإحالة. ولكي يكون ثمة نسق تشكل الدلالات شبكة من النقاط الثابتة والمسارات المعروفة والمترابطات المبنية، وبالتالي يقع الفكر الفلسفي في تسلسل إلى ما لانهاية بالنظر الى أن عملية منح الدلائل تجعل من كل دلالة تستدعي غيرها من الدلالات وفي المقابل الدلالة المدعوة تقوم بدورها بدعوة دلالات أخرى وهكذا دواليك. لو تتبعنا الشبكة من جهة استثمارها فإننا سنعثر على الكائن البشري ليس من حيث هو مستعمل لآلة أو مرسل لعلامة وبالتالي ننسب له صفة محددة وإنما بالانطلاق من إمكانياته التامة على بناء عوالم متعددة واستقبل معلومات جديدة وإنتاج المنافع والفوائد وفهم العالم الراهن واقتراح مشاريع وإيجاد ثقافة بديلة وتحويل الدلالات المتكون سلفا إلى نحت دلالات جديدة ضمن عالم جديد مفتوح على آفاق غير معهودة.

كما يمكن أن نميز العالم بطريقتين: سواء من حيث هو نسق مكثف من الدلالات غير المحددة التي تترابط فيما بينها بواسطة منطق داخلي من الإحالات المتبادلة، سواء من حيث هو الأفق الذي يتيح للنسق بأن يبرز. لقد وقع التركيز في الطريقة الأولى على المحتوى المضموني للعالم وبالتالي على فعلية نصيته المتعينة، في حين الطريقة الثانية تطرح مسألة إمكانية العالم وتحرص على تتبعه في مسار حدوثه وتجليه وبروزه. اللافت للنظر أن البعدين ليسا متجاورين بل الأول هو متمفصل على الثاني بحيث يكون أساسا لما هو متأسس وبذلك ليس العالم كلا متشكلا وإنما هو بناء في الطريق إلى الاكتمال دوما وبالتالي ليس له الحقيقة المشبعة لكي يكون أفقا. إن العالم من حيث هو أفق لا يعني محتوى ولا معنى تام بل الرابط الباطني لما يظهر ولكل ما يزهر في كل مصطلح معين، وهو كذلك حركة التخطي التي تحيل إلى كل الآخرين، ولا يشمل مصطلح بعينه وإنما إمكانية كل خصوصية من حيث هي دالة أي حركة التخطي نفسها. انه ليس شكلا ملموسا في حد ذاته وإنما يتجاوز كل شكل، انه مطلب التشكيل. العالم لا يعرف من حيث هو كلية محددة وإنما هو الأفق التابع للموجودات التأثرية الذي يسمح للشبكة المتعينة من الدلالات بالظهور.

كما يمكن الاعتماد على حركة التعالي بغية الانتقال من بنية العالم إلى عالميةmondanéité الكائن البشري. اذا كان العالم من الناحية البدئية أفقا وليس له مضمونا الا من خلال هذا الطابع فإن علاقة الكائن البشري بالعالم ينبغي أن تكون مفهومة بشكل أساسي بوصفة علاقة مع أفق معين. ان طريقته في الاندراج في الواقع تفترض ابرزا نسق متعين من الدلالات التي تبرز حوله وتضع الواقع ضمن نسق من التأويلات. بهذا المعنى لا يعطي الوجود عالمه إلا عندما يتجاوز كل المواضيع نحو أفق العالم الذي تحلم به دلالته وتتكون منه العقد التي تشكل النسق الموحد. بيد أن إمكانية إجراء تجاوز معين تنتمي الى البنية الأساسية للوجود وتترجم النمط المميز للوجود الذي يختص به الكائن البشري في تعاليه على الموجودات اليومية.

إن الكائن البشري من حيث هو موجود هو خروج من بؤبؤ ذاته وذلك باتخاذ مسافة بالمقارنة مع نفسه ورسم حدود خاصة به ضمن الحركة التي يجريها في انفصاله عن ذاته وانفتاحه على كلية ما يلتقي به. إن التعالي هو في ذات الوقت خروج عن الذات وإعطاء العالم موقعا، وتكمن عالمية الكائن البشري في هذا الانتماء الضروري إلى العالم الذي يمنحه الوجود والمعنى ويعمل على تكوينه وبنائه من خلال تعاليه. إن تحليل التعالي يأخذ اتجاهين أساسيين: الأول يعتني ببيان بنيته الداخلي ضمن نظرية في الزمانية، والثاني يتساءل عن العالمية التي تتيح إمكانية التعالي ضمن منظورية أنثربولوجية وأساس أنطولوجي. إن الإمكانية التي يجدها الكائن البشري من أجل الانفتاح على العالم تحيل إلى المعطى الأولي من المكان الذي يسمح لهذا الموجود الإنساني بإبراز إمكانياته وتشييد عالمه والانفتاح على التعالي باعتباره حقل التحقيق دون أن تكون هذه الإمكانية منتمية إلى الشروط التي تحدد منزلة الموجود بوصفه موجودا ومتعلقة به.

هذه الشروط هي التي تعرف الدلالة الأنطولوجية للكائن وهي التي تجعله يتطابق مع الحقيقة التي تناسبه وتجعل من معنى العالمية هو المكون الذي يتيح له بناء علاقة انفتاح إزاء الأساس الذي تقوم عليه الواقعة. إن الوجود، من حيث هو الأساس، هو الذي يمنح الموجود إمكانية الانفتاح على ماهو كائن واستطاعة الحياة من خلال العلاقة التي تربطه مع الواقعة وتجعله هو في حد ذاته علاقة مع العالم الذي يشكله بنفسه. هكذا يقودنا توضيح جذري لمصطلح العالم إلى الانخراط في تفكير حول طبيعة الأساس وحول علاقة الكائن البشري بالأساس والى إثارة مشكلة العالم خارج إطار التحليل الفنومينولوجي العمل على تخطيها وتجاوزها من خلال تجذير الإشكالية المتعلقة بالعالم على تربة مغايرة وضمن تأويل أنطولوجي تأسيسي. جملة القول أن ما يتم اختباره وتجريبه وامتحانه والتمرن عليه في تجربة الكيان في العالم هو العالم عينه وبالتالي فإن العالم في حد ذاته لا يمكن تعريفه بوصفه موضوع معرفة بل تجربة وجودانية عند الدازاين.

في هذا الاطار يميز هيدجر في الفقرة 14 من كتابه العمدة "الوجود والزمان" بين العالم باعتباره كلية الموجود والمفهوم الأنطولوجي للعالم الذي يشير إلى الوجوداني existential، فإذا كان التحديد الوجودي للعالم يشير إلى ما به يوجد الدازاين فإن العالم في المعنى الأنطولوجي ليس الموضوع الذي يقابل الذات العارفة وإنما ما يمكن فيه أن يعيش المرء، ولذا يقوم هيدجر بتمييز عالم الحياة عن غيره من العوالم ويلجئ إلى التفريق بين العالم المحيطambiant الذي يصلنا بالأشياء حولنا (Umwelt) والعالم المشتركcommun بين الأشخاص (Mitwelt (والعالم الخاص proper الذي يربط المرء بذاته (Selbstwelt (67. بيد أن الوجود مع الآخرين في عالم مشترك قد يفضي إلى التغاضي عن الوجود في عالم الأشياء بصورة موضوعية وبشكل عضوي على نحو ما توجد المواد وإهمال الوجود مع الذات من جهة العالم الشخصي.

تبعا على ذلك يعيد هيدجر تأويل القصدية على ضوء الطبقات الثلاثة لمعنى الحياة أي من يحيا وماذا وكيف. والمطلوب من الفلسفة أن تبحث عن أسلوب الحياة الذي يساعد على إخراج المرء من غربته عن ذاته وانبتاته ولا أصالته وتلاشيه وانحداره في الهُم والحشد وتعمل أيضا على توضيح الطريقة التي يرتبط بها المرء بالحياة وليس المضامين والاهتمامات والأغراض وتتكفل كذلك بتأمين عملية الإمساك بمعنى الحياة في العالم. بعد ذلك يقوم هيدجر في كتاب أصل العمل الفني بتحويل الأثر الفني من مجال تبتكره عبقرية الفنان إلى قدرة تفتح عالما وتجعل من حقيقة الوجود تعبر عن لااحتجاب وأليتيا وليس نتاج للمعرفة البشرية. فالي أي مدى ساعدت الأنطولوجيا الأساسية التي شيدها مارتن هيدجر على انجاز هذه المهمة؟ وماهو الدرس الفنومينولوجي الذي استفاده ريكور من فلسفة الكينونة والكلام؟

4- فنومينولوجيا الحياة الإرادية عند بول ريكور:

" لا يمكن للفنومينولوجيا أن تنجز برنامجها في التكوين دون أن تتكون هي نفسها عبر تأويل معين لحياة الأنا"68

يغطي الأثر الذي تركه بول ريكور معظم المشكلات الفلسفية لعصرنا باستثناء المشكلات التي تطرح ضمن دائرة العلوم الطبيعية والدقيقة. لقد ساهم في تشييد فلسفة الوجود لما شارك كارل ياسبرس في تأليف دراسة متأنية بعنوان فلسفة ولما دخل في نقاش مع غابريال مرسيل واستلهم الأفكار الأخلاقية من جان نابير وليفيناس. بيد أن ريكور ظل على اتصال قوي بفنومينولوجيا أودموند هوسرل وقام بترجمة أفكاره التوجيهية من أجل الفينومينولوجيا كما ذكرنا والتي عرفت فيما بعد بالأفكار 1، كما بقي منشدا إلى فلسفة مارتن هيدجر وبالخصوص في كتابه العمدة "الوجود والزمان" وأيضا كتابه الثاني المهم حول "كانط ومشكل الميتافيزيقا". لقد مكنه كل من كانط وهيدجر من القيام بجولة فنومينولوجية في حقول متنوعة وإجراء تجارب وصفية مثمرة شملت ظواهر الإرادة والرمز والوعي والسرد وبلغت حدود الإيمان والنصوص التوراتية والتجارب النفسية والحقل الاجتماعي والمدارات الأنثروبولجية والسجل الاقتصادي.

ما يثير الاستغراب أن أثرا كبيرا لم يطرح أبدا مشكل الله بالرغم من كون مؤلفه يعتبر فيلسوفا مسيحيا ويعرف باهتمامه بالهوامش والتخوم وتناوله لمسائل تفسير الكتاب المقدس واعتنائه بالرمز والأساطير. لقد بين ريكور أن فنومينولوجيا الدين غير كافية إذا ما لم يتم تطعيمها بهرمينوطيقا النص المقدس وبهذا المعنى خلت فلسفة الدين من كل الاعتبارات الميتافيزيقية وحرصت على تطبيق المنهج الهرمينوطيقي وأقرت بلاّشخصية الإيمان وطابعه المستتر وجانبه الملغز الذي كان كيركجارد قد بين بعده اللاّفلسفي. لقد كانت فنومينولوجيا الفعل أول اهتمامات ريكور ولقد جعل من الفعل محرك كل كتبه بالتعارض مع التأمل المحض أو مع النظرية الخالصة. بما أن الإنسان يتحدد بواسطة فعله فإن الفلسفة مطالبة بتوضيح هذا الفعل وبدراسة الكلام على أنه استعارة حية وحركة داخل السرد وضمن إطار زمانية وجود متغيرة. من المعلوم أن موضوع الأطروحة التي ناقشها بول ريكور في نهاية الأربعينات من القرن الفارط كان يدور حول "فنومينولوجيا الإرادة" ويتمفصل إلى قسمين هما "الإرادي واللاّإرادي" و"التناهي والإثم".

من البديهي أن يبلور ريكور الإيتيقا بوصفها البعد الأساسي للتفكير وصلة الإرادة بالأنا والجسد واللاوعي والحياة على نمط الرد الأولاني الذي شيده هوسرل من خلال الأشكال المختلفة للتجربة المعيشة على غرار التردد والاختيار، والعاطفة والعادة. بهذا الفعل أجاب ريكور على العدمية التي وقع فيها سارتر. في سياق ذلك تناول ريكور مسألة الشر ودرس الكيف التي تجعل من طبيعة الإنسان تتضمن إمكانية إتيان الشر وفسر ذلك بهشاشة الإنسان من خلال قراءة تراجيدية لهذه الهشاشة عبر الأساطير القديمة والدينية. إذا تعذر على الفيلسوف فهم الشر بواسطة المفاهيم وتحليل الأفكار فإنه يمكن اعتماد مقاربة تفك الرموز. لقد مثل ذلك المرة الأولى التي ينقل فيها ريكور الفنومينولوجيا إلى الدرب الهرمينوطيقي ومحاورة فرويد في محاولة قرأ فيها الحياة اللاواعية والرموز الثقافية في كتاب "في التأويل، محاول حول فرويد" 1965. والحق أن الفنومينولوجيا الوصفية ليست البتة تجربة وصفية محضة وإنما تتضمن اختيارا مترويا للثوابت وانعطافا نحو الهرمينوطيقا التي تنكب بدراسة العلامات وفك الرموز وتفسير الأساطير وقراءة القصص. لقد تفطن هوسرل إلى وهم القول بشفافية الوعي بالنسبة إلى ذاته، في هذا الإطار سعى ريكور إلى التظنن حول أطروحة اللاوعي وصلته بالوعي التي قدمها جاك لاكان في التفسير البنيوي إزاء النص الفرويدي. لقد بنى ريكور تصوره للذات التي تتخلى عن تمركزها وتنخرط ضمن جدلية بين الأركيولوجيا التي تحيل إلى الرمزية وقوة الدوافع والتيليولوجيا التي تسمح بالوعي بالتطور في اتجاه النموذج المثالي69.

لقد أفضى الانتباه الهرمينوطيقي إلى أهمية النص وضرورة منحه العناية اللائقة والتزام ريكور بالتفكير في اللغة واستكشاف ديناميكيتها الداخلية وقدراتها الذاتية على الابتكار الدلالي في الاستعارة الحية 1975. لقد قام ريكور بالتعريج على النظريات الألسنية والفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة لكي يظهر للعيان حياة الكلام في استعماله الاستعاري وبالتحديد في التجربة الشعرية وما يتولد عنها من إعادة تشكيل وإنشائية. لقد أوضح ريكور التمفصل بين السردية والزمانية في كتابه الزمن والسرد بأجزائه الثلاثة 1983-1985 بالانطلاق من دراسة تتقاطع فيها اعترافات أوغسطين وفن الشعر عند أرسطو وتقوم الحبكة بوظيفة ضرورية عند التفكير في الزمان وتسمح بالقول بأن التاريخ في عمقه هو تجربة سردية تستند إلى التخييل. لا يمكن ايجاد حل للمعضلات التي يطرحها الزمان بالنسبة إلى الفيلسوف ويقترح ريكور إعادة تشكيل الزمان بواسطة السرد والانطلاق من حقيقة أن الزمانية هي تأشير على تناهي الوعي ولاإكتمال الفلسفة.

لقد قاد التفكير حول مشكلة العدالة ريكور إلى إحداث تقاطع بين الإيتيقا والسياسة وذلك بالتأكيد على مهام السياسي العادل لتنجب العنف واللاّتسامح والحرب واتخاذ إجراءات تحترم الحق وإرادة العيش المشترك.لقد طرح ريكور للنقاش الفلسفي في كتاب "عين الذات غيرا" 1990 مفهوم الهوية السردية بين وصف عين الذات والتزام الإنية وأسند إلى الذات الفاعلة من حيث وجود من أجل مشروع مهمة الإقرار بالذات عبر علاقة تكاملية بالغير. لقد ضمت نظرية ريكور في الأخلاق قسما أولا أطلق عليه تسمية إيتيقا صغرى تجيب على مطلب السعادة من حيث هي المقصد المشروع من الوجود الأحسن وقسما ثانيا يشمل الأخلاق المعيارية التي تتحرك ضمن مبدأ الواجب ويمكن التعبير عنه بمبدأ الاحترام. بناء على ذلك لا تدور الإيتيقا الصغرى في فلك معيار العادل إلا من خلال خوضها تجربة تراجيدية للفعل.

هكذا تتجاوز الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية لدى بول ريكور علم الأنا الفنومينولوجي عند هوسرل نحو فلسفة للفعل تكون في ذات الوقت ألسنية وأخلاقية وأدمجت في داخلها المعطيات الفلسفية الكبرى دون أن تكون متسامحة مع أي تجاوز ميتافيزيقي مأمول. لقد عني ريكور بفنومينولجيا الذاكرة ما يلي: "من المهم في نظري أن نقوم بوصف الطاهرات الذاكرية من وجهة نظر القدرات التي تشكل الظاهرات تحقيقها الفعلي السعيد."70 وأشار إلى أن القدرات هي الامكانيات الأساسية التي يملكها الإنسان القادر على الكلام والتصرف والسرد وتحمل مسؤولية أعماله والتذكر والصفح والاعتراف وتمكنه حينما يضعها من الانتقال من ذاكرة جريحة ومهانة إلى ذاكرة جيدة وسليمة. لقد طبق ريكور الفنومينولوجيا في البداية على العواطف والانفعالات والمشاعر والانتباه والجسد والإدراك والإرادة ثم انتقل إلى دراسة تجارب الدين والإيمان والشهادة وبعد ذلك مارسها على الخيال والمخيال والصورة واليوتوبيا ثم انتقل إلى حقول الذاكرة والذكريات والاعتراف وأتي دور المبادرة والنشاط والقرار والفعل ولكنه أدمجها في التأويل وصاغ فنومينولوجيا الزمانية.

لقد واصل ريكور ما كان قد شرع فيه هوسرل ومرلوبونتي من دراسة الحياة النفسية الباطنية وعدم الاكتفاء بالتناول العلموي الوضعي وإجراء عملية وصفية للانتباه بغية تفسيره وفهم حقيقة مايحدث في التجارب المعيشة وإثارة الأسئلة الميتافزيقية الكبرى حول الضرورة والحرية71. لقد عمد بول ريكور إلى قراءة أعمال سغموند فرويد عن طريق المنهج الفنومينولوجي وتوصل إلى نحت فنومينولوجيا التحليل النفسي72 التي قادته إلى صراع مع البنيوية التي كان يمثلها لاكان. بطبيعة الحال تهتم الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية بالتفكير في المفارقة التالية: "ليس هناك عالم إلا بالنسبة إلى الوعي، والى حد الآن الوعي ليس خلاقا، حتى الآن أنا في العالم"، وبالتالي تظل صلة الأنا بالعالم منعقدة دوما بصورة إشكالية. في الواقع يتصف منهج التحليل الوصفي الذي طبقه ريكور على وظائف عملية للوعي بالثراء والوفرة في المستوى الأول المكوِّن constituer الذي يخص تمازج القصديات وانتشارها أمام الوعي لكي يتم تمييز وثبت هوية أبعاد العالم والغير والجسد الخاص التي تشكل بصورة متلازمة أهداف عاطفية مدروسة. أما في المستوى الثاني المكوَّن constituant يتم نقد المذهب المتعالي الذي وقع تشييده على القاعدة الصارمة للتحليل بواسطة التمثيل وكل العمليات الواعية الإدراكية من الدرجة الأولى وكذلك يقع تأويل القدرة التكوينية للوعي من جهة المصادر التي تسمح بوصف الإرادي واللاإرادي73. بعد ذلك يمر ريكور من الفنومينولوجيا الوصفية والتكوينية إلى أنطولوجيا الوعي حين يعيش الوجود تجربة القرب من اللاّوجود وتلامس الإرادة الأبعاد اللاإرادية في العالم. فإذا كان جان بول سارتر في كتاب الوجود والعدم يقر وجود تناقض صارخ بين الشيء في ذاته أي الواقع المادي والشيء لذاته أي الوعي البشري ويمثل هذا التناقض الثغرة التي يدخل منها العدم إلى العالم والفرصة التي يعثر فيها الشيء لذاته على مساحة للحرية لكي يواجه الواقع المادي للشيء في ذاته فإن بول ريكور يجد في فنومينولوجيا الإرادة التي طورها هوسرل السمة القطبية للذاتي والموضوعي وتتجلى بالخصوص في تجادل وتكامل الخصائص المشكلة للوجود البشري أو العالم المعيش وتتمثل في الإرادي واللاإرادي والعقل والجنون والمسؤولية والهشاشة. لقد قدم بول ريكور في كتاب الذاكرة، التاريخ، النسيان نبذة فنومينولوجية للذاكرة وحذر من معالجتها عند قصورها وتوقفها عن القيام بوظيفتها وأكد على أهمية وصف الظاهرات الذاكرية من وجهة نظر قدراتها وتحققها الفعلي وإبرامها جملة من المصالحات مع نفسها بلوغها السعادة74.

لقد استعرض عنوان الذاكرة كما جاء في الخطاب العادي وأشكال وضعه في الحياة اليومية ثم وانتقل إلى إبراز أهمية الذاكرة الجيدة السليمة بوصفها الملكة الوحيدة التي تحيل إلى الماضي ولكنه تساءل عن شرعية الادعاء بالصدق والطموح الذي يراودها بأن تكون أمينة للماضي ووضع كل أشكال القصور التي تتسبب في النسيان وتعيقها عن أداء وظيفتها ضمن المنطقة المضادة التي تمثل الوجه الآخر للواقع المَرَضِي المظلم من الأحداث التي وقعت ولم يتم حفظها. كما يكشف ريكور عن مفارقة بخصوص الذاكرة فهي المورد الوحيد من أجل الدلالة على طابع الماضي من جهة، بينما الكل يرى أنها غير جديرة بالثقة سوى في الحدود الدنيا من جهة أخرى. بعد ذلك يقوم بالتفريق بين القصور المرضي للذاكرة وضعف الذاكرة غير المرضي في مستوى إساءة استعمالها والتلاعب بها وتقديم شهادات كاذبة عن الماضي تكون موضع الريبة والشك75.

من هذا المنطلق الفنومينولوجي الذي تحرك منه ريكور قام بالكشف عن إحالة الذاكرة بالماضي و تعدد دلالاتها واستعمالاتها والتحولات التي تخضع لها من جهة وجودها في الزمان والمكان وسعى إلى تنظيم الحقل الدلالي الذي يتعلق بها في نبذة متنافرة لكي يتفادي فنومينولوجيا مبعثرة. هكذا يتسجد تناثر فنومينولوجيا الذكرى في الطابع الغيري الفرضي للذاكرة عينها وفي التفريق بين استهداف فعل التذكر وموضوعاته عبر إعادة الذكريات الماضية واسترجاعها في الحاضر76.

أمام تعددية الدلالات للذاكرة والدرجات المتنوعة في التمييز بين الذكريات يبحث ريكور عن التصنيف النمطي النسبي والتماسك الأدني بينهما ويفكر فيهما من خلال طرح أسئلة ماذا؟ وكيف؟ ومن؟ ويرفض أن تكون الذاكرة من الماضي وان يتم التعامل مع الذكريات على أنها مجرد أشياء مضت ويقارنها بالخيال وغير الواقعي والمتخيل والمحتمل والممكن وأحلام اليقظة الملتبسة. فإذا جاءت الذاكرة بصيغة المفرد وتملك الإنسان وتعتبر ملكة للمرور به إلى الماضي وتمنحه المقدرة ومجال التحقيق والتمحيص والنقد والتنفيذ فإن الذكريات ترد بصيغة الجمع وتتدافع في أشكال خفية ضمن تشعبات دقيقة وترتبط بأحداث فريدة وقعت في الماضي وتقال بطرق عدة77. في الواقع نحن لا نتذكر إلا الأحداث الفريدة والنمطية التي لا يمكن نسيانها بينما تتداخل مع لوحة من العموميات وحالات الأشياء التي تنتشر بالقرب منها و" على الصعيد الفنومينولوجي، حيث نقف نحن الآن، نقول إننا نتذكر ما كنا فعلناه أو عشناه أو تعلمناه، في ظرف معين خاص."78 بهذا المعنى تتكون الذاكرة من عدم النسيان بالنسبة لحالة الأشياء التي اكتسبها الإنسان والاستيقاظ والمقدرة على قول الأحداث الماضية دون الحاجة إلى إعادة تعلمها والبحث عن الزمن المفقود. وبالتالي يصبح التذكر نوعا من المعرفة لما كانت عليه الوقائع وتم حيازتها واكتسابها إلى الأبد وبأكثر دقة هو معرفة تاريخية بأفعال الماضي يتم من خلالها التعرف على القاسم المشترك منها.

غير أن صعوبة أولى تظهر أثناء التفكير في ظواهر الذاكرة القريبة وتجعلها تفلت من سيطرة المعنى وتكون ناتجة عن مقاومة عنيدة تصدر عن غرور التفكير الشامل وتدفعه إلى مواجهتها. كما يكشف ريكور عن وجود تعارض يتشكل من زوج العادة والذاكرة ومن زوج الحضور والبحث: يطبق على الزوج الأول المنحدر من هنري برجسون المسافة الزمانية أو التماسف قصد إيجاد التباعد الضروري للعملية الوصفية ويتسنى لها تصنيف التجارب بالنسبة للعمق الزمني حيث يلتحق الماضي بمعنى ما بالحاضر ويعترف بماضيته المتقادمة ويجرد نفسه من العمل الحاضر لكي يتمكن من استعادة الماضي تحت شكل صور ووضع الذاكرة التي تتخيل مكان التي تتكرر76. أما الحضور فهو المجيء الحالي للذكرى عن طريق الاستحضار وهو انفعال وتأثر عندما يتلقى الإنسان ذكرى معينة ويتعارض مع البحث الذي يقوم على إعادة تعلم المنسي بالتذكر والاستذكار الناجح وتفعيل الدور المعرفي للذاكرة السعيدة عبر اتجاه مضاد للاستعادة والرجوع إلى السابق80. فماهو الأساس الفنيومينولوجي التي استندت عليه الذات في العالم؟

خاتمة

"لقد عثر الوعي الفنومينولوجي في داخله نفسه على طريق نحو الخارج، نحو المتعالي، انه في ذات القوت منغلق على ذاته وبالرغم من ذالك منفتح على المتعالي لكن بفضل ماهيته المحايثة الخاصة"81

لقد تبين بالكاشف أن الفنومينولوجيا في بنيتها الأساسية تقوم بدراسة الظواهر من خلال تحليل مباشر للتجربة المعيشة عن طريق ذات عارفة وأنها تبحث عن معنى هذه التجربة في ما تتحدث به هذه الذات وما تكتبه عنها عندما تلتقي بهذه التجربة وتعيشها من الداخل بعد تخليها عن كل الأحكام المسبقة. بهذا المعنى يرتكز المنهج الفنومينولوجي على رصد ومتابعة الحقيقة دون الإيمان بوجودها بصورة مسبقة في الموضوع الذي تقوم بدراسته وتدعو الباحث إلى الالتصاق بالتجربة التي يعيشها ويلغي كل إمكانية تأويل.

على هذا النحو يمكن تصنيف الفنومينولوجيا ضمن النماذج البنائية والنظريات التكوينية التي تنتج رؤية للعالم تشرع للكثرة والتنوع والتعدد في مستوى الواقع والحقيقة والمعنى دون إغفال الكلية الجامعة. لقد اضطرمت نيران الفنومينولوجيا فومضت أنوارها أركان المعرفة وأضاءت أروقة الوجود وتمخضت في العديد من التيارات والاتجاهات في الفلسفة المعاصرة وشملت مناهجها نظرية المعرفة ونظرية القيم. إذا كانت فنومينولوجيا مرلوبونتي قد رهنت حضور الفلسفة في التاريخ بانتشال معنى العالم ووصفت علاقات التصالب بين الإنية والغيرية وبين الحرية والحتمية وبين النزعة المضادة للإنسانية والإنسانوية التراجيدية وأدخلت السؤال إلى تربة الدلالة واتخذت أسلوب الكلام مطية للإطلالة على المعقول في الجسد بأرضه ولحمه وانتهت إلى الأنطولوجيا الاستقرائية82، وإذا كانت فنومينولوجيا ليفيناس قد وقعت مفهوم الغير في الفلسفة المعاصرة وحلت معضلة الأنا والآخر عبر الوساطة الايتيقية للوجه وتناولت قضايا الألم والانتشاء والحياة والموت وجعلت من الحياة اليومية فرصة لانتظار القادم ضمن تسامي النور والعقل ودعت إلى الاضطلاع بالمسؤولية والفعل في الوجود ضمن اشتباك الحدث بالزمن وانتصار خصوبة غريزة الحب على إرادة التدمير وتفشي أنطولوجيا العدمية83، فإن فنومينولوجيا بول ريكور قد حرصت على نحتت ورشات تفكير عديدة ورسمت لنفسها رهانات غير معهودة وخاضت غمار الرمز والأسطورة والمخيال والاستعارة والأدب والخطابة وحاولت المزج جدليا بين ابستيمولوجيا العلوم الإنسانية وأنطولوجيبا الفهم وبين سيمونيطيقا الفعل والهرمينوطيقا الدينية وانتهت إلى بناء فلسفة الفعل وإعادة تشكيل مفهوم الهوية السردية ونحت البديل الإيتيقي وإنارة الإقرار الأنطولوجي للكائن البشري. فإذا كان ريكور قد مارس الفنومينولوجيا دون الهرمينوطيقا فهل سيقدر على ممارسة الهرمينوطيقا النصية دون الاستمرار في التعويل على المنهج الفنومينولوجي خاصة على مستوى المبادئ والمراحل والأهداف؟

* كاتب فلسفي

..................................
الاحالات والهوامش:
[1] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, présentation par Jean Greisch, Beauchesne éditeur, Paris, 1995.,p141.
[2] Grondin Jean, l’horizon herméneutique de la pensée contemporaine, librairie philosophique J.Vrin, Paris, 1993, p83
[3] Husserl Edmond, Idées -dir-ectrices pour une phénoménologie, traduction et présentation par Paul Ricœur, édition Gallimard, Paris, 1950, réédition 1985.
[4] Voir Paul Ricœur, A l’école de la phénoménologie, édition Vrin, Paris, 1986, réédition 2004.
[5] Krisis
[6] Etudes Ricœuriennes
[7] Fonds Ricœur
[8] Fonds Michel Henry
[9] Phénoménologie de soi vivant.
[10] Connaissance de l homme - le vingtième siècle, La phénoménologie par Paul Ricœur, 1ère diffusion: 18/12/1957, Archive Ina-Radio France, lien: https://www.franceculture.fr/emissions/les-nuits-de-france-culture/la-phenomenologie-par-paul-ricoeur.
[11] Voir Paul Ricœur l’herméneutique à l’école de la phénoménologie, présentation par Jean Greisch, Beauchesne éditeur, Paris, 1995.
[12] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p173.
[13] Phénomène (Erscheinung et non Schein)
[14] Hegel, la phénoménologie de l’esprit, 1807,
[15] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p8.
[16] Thévenaz Pierre, Qu’est-ce que la Phénoménologie ?, Revue de Théologie et de Philosophie de Lausanne, 1952, I, pp9-30, II, pp294-316.
[17] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p9.
[18] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج،الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا، ليبيا، طبعة أولى، 2007. ص344.
[19] Théorie phénoménologique de la signification
[20] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p10.
[21] Voir Patocka Jan, qu’est-ce que la phénoménologie, traduit par Erika Abrams, éditions Jérôme Millon, Grenoble, 1988.166p
[22] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p13.
[23] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p14.
[24] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p11.
[25] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p12.
[26] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p14.
[27] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p15.
[28] Noème et noèse
[29] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p98.
[30] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p16.
[31] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p17.
[32] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p19.
[33] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit,p20.
[34] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit, pp158-159.
[35] Voir Husserl Edmond, Méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, deux conférences données à la Sorbonne en 1929, édition Vrin, Paris, 1992.
[36] Grondin Jean, l’horizon herméneutique de la pensée contemporaine, op.cit, pp81-82.
[37] Paul Ricœur, à l’école de la phénoménologie, op.cit, p250.
[38] Voir Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, édition Gallimard, Paris, 1989.
[39] Voir Husserl Edmond, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, traduction française par G. Granel, édition Gallimard, Paris, 1976. p. 139, p141 et p197.
[40] Johann Michel, Ricœur et la Rückfrage, in Revue philosophique de Louvain, tom 113, N°1, fevrier 2015, pages 145 à 162.
[41] Husserl Edmond, La crise de l’humanité européenne et la philosophie, introduction, commentaire, traduction par Nathalie Depraz, collection -dir-igée par Laurence Hansen-love, édition numérique: Pierre Hidalgo, La Gaya Scienza , Mars 2012, p97.
[42] Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, édition Gallimard, 1945, réédition « Tel » , Paris, p371.
[43] Lebenswelt
[44] Merleau-Ponty (Maurice), sur la phénoménologie du langage, in problèmes actuels de la phénoménologie, op.cit, p102.
[45] مرلوبونتي موريس، المرئي واللاّمرئي، ترجمة د عبد العزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى،2008. ص87.
[46] Voir Merleau-Ponty Maurice, les aventures de la dialectique, édition Gallimard, Paris, 1955.
[47] Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, op.cit.p213.
[48] أنظر العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، دار صامد، تونس، طبعة أولى، 2004،
[49] العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، دار صامد، تونس، طبعة أولى، 2004، ص328
[50] العيادي عبد العزيز، مقدمة، كتاب مرلوبونتي موريس، المرئي واللاّمرئي، مصدر مذكور، ص18.
[51] Merleau -Ponty (Maurice), sur la phénoménologie du langage, in problèmes actuels de la phénoménologie, op.cit, p93.
[52] Merleau-Ponty Maurice, phénoménologie de la perception, op.cit. p85
[53] Merleau-Ponty Maurice, visible et invisible, op.cit. p310
[54] Voir Pascal, le vocabulaire de Merleau-Ponty, éditions Ellipses, Paris, 2001,p41.
[55] Merleau-Ponty Maurice, phénoménologie de la perception, op.cit. p383
[56] Merleau-Ponty Maurice, phénoménologie de la perception, p271
[57] Merleau-Ponty Maurice, phénoménologie de la perception, op.cit. Introduction.
[58] Voir Dupont Pascal, le vocabulaire de Merleau-Ponty, op.cit.,p42.
[59] René Descartes, méditations métaphysiques, IV, la pléiade, p326.
[60] Heidegger Martin, les problèmes fondamentaux de la phénoménologie, traduit par Jean François Courtine, édition Gallimard, Paris, 1985.p35.
[61] هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة،2001، ص.37.
[62] Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,pp112.122.
[63] Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.p391.
[64] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p307.
[65] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p315.
[66] داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.ص98.
[67] Heidegger (Martin), être et temps, op.cit.paragraphe 14.
[68] Ricœur (Paul), Du texte à l’action, Essais d’herméneutique II, édition du Seuil, Paris, 1986.p61
[69]Voir Paul Ricœur, le dernier Wittgenstein et le dernier Husserl sur le langage, Texte inédit d’une conférence prononcée par P. Ricoeur aux États-Unis en 1965 ou 1966. La retran-script-ion
et le travail d’annotation ont été réalisés par Marc Antoine Vallée à partir de documents conservés dans les archives du Fonds Ricoeur.
[70] ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2009، ص55
[71] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, chapitre 1. L’attention, étude phénoménologique de l’attention et de ses connexions philosophiques, éditions du seuil, Paris, 2013,p51-93.
[72] Pierre Macherey, une approche phénoménologique de la psychanalyse ? Ricœur lecteur de Freud, in le blog « la philosophie au sens large », groupe d’etudes animé par Pierre Macherey entre 200et 2010, lien: https://philolarge.hypotheses.org/595
[73] Ricœur Paul, méthodes st taches de la volonté, in Problèmes actuels de la phénoménologie, op.cit, pp111-140
[74] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص55.
[75] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص56.
[76] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص57.
[77] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص57.
[78] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص58.
[79] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص61.
[80] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور،ص63.
[81] Dastur (Françoise) , de la phénoménologie transcendantale à la phénoménologie herméneutique, in Paul Ricœur , les métamorphoses de la raison herméneutique, sous la -dir-ection de Jean Greisch et Richard Kearney, les éditions du cerf, 1991, p41
[82] العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، مرجع مذكور، ص416
[83] ليفيناس (عمونيال)، الزمن والآخر، ترجمة منذر عياشي، دار نينوى، دمشق، سورية، 2015، ص57,
.................................
المصادر والمراجع:
باللّسان الفرنسي:
Husserl Edmond, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, traduction française par G. Granel, édition Gallimard, Paris, 1976.
Husserl Edmond, La crise de l’humanité européenne et la philosophie, introduction, commentaire, traduction par Nathalie Depraz, collection -dir-igée par Laurence Hansen-love, édition numérique: Pierre Hidalgo, La Gaya Scienza , Mars 2012.
Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, édition Gallimard, 1945, réédition « Tel » , Paris,
Merleau-Ponty Maurice, les aventures de la dialectique, édition Gallimard, Paris, 1955.
Dupont Pascal, le vocabulaire de Merleau-Ponty, éditions Ellipses, Paris, 2001.
Heidegger (Martin), les problèmes fondamentaux de la phénoménologie, traduit par Jean François Courtine, édition Gallimard, Paris, 1985.
Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.
Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,
Ricœur (Paul), Du texte à l’action, Essais d’herméneutique II, édition du Seuil, Paris, 1986.
Paul Ricœur , les métamorphoses de la raison herméneutique, sous la -dir-ection de Jean Greisch et Richard Kearney, les éditions du cerf, 1991,
Paul Ricœur l’herméneutique à l’école de la phénoménologie, présentation par Jean Greisch, Beauchesne éditeur, Paris, 1995.
Paul Ricœur, A l’école de la phénoménologie, édition Vrin, Paris, 1986, réédition 2004.
Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, éditions du seuil, Paris, 2013.
Patocka Jan, qu’est-ce que la phénoménologie, traduit par Erika Abrams, éditions Jérôme Millon, Grenoble, 1988.
Revue philosophique de Louvain, tom 113, N°1, fevrier 2015,
اللسان العربي:
مرلوبونتي موريس، المرئي واللامرئي، ترجمة د عبد العزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى،2008،
العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، دار صامد، تونس، طبعة أولى، 2004
ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ليبيا، طبعة أولى، 2009،
هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة،2001،
غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج،الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناطم وعلى حاكم صالح، دار أويا، ليبيا، طبعة أولى، 2007،
داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق