العدوى الاجتماعية ظاهرة اهتم بدراستها علماء النفس والتربية والاجتماع، واهتموا جميعهم بتبيان كيفية تأثيرها في المجتمعات والأفراد، وهي من الظواهر التي تحصل بوعي الأفراد (أحياناً) وفي كثير من الأحيان بدون وعي متبعين المحيطين بهم أو مقلدين لنجوم وشعوب أخرى.

ويعرف علم الاجتماع العدوى الاجتماعية على انها انتقال السلوكيات بين الافراد لا ارادياً في منطقة سكنية معينة الى الحد الذي يجعل المراقب يرى نسخ متكررة من الناس في السلوك والطباع وغيرها، وهو يشبه الى حد بعيد مبدأ العدوى في الطب، أي أن الشخص المصاب بمرض معدي يمكن من خلال قيامه بسلوكيات محددة أن ينقل هذا المرض لشخص غير مصاب به.

كثيرة هي الامثلة التي توضح صورة العدوى الاجتماعية ومنها: انتشار موضة الملابس بين الشعوب؛ فمثال الملابس المهترئة أو الممزقة وكيف تحولت إلى موضة لدى الشباب، ذوق الناس في تفضيل اغنية معينة او انشودة معينة، السفر الى جزر معينة او ممارسة هواية معينة تنتشر كالنار في الهشيم، تقليعات قصات الشعر بين الشباب تقليداً للمشاهير واللاعبين، تدخين الاركيلة أو السجائر الإلكترونية، انتشار مطاعم المأكولات السريعة أو البيتزا أو المقاهي والابتعاد عن المطاعم التقليدية وغير ذلك.

في كثير من الاحيان يدور في خلدنا اسئلة وهي كيف تنتشر الأفكار التافهة السخيفة في مجتمعاتنا؟، وكيف تحولت الكثير من الامور الى قضايا يصطف خلفها الكثير من الناس مدافعين عنها وينصبون العداء لمن ينتقدهم فيها، ولماذا يحدث أن نرفض الأفكار ثم ما نلبث إلا أن نقبلها؟، وهل انمحت شخصيتنا المستقلة التي بموجبها نستطيع ان نتخذ قرار معين لممارسة سلوك او رفض اخر؟

ينطبق الامر على السلوكيات الاجتماعية المتعلقة بالتفاعلات، بمعنى أي أن سلوك جماعة ما داخل المجتمع أو خارجه مع امتلاكها لسلطة أو علو ثقافي أو علمي أو سياسي أو أيديولوجي او ما شاكل يمكن أن يؤثر على سلوك جماعة أخرى ويتأثر فيها، كما يمكن ان تتغير الأفكار في المحيط أو توجيهها أو التأثير عليها.

كل انسان منا لا يستطيع ان يتعزل في صومعته التي تبقيه بعيداً عن المجتمع الذي هو فيه، وبالتالي تتشكل سلوكياته من الجماعة وعلى هذا الاساس، وتتحول العدوى في بعض الاحيان الى شكل من اشكال (الضبط الاجتماعي) وهي آلية لضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع الواحد، كأن يكون لدينا سلوكيات مشتركة تعزز من التآلف بين أفراد المجتمع الواحد، سواء كانت تلك الأفكار سخيفة من الناحية المنطقية أو عقلانية.

ووفق العدوى الاجتماعية تزيد السلوكيات المكتسبة من الارتباط بين مكونات المجموعة لتنطبق المقولة التي يقول بها علم الاجتماع "لا أحد يأمر لكن الكل ينفذ"، فمثلا بعد ان يدخل الانسان في المدرسة يرى النظام يستدعي قيام الطلبة عند دخول المعلم ورد التحية في البداية يتعلمون هذا الأمر أو يلاحظونه، ثم ينتظم السلوك من تلقاء نفسه ويصبح عادة تسلك في كل يوم وبصورة لا ارادية ومن لم ينفذ يعد نشازا عن مجوعته.

من جهة اخرى قد تنتقل العدوى الاجتماعية بصورة ارادية تحت تأثير قوة اجبارية او سلطوية تسعى عبرها لتغير سلوكيات ومفاهيم تراها خاطئة باستخدام وسائل الاكراه على اعتناق ما كان بالأمس مستحيلا وغير متقبلاً، وهذا الإكراه قد يغلف بالعديد من الأساليب التي تعمل على خلق واقع جديد، وتعد قوة الحديد والنار إحدى تلك الوسائل، وعادة ما تستخدم هذه النوع من العدوى الاجتماعية السلطات الرسمية لتطبيق امر تراه ضرورياً او يصب في مجال المصلحة العامة تارة او تنفيذ رؤية الدولة تارة اخرى.

وفي كلتا الحالتين فأن السلطة بمقدورها ان تستخدم نفوذها لتخلق عادات وسلوكيات جديدة تلائم قيم المجتمع، كما بمقدورها أن تحولها لأمور تنظيمية تدخل في السلوكيات العامة لثقافة البشر، على سبيل المثال ان التحدث بما يخص امن الدولة الوطني او ما يقلل من شأن قوى الامن امرا يضع الفرد والعائلة في خطر وبالتالي يجب تجنبه لكون القانون يعاقب عليه، وباستخدام قوة الدولة بالردع للمتجاوزين يتحول المجتمع الى نابذ لمثل هؤلاء، ويلجم أي صوت يمكن أن يصيب من حوله بخطر يهدد استقرارهم ووجودهم، وعلى هذا يبنى المجتمع، على وفق الانخراط الموجه وغير الموجه وتلك هي العدوى الاجتماعية.

اضف تعليق