ثقافة وإعلام - صحافة

ما الذي يريده الغرب في أوكرانيا؟

تحديد مقومات الانتصار قبل فوات الأوان

كيف يفترض بالحرب الروسية-الأوكرانية أن تنتهي مع دخول الصراع مرحلة حرجة تحت وطأة معركة كبيرة تلوح في الأفق. تنتهي الحرب عند ظهور فجوة كبيرة بين الطرفين المتنازعين يتمكن أحدهما على إثرها من فرض شروطه على الآخر، أو عند إدراك الطرفين أن النصر المباشر ليس ممكناً ويقرران القبول بالقليل...
بقلم: ريتشارد هاس

شن فلاديمير بوتين حربه على أوكرانيا ملتمساً أهدافاً توسعية، إن تحققت، فستقضي على جوهر وجود ذلك البلد بوصفه دولة سيدة. لكن أمام الهزائم العسكرية المكلفة التي ألمت به، وجد الرئيس الروسي نفسه مضطراً إلى إعادة النظر بتعريف مقومات الانتصار المرجو، وتصويب العملية العسكرية لتركز على تعزيز قبضته على شرق أوكرانيا وجنوبها.

الغريب أن الأهداف الغربية في أوكرانيا كانت أقل وضوحاً بكثير [من الأهداف الروسية]. فعند مناقشة الخطوات التي ينبغي اتخاذها [في وجه العدوان الروسي]، ركز الحديث في غالبيته على الوسائل: كمية المساعدات العسكرية التي يفترض تزويد [أوكرانيا] بها ونوعيتها، وجدوى فرض منطقة حظر الطيران فوق المجال الجوي الأوكراني، وحجم العقوبات الاقتصادية التي ينبغي فرضها على روسيا. وقد غاب عن الغرب التطرق إلى التنازلات التي ينبغي على الجانبين تقديمها من أجل وضع حد للحرب، وما إذا كان هناك داع لإنهاء الصراع بمعاهدة رسمية توقعها كل من روسيا وأوكرانيا أو تقبله ببساطة على أنه حقيقة واقعة.

فقد باتت الإجابة عن كيف يفترض بالحرب الروسية-الأوكرانية أن تنتهي أمراً حيوياً مع دخول الصراع مرحلة حرجة تحت وطأة معركة كبيرة تلوح في الأفق. بوجه عام، تنتهي الحرب عند ظهور فجوة كبيرة بين الطرفين المتنازعين يتمكن أحدهما على إثرها من فرض شروطه على الآخر، أو عند إدراك الطرفين أن النصر المباشر ليس ممكناً ويقرران القبول بالقليل بدلاً من تحمل أعباء مواصلة القتال. وفي الحالتين، إما تُنهى الحرب بتوقيع وثائق قانونية تتناول الترتيبات الخاصة بالأراضي والمسائل السياسية والاقتصادية، كما جرى في الحرب العالمية الثانية، أو تترك نيران الصراع لتخمد تدريجياً بحكم الأمر الواقع، ومن دون إبرام سلام رسمي، على غرار الحرب الكورية والحربين الخليجيتين.

من حيث المبدأ، يمكن تعريف النصر من منظور الغرب على أنه إنهاء الحرب عاجلاً وليس آجلاً وفق شروط تقبل بها الحكومة الديمقراطية الأوكرانية. ولكن ما هذه الشروط، هل ستسعى أوكرانيا إلى استعادة كافة الأراضي التي سلبت منها في الشهرين الماضيين، هل ستطلب انسحاب كامل القوات الروسية من دونباس وشبه جزيرة القرم، هل ستطالب بحقها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، هل ستصر على تضمين كل هذا في وثيقة رسمية موقعة من روسيا؟

اليوم، ينبغي على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مناقشة هذه المسائل في ما بينها ومع أوكرانيا. فالأهداف الغربية ستتأثر حتماً بالتطورات الميدانية، إلا أن هذه الأخيرة لا يفترض بها تحديد هذه الأهداف. بل على العكس، يجب على الأهداف السياسية أن تحدد المطلوب في الميدان. وما لا شك فيه أن للأوكرانيين كل الحق في تحديد أهدافهم الحربية، والأمر سيان بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا. وقد تكون المصالح الغربية متداخلة مع المصالح الأوكرانية، إلا أنها أوسع منها نطاقاً، بحيث تشمل الاستقرار النووي مع روسيا والقدرة على التأثير على مسار البرنامجين النوويين الإيراني والكوري الشمالي.

وفي هذا الصدد، لا بد من مراعاة حصول روسيا على حق التعبير عن رأيها. فبوتين الذي اختار إشعال فتيل الحرب ومضى قدماً بها، لن يكون قادراً وحده على إنهائها. وسيكون عليه والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن يعيدا النظر في ما يطالبان به من أراض وشروط لوقف الأعمال العدائية، ويقررا ما إذا كانا مستعدين لإنهاء القتال والدخول في اتفاقية سلام والالتزام بها. علاوة على ذلك، ثمة جانب آخر من هذه المسألة المتشعبة ألا وهو أن بعض جوانب أي سلام، مثل رفع العقوبات عن روسيا، لا يتوقف على أوكرانيا وحدها وتستوجب موافقة أطراف أخرى.

ولأن السياسات لا تصاغ على عجلة وبلا مبالاة، فسيكون من الضروري السعي إلى إجراء مشاورات هادفة، باعتبارها وسيلة ناجعة لتلافي حدوث انقسامات بين أوكرانيا والولايات المتحدة وأوروبا، وحتى داخل حلف الناتو نفسه.

ثلاثة مستقبلات

من المستحيل التأكد من قدرة الجيش الروسي على تحقيق طموحاته المتمثلة في تعزيز سيطرته على منطقة دونباس وإنشاء جسر بري إلى شبه جزيرة القرم– وإذا كان قادراً، فهل سيعيد بوتين النظر في أهدافه الحربية مرة أخرى، ولكن هذه المرة لتوسيعها؟ ما يكاد يكون مؤكداً هو أن أي حكومة أوكرانية شرعية لن تقبل بنتيجة مواتية لروسيا. فعلى خلفية الفظائع التي ارتكبتها القوات الروسية أثناء المعارك، سيكون من الصعب جداً على كييف السماح لموسكو بالخروج من المفاوضات بأي شيء قد يبدو وكأنه مكافأة على وحشيتها.

وقد يرى زيلينسكي (ولسبب وجيه) أن السماح لروسيا بمواصلة هيمنتها على الأراضي الأوكرانية سيجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على أوكرانيا أن تظل دولة ذات سيادة من أي منظور ذي مغزى. وفي هذا السياق، يتعين على الغرب الاستمرار في تقديم الدعم لأوكرانيا ومنع عدوانية بوتين من تنفيذ مبتغاها والتمهيد لسابقة خطيرة قد تشكل تحدياً للنظام في كل مكان. لذا، حتى لو كان بوتين مستعداً لوقف العمليات العسكرية الكبيرة مقابل الاحتفاظ بمساحة كبيرة من أوكرانيا، فمن المحتمل أن تستمر الحرب على مستوى ما، كما هو الحال في ما يسمى الصراع المجمد في دونباس منذ عام 2014.

لعل الجمود هو أحد السيناريوهات البديلة لسيناريو مواتٍ لروسيا. وفي إطاره، قد تجمد الأمور بشكل أو بآخر عندما كانت عليه قبل الغزو، مع احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وممارستها سيطرة فعلية على أجزاء من دونباس عن طريق وكلائها. والأرجح أن يتبلور هذا المستقبل لو استعادت أوكرانيا بعضاً مما استولت عليه روسيا خلال الشهرين الماضيين، هذا في حال لم يتمكن أي الطرفين من إحراز تقدم عسكري حاسم. وقد تقبل أوكرانيا بهذه النتيجة لأنها تملك حافزاً قوياً لإنهاء حرب عاثت فيها دماراً وكبدتها خسائر كبيرة في الأرواح. وسيكون لها سلام بثمن، لكنه ثمن ربما يستحق أن تدفعه.

وفي المبدأ، قد يدعم بوتين بدوره هذه النتيجة، على اعتبار أنه لن يقوى على جني مكاسب كثيرة من مواصلة القتال. ولو وافقت أوكرانيا، في سياق هذا السيناريو، على عدم الانضمام إلى حلف الناتو، فقد يحسب أيضاً أن باستطاعته إقناع شريحة كبيرة من الروس بانتصار بلادهم في الحرب، وإن لم تستحوذ على كثير من الأراضي. ومتى خرج هذا التوافق في الآراء إلى النور، فسيكون من الجدير دعمه.

لكننا نبالغ في التفاؤل لو تخيلنا أن جموداً عسكرياً سيمهد الطريق لتسوية دبلوماسية. ففي النهاية، ليس من السهل أبداً على بوتين إقناع الرأي العام بأن مثل هذه النتيجة المشوشة التي وصل إليها تبرر التكاليف العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية لحربه. وبالنظر إلى خطابه السابق، من غير المحتمل أن يوقع على كافة مطالب أوكرانيا ويقبل بانفصالها الدائم عن روسيا ويتركها تختار لنفسها مساراً ليبرالياً موجهاً نحو الغرب، فما بالكم عضوية الاتحاد الأوروبي. عدا عن ذلك، ثمة احتمال كبير بألا تؤدي هذه النتيجة إلى رفع العقوبات بشكل ملحوظ، أو تضع حداً للتحقيقات في جرائم الحرب، أو تدعو إلى تقديم تعويضات، وهذه نقطة إضافية في مصلحة عدم قبول بوتين بهذا السيناريو. وما دام تحول الجمود إلى صراع مفتوح أمراً شبه مؤكد، سيرفض كثيرون في أوكرانيا مرة أخرى أي ترتيب يترك أي أرض أوكرانية تحت السيطرة الروسية.

وبالنسبة إلى المستقبل الثالث، فلا يتحدد مساره إلا بنصر عسكري أوكراني تضطر روسيا على أثره قبول ليس فقط بالوضع القائم قبل عام 2022، إنما بالوضع القائم قبل عام 2014 كذلك. من الناحية النظرية، ستكون هذه النتيجة مثالية لأوكرانيا، حيث ستمكنها من استعادة السيادة التي فقدتها في السنوات الثماني الماضية، وللنظام الدولي، كونها تدعم مبدأه الذي يحرم الاستيلاء والاستحواذ على أراضي الغير بالقوة. لكن من الناحية العملية، ستكون الأمور أكثر تعقيداً، إذ حتى لو نجحت أوكرانيا في دحر القوات الروسية، ستظل أراضيها عرضة للقصف الصاروخي والمدفعي الروسي، ناهيك عن الهجمات الإلكترونية والتدخلات السياسية. والأهم من ذلك أنه يكاد يكون من المستحيل تخيل بوتين يقبل بنتيجة تهدد وجوده السياسي، وربما حتى حياته. ومن شدة اليأس، قد يحاول توسيع نطاق حربه بتنفيذ هجمات إلكترونية أو هجمات على دولة أو أكثر من دول حلف الناتو. وقد يصل به الأمر إلى حد استخدام الأسلحة الكيماوية أو النووية، في غياب آليات روسية تنهيه عن التصعيد إذا قرر بأنه ليس لديه ما يخسره.

يثير احتمال حدوث تصعيد روسي التساؤل عما إذا كان من الحكمة في هذه المرحلة أن تحاول أوكرانيا استعادة كل من دونباس وشبه جزيرة القرم. لربما من الأفضل ترك هذه الأهداف لفترة ما بعد الصراع، أو حتى فترة ما بعد بوتين، حيث يمكن للغرب أن يشترط توقيع روسيا على اتفاقية سلام رسمية من أجل رفع العقوبات. فاتفاقية مماثلة قد تتيح لأوكرانيا التمتع بضمانات أمنية وعلاقات رسمية مع الاتحاد الأوروبي، حتى لو بقيت محايدة رسمياً وخارج الناتو. ومن جانبها، قد توافق روسيا على سحب قواتها من مجمل منطقة دونباس مقابل ضمان الحماية الدولية للروس المقيمين فيها. وفي ما يتعلق بالقرم، فقد يكون لها وضع خاص مع اتفاق موسكو وكييف على تحديد وضعها النهائي في وقت لاحق.

العبرة من التاريخ

فيما تتأمل الولايات المتحدة في الاستراتيجية التي ستنتهجها إزاء أوكرانيا، من المفيد أن تأخذ بعين الحسبان عبرتين من الحرب الباردة. الأولى هي تفادي الصراع المسلح المباشر مع الاتحاد السوفيتي إلا في الحالات التي تكون فيها المصالح الحيوية الأميركية معرضة للخطر. والثانية هي القبول بأقل من النتائج المرجوة لتجنب تهديد المصالح السوفياتية الحيوية والذي قد يشعل بكل سهولة فتيل الحرب. وعلى أساس هذا الاعتراف بوجود حدود للأهداف الأميركية، اتخذ قرار عدم إحباط التقدم السوفياتي في أوروبا الشرقية بعد سحق موسكو ثورة 1956 في المجر، وثورة 1968 في تشيكوسلوفاكيا؛ ومنعت القوات الإسرائيلية من القضاء على الجيش الثالث الميداني المصري بعد محاصرتها له على مشارف القاهرة خلال حرب 1973 التي كانت دائرة بين الدول العربية المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي وإسرائيل المتحالفة مع الولايات المتحدة؛ وتعزز قبول الحكم الشيوعي ضمن الاتحاد السوفياتي نفسه. وقد صدق الدبلوماسي جورج كينان، مهندس مبدأ الاحتواء، في التعبير عن هذا التقييد، بقوله إن تطبيق الاحتواء بنجاح قد يزيد مع الوقت من وطأة الضغوط التي من شأنها تقويض الشيوعية– وهذا بالفعل ما حدث للشيوعية أخيراً، بعد أربعة عقود.

وتنعكس العبرة الأولى من الحرب الباردة في سياسة الغرب الحالية إزاء أوكرانيا. فمنذ بداية الأزمة، أوضحت الولايات المتحدة عدم رغبتها في نشر جنود لها على أرض المعارك أو إنشاء منطقة حظر الطيران، إذ من شأن ذلك أن يضع القوات الأميركية في معركة مباشرة مع الروس ويزيد من خطر التصعيد. وبدلاً من ذلك، ارتأت واشنطن وشركاؤها في حلف الناتو اللجوء إلى استراتيجية غير مباشرة تمثلت بتزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتدريبات مع الضغط على روسيا بفرض عقوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية.

أما العبرة الثانية، فتتجلى في نجاح مساعي الولايات المتحدة وحلف الناتو لبلوغ أهدافهما باستخدام وسائل محدودة. وصحيح أن هذا الخيار لم يردع روسيا عن تدمير المراكز المدنية في أوكرانيا، لكن المعركة بين القوات المسلحة للبلدين كانت في صالح أوكرانيا. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان ينبغي للغرب أن يتوخى أغراضاً محدودة، لتجنب بذل جهود عسكرية لردع روسيا عن أوكرانيا أو المطالبة بتغيير النظام في موسكو كشرط لوقف الحرب.

بصرف النظر عن الأهداف التي سيستقر عليها الغرب في نهاية المطاف، لا ينبغي لطلب إنهاء الحرب بموجب اتفاق سلام رسمي أن يكون أحد هذه الأهداف. فالمشكلة لا تكمن في استحالة التوصل إلى صيغة معقولة لتسوية متبادلة تلائم جميع الأطراف، إنما في نظرة أحد الطرفين أو كليهما للصيغة واعتبارهما أنه من الأجدى لهما المضي قدماً في حرب تحمل إمكانية التوصل إلى نتيجة أفضل من توقيع اتفاقية تستبعدها. ومع استمرار كييف وموسكو في التطلع إلى تحقيق مكاسب عسكرية والرغبة في تجنب الظهور بمظهر الضعيف، سيظل الاتفاق الرسمي بينهما بعيد المنال في المستقبل المنظور.

وهذا كله يشير إلى حرب طويلة يرجح أن تدور أكثرية معاركها في شرق أوكرانيا وجنوبها، على الرغم من احتفاظ روسيا بقدرتها على استهداف مناطق أخرى. وفي ما يلي العناصر الاستراتيجية المعروفة للحرب طويلة الأمد والمفتوحة: تزويد أوكرانيا بالأسلحة والذخائر والتدريبات والمعلومات الاستخباراتية التي تحتاجها للدفاع عن نفسها ضد روسيا؛ والتأكد من أن حلف الناتو لا يزال قوياً بما يكفي لثني روسيا عن تصعيد النزاع أو منع وصول الإمدادات إلى أوكرانيا؛ وتقليص واردات الطاقة الروسية قدر الإمكان وفي أسرع وقت ممكن.

الاستنتاج واضح: ينبغي على الولايات المتحدة وشركائها في حلف الناتو التشاور مع بعضهم البعض ومع أوكرانيا بشأن أهداف الحرب. وينبغي عليهم كذلك تحسين خططهم لردع أي هجمات روسية على دول أخرى أو أي استخدام روسي لأسلحة الدمار الشامل والرد عليها. فعلى المدى القريب، قد لا يؤول النجاح الغربي إلى معاهدة سلام أو نهاية فعلية للصراع أو تغيير جدي في النظام الروسي، والأرجح أن يقتصر على وضع حد للأعمال العدائية ومنع روسيا من الاستحواذ على مساحة أكبر من تلك التي كانت تسيطر عليها قبل الغزو الأخير واستخدام أسلحة الدمار الشامل. وبمرور الوقت، سيتمكن الغرب من تحقيق انسحاب عسكري روسي كامل من أوكرانيا بالاعتماد على مزيج من العقوبات والدبلوماسية. وقد يكون هذا النجاح بعيداً كل البعد عن الكمال، لكنه أفضل بكثير من البدائل المطروحة.

* ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب ""العالم: مقدمة موجزة". والمقال مترجم من "فورين أفيرز" أبريل 2022
https://www.independentarabia.com

اضف تعليق