أثار انتشار فيروس كورونا المستجد مخاوف جمة بين الناس يمكن اعتبارها حالة كورونا فوبيا لم تستثنِ أحداً حيث أصابت الأصحاء والمرضى في آن واحد، بسبب صعوبة التعايش مع الجائحة، ووصل الأمر إلى حد معاناة البعض من كيفية التواصل والتعامل مع الأهل والأصدقاء والمارة في الشارع وفي الأسواق، في ظل التباعد الاجتماعي والإجراءات الصحية المتبعة لتجنب تفشي الوباء.

حيث تجد أولئك يترددون في اتخاذ القرارات بسبب الخوف من النتائج المرجوة، على الرغم من أن الدولة اتخذت إجراءات احترازية ساهمت بشكل كبير في إعادة الحياة بدرجات متفاوتة وتبعتها عودة الناس للعمل والذهاب إلى التسوق والترفيه.

الخوف من الحظر أو السماع به، أو قراءة خبر هنا وهنالك بإمكانية تطبيقه، وإن كان ذلك يأتي تنفيذا لإجراءات السلامة العامة ومحاولة السيطرة على تفشي المرض ومنع انتشاره؛ إلا أن الشعور بات أشبه بـ الكابوس، والهاجس، والضغط النفسي والتهديد، من مجرد سماع الكلمة.

لا يخفى على أحد الآن حال الخوف والذعر الذي وصل إليه بعض الناس من فيروس الكورونا المستجد، ويمكننا القول أن الخوف من العدوى بالكورونا هو سلاح ذو حدين فقد يحدث تأثيرات إيجابية إن كان في نطاق منطقي ولم يتجاوز الحد الطبيعي وقد يتحول إلى فوبيا هيستيرية دافعة ببعض الناس إلى حد الجنون.

أسباب الخوف من فيروس الكورونا، ربما يتبادر إلى ذهنك أن الخوف من فيروس الكورونا المستجد هو أمر حتمي لا خلاف عليه وهذا يعد حقيقة لعدة أسباب وهي، أن فيروس الكورونا المستجد سريع العدوى وسريع الانتقال من شخص لآخر، كما لم يتواصل جهابذة العلم الحديث إلى الآن لعلاج مضاد للفيروس حتى في البلاد المتقدمة جداً في العلم والتكنولوجيا مثل: الصين وأمريكا، إضافة الى ذلك لم يتم التوصل حتى الآن إلى جميع المعلومات الكافية عن الفيروس مثل الفترة التي يستغرقها في إحداث ضرره بالجسم، هذه الأسباب السابق ذكرها دافعة لبعض الناس على اتخاذ بعض القرارات والخطوات التي تختلف على مستوى الأفراد و الدول.

الدواعي المترتبة على الخوف من فيروس الكورونا على مستوى الأفراد، إذا كان الخوف هو دافع إيجابي لاتخاذ إجراءات احترازية في مجال مكافحة العدوى مثل: ارتداء الكمامات الوقائية.

الانتباه لتعقيم اليد وغسل اليد جيدا، الانتباه للمصافحة والسلام، وكل هذا من الإجراءات الوقائية هي إجراءات محمودة ولا خوف منها، أما حالة الذعر التي تصيب بعض الأشخاص مثل الرجل صيني الجنسية الذي حبس نفسه في صندوق هو أمر مبالغ فيه ولا يعقل.

اما الدواعي المترتبة على الخوف من فيروس الكورونا على مستوى الدول، تجدر هنا الإشارة أن الدول اختلفت في الإجراءات التي تم اتخاذها في مكافحة هذا الوباء على النحو الآتي: بعض الدول قامت بمنع السفر من البلاد و خارجها مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بحظر الطيران إلى بعض البلاد الأوروبية، كذلك قامت دولة الهند بمنع الفيزا للأجانب إلا بعض الاستثناءات القليلة و قامت الكويت كذلك بمنع إعطاء الفيزا لأي أجنبي على العموم، و لعل القرار الأكثر تعقلا في هذ هو منع بعض الدول إعطاء الفيزا لأكثر البلاد التي انتشر فيها الفيروس بصفة كبيرة و تم إقرار هذا من قبل منظمة الصحة العالمية مثل الصين باعتبارها الدول الأولي في الفيروس وكذلك إيران والسعودية.

فيما قامت بعض الدول بفحص أي شخص في المطار عن طريق الجهاز الإلكتروني لقياس الحرارة وكذلك السؤال الدقيق عن الحالة الصحية ووجود أعراض مرضية وغيرها، ويعتقد أن هذا الفحص قد يكون غير دقيقاً.

كما قامت بعض الدول بحظر التجمعات الكبيرة والتي غالباً ما تكون في المدارس والحضانات والهيئات الكبرى وغيرها، وبعض الدول اتجهت إلى فرض حظر صحي كامل وكذلك لمنع التجوال، هل الهلع الشديد أو الفوبيا من الكورونا أمر مبرر؟

دعنا نخبرك أن الهلع الشديد من فيروس الكورونا هو أمر غير مبرر إطلاقاً، حتى وإن كانت منظمة الصحة العالمية أعلنت أن فيروس الكورونا هو وباء عالمي لكن عليك أن تعلم أن معنى كلمة وباء أن الفيروس منتشر وسريع الانتقال من شخص لآخر ولا يعني هذا أنه داء قاتل بنسبة 100% وإليك هذه الحقائق:

80% من المصابين بالفيروس يعانون من أعراض طفيفة جداً كأعراض نزلة البرد وبعضهم قد لا يعاني من أي أعراض على الإطلاق ونسب التعافي أكبر كثيراً من نسب التدهور خاصة في البالغين والمعافين صحياً.

ينتقل الفيروس من الشخص المصاب إلى غيره عن طريق العطاس والسعال وغيرها وهذا كله يمكن تفاديه عن طريق ارتداء الكمامات الوقائية والحرص على غسل اليدين جيدا وتعقيمها والابتعاد عن المناطق المزدحمة، لهذا عليك أن تكون حذرا لا أن تكون مذعوراً.

الخطوات العملية التي يمكنك اتخاذها لتمنع نفسك من الإصابة بفوبيا الكورونا، ابتعد قليلا عن الشائعات والأخبار الغير موثوق فيها، اتخذ الإجراءات اللازمة لمكافحة العدوى لمنع الفيروس من الانتقال إليك، تستطيع القيام بالعادات الصحية مثل ممارسة الرياضة ولكن باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمكافحة العدوى وعدم التواجد في الأماكن المزدحمة، إذا كنت تعيش وحيداً تتابع الأخبار في قلق حاول أن تبتعد قليلاً عن دائرتك المغلقة وتتصل بأحد الأصدقاء.

إذا كان الشخص يعاني من بعض الأمراض أو الاضطرابات النفسية مثل الانزعاج الدائم أو الاكتئاب وغيرها ففي هذه الحالة يجب أن يتم التواصل مع طبيب نفسي متخصص للعلاج.

ما هي وكيف نتجنبها؟

تتجه حكومات العالم نحو تخفيف إجراءات الحظر التي كانت قد فرضتها سابقاً في إطار مكافحة تفشي فيروس كورونا، إلا أن معظم الناس ما زالت تشعر بالخوف من الإصابة بالفيروس التاجي المستجد، سيما وأن منظمة الصحة العالمية تحذر من موجات تفشي جديدة للفيروس، يُحذّر خبراء الصحة النفسية من أنّ الخوف المبالغ فيه قد يتحول إلى (فوبيا) تتجاوز تداعياتها السلبية آثار الفيروس نفسه.

ويرى الخبراء أن هذا الخوف سلاح ذو حدين؛ فقد يُحدث تأثيرات إيجابية إن كان في النطاق الطبيعي الذي يتبعه اتخاذ إجراءات السلامة اللازمة لتجنب العدوى، وقد يتجاوز النطاق الطبيعي ويتسبب بفوبيا هيستيرية تدفع البعض إلى حد الجنون؛ إذ يحذر خبراء الصحة النفسية من أن الخوف المبالغ فيه قد يتحول إلى "فوبيا" تتجاوز تداعياتها السلبية آثار الفيروس نفسه، لتدمر صحة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية.

وتالياً 4 نصائح وضعها الخبراء لمساعدة الأشخاص على تجاوز الأثر النفسي السلبي للجائحة، بشكل يعيد التوازن بين مراعاة الاشتراطات الصحية التي تقي من الفيروس، وممارسة الحياة بشكل أقرب إلى الطبيعي.

الابتعاد عن الطاقة السلبية والشبكات الاجتماعية

يرى الخبراء أنّه من الضروري الحفاظ على العلاقات الاجتماعية قدر الإمكان، لكنّهم يحذرون في الوقت نفسه من التواصل مع الأشخاص الذين ينشرون الطاقة السلبية، ويوصون بالتواصل مع الأشخاص الذين يصدرون الأخبار المُطمئِنة، ينصح الاطباء بممارسة الحياة الطبيعية قدر الإمكان، شريطة الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي

ويقول أساتذة علم الاجتماع إنّ النصيحة الأساسية تتعلق بإدارة جيدة للعلاقة مع مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفاً أنّ تلك المواقع تحتوي على الكثير من الأخبار غير الصحيحة، لذلك فإنّ الخط الأول للمواجهة هو استقاء الأخبار من المصادر الموثوقة للمعلومات مثل مواقع الحكومة ووزارات الصحة وليس من مواقع التواصل، يجب استقاء الأخبار من المصادر الموثوقة للمعلومات مثل مواقع الحكومة ووزارات الصحة وليس من مواقع التواصل.

ماذا تعرف عن الآثار النفسية طويلة الأمد للإصابة بكوفيد-19؟

تشير أبحاث إلى أن بعض الناس لا يزالون يعانون من مشاكل نفسية بسبب الدمار الذي خلفه إعصار كاترينا منذ خمس سنوات، كانت سوزان كيمب، محررة الإعلانات والطالبة في الثلاثينيات من العمر، تعيش حياة مفعمة بالنشاط والحيوية قبل جائحة كورونا المستجد، فكانت ترتاد المطاعم مع شريك حياتها وأقاربها وتحضر ندوات القراءة مع أصدقائها، لكن منذ أبريل/نيسان، لم تغادر كيمب شقتها بالقرب من ستوكهولم سوى خمس مرات، بعد أن تفاقمت أعراض اضطراب القلق الاجتماعي وتضاعفت مخاوفها وتصرفاتها القهرية غير المبررة بسبب رهاب الجراثيم والتلوث أثناء الوباء.

وتقول كيمب: "إن الضغوط النفسية الإضافية أصبحت تدفعني إلى حافة الانهيار التي كنت من قبل أستطيع تفاديها". إذ أصبحت ترتعد خوفا من المواصلات العامة، وزاد حرصها على نظافة أدوات المائدة والأكواب وينتابها الخوف والحزن كلما رأت صور خلايا فيروس كورونا، وتقول: "أجهش بالبكاء، وأشعر أنني سأموت، ثم أبكي بحرقة حتى أشعر بألم في جسمي ورئتي"، ويرافق ذلك في الغالب شعور بالإحباط، لأنها لا تحقق تقدما في حياتها، والخوف من أن يستغرق الأمر سنوات حتى تستأنف حياتها الطبيعية وتسيطر على أعراض اضطراب الوسواس القهري.

وبينما زادت مستويات القلق لدى الكثيرين أثناء الجائحة، فإن الأعراض التي تعاني منها كيمب تكشف عن المشاكل النفسية الخطيرة التي تسببت بها الجائحة أو فاقمتها لدى البعض. ويحذر الأخصائيون النفسيون من أن هذه المشاكل قد تستمر على المدى الطويل.

ويرى ستيفين تايلور، مؤلف كتاب "علم نفس الأوبئة" وأستاذ علم النفس بجامعة بريتيش كولومبيا، أن ما يتراوح بين 10 إلى 15 في المئة من الناس، لن تعود حياتهم كسابق عهدها، بسبب تأثير الجائحة على صحتهم النفسية.

وأثارت مؤسسة "بلاك دوغ" المستقلة لبحوث الصحة النفسية مخاوف حول "الأقلية التي ستعاني من القلق طويل الأمد". وحذرت مجموعة من الأخصائيين الصحيين البارزين مؤخرا في الدورية الطبية البريطانية من أن "آثار الجائحة على الصحة النفسية من المرجح أن تبقى لفترة أطول مقارنة بآثارها على الصحة البدنية".

قد تعزى مخاوف علماء النفس من الآثار طويلة الأمد لفيروس كورونا المستجد إلى نتائج الدراسات واستطلاعات الرأي عن الجوائح وحالات الطوارئ السابقة، إذ ربطت دراسة بين تفشي متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) في عام 2003، وبين زيادة معدلات الانتحار بنسبة 30 في المئة بين كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاما.

وأشارت دراسة نشرت في فبراير/شباط العام الحالي إلى أن التدابير التي تتخذ للحد من انتشار الفيروسات، مثل الحجر الصحي، قد يكون لها آثار سلبية على الصحة النفسية، فقد تؤدي إلى الإصابة بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب أو الأرق. وربطت دراسات بين فقدان الوظائف والضوائق المالية أثناء فترات الكساد الاقتصادي العالمي، وبين تردي الصحة النفسية، ويقول جوشوا مورغانستاين، نائب مدير مركز دراسات الكرب التالي للصدمة في الولايات المتحدة: "إن الآثار السلبية للكوارث على الصحة النفسية تطال عددا أكبر من الناس وتدوم لفترات أطول بمراحل من أثارها على الصحة البدنية. ولهذا من المتوقع أن نشهد زيادة في احتياجات الرعاية النفسية التي قد تستمر لفترة طويلة بعد انحسار الوباء".

ويرى علماء النفس أن أحد المشاكل النفسية التي من المرجح أن تستمر على المدى الطويل بعد وباء كورونا المستجد هي اضطراب الوسواس القهري، ويقول تايلور مفسرا، إن اضطراب الوسواس القهري هو محصلة لعوامل وراثية وبيئية. ويقول: "إن الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بأنواع من اضطراب الوسواس القهري (مثل وسواس التلوث والهوس بالتنظيف)، من المرجح أن يصابوا بالاضطراب أو تتفاقم أعراضه بسبب الضغوط النفسية من الجائحة. وقد يصاب بعض هؤلاء برهاب الجراثيم المزمن ما لم يتلقوا علاجا نفسيا ملائما"، وبخلاف اضطراب الوسواس القهري، تقول يوكو نيبودا، الأخصائية النفسية والمتحدثة باسم مجلس العلاج النفسي بالمملكة المتحدة: "إن اضطراب القلق العام يعد واحدا من المشاكل النفسية التي قد تنتشر في الأيام المقبلة. إذ يعاني الكثيرون في مجتمعاتنا المعاصرة من القلق بالفعل، لكن وباء كورونا القاتل، قد يفاقم القلق والمخاوف لدى الأشخاص الذين يميلون للشعور بالقلق. وحتى بعد انحسار الوباء، سيشعر البعض بقلق مفرط خوفا من ظهور سلالة أخرى من الفيروس".

وتقول نيبودا إن الأخصائيين النفسيين يخشون أيضا من انتشار الوحدة المزمنة أو "انعدام الهدف" في الحياة بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي أثناء الجائحة. فقد أرغم التباعد الاجتماعي البعض على الابتعاد عن الكثير من معارفهم، وقد يجدون صعوبة في ترميم علاقاتهم بأصدقائهم بعد انحسار الوباء. وقد انسحب آخرون طوعا من العالم الخارجي وانكفئوا على أنفسهم بحثا عن الأمان في عالمهم الخاص. وقد يجدون صعوبة في الخروج من العزلة ومخالطة الآخرين، وتشير نيبودا إلى أن ضغوط الوباء قد تصبح أشد تأثيرا على أولئك الذين مروا بتجارب مؤلمة في الماضي، مضيفة: "قد تستدعي الضغوط ذكريات الصدمة شعوريا أو لاشعوريا، وعندها ستصبح المشاكل النفسية طويلة الأمد".

وتقول ليندسي هيغينز، من نيويورك التي مات شريك حياتها منتحرا في عام 2014: "أعيش الآن في خوف دائم من فقدان أفراد عائلتي". وبعد سنوات من العلاج النفسي، شعرت هيغنز أنها تعافت تدريجيا من اضطراب ما بعد الصدمة، لكن الآن ينتابها الخوف الشديد كلما غادر شريك حياتها الجديد المنزل، وتقول إنها تخاف من حدوث مكروه، كأن يصاب بالمرض أو يصاب به أحد أفراد عائلتها أو أصدقاؤها".

وقد تؤثر البطالة أو فقدان مصدر الدخل على الصحة النفسية على المدى الطويل. إذ ربطت دراسات عديدة بين تداعيات الوباء على الحالة الاقتصادية وبين الاكتئاب والضغوط النفسية والتفكير في الانتحار.

وتشير دراسة أمريكية حديثة، تستند إلى بيانات استطلاعات الرأي، إلى أن أكثر من نصف العاطلين أو الذين انخفضت دخولهم أثناء الجائحة في الولايات المتحدة يعانون بالفعل من مشاكل نفسية، وزادت معدلات المشاكل النفسية بين الأشخاص الذين يتقاضون رواتب أكثر انخفاضا، ويرى الأخصائيون النفسيون أن طبيعة أزمة كورونا وحجمها يسببان حالة من عدم التيقن غير المسبوق، وليس من الواضح متى ستتعافى القطاعات الأشد تأثرا من الوباء، مثل السفر والترفية، وما هي احتمالات تعافيها.

وترى نيبودا أن هذا الوضع يفرض تحديات على الأشخاص الذين لا يحسنون التعامل مع المجهول أو يعجزون عن تحمل المواقف التي تخرج عن سيطرتهم. وتقول: "إن بعض الناس يخافون من عدم التيقن أو المجهول، وهذه المخاوف قد تلازمهم لفترة طويلة".

ما الذي ينبغي أن نتعلمه؟

وضعت العديد من الهيئات والمنظمات إرشادات للاستجابة لتداعيات الوباء على الصحة النفسية. إذ نشرت منظمة الصحة العالمية توصيات في وقت مبكر من العام الحالي للحفاظ على الصحة النفسية، وسارت على منوالها هيئات حكومية أخرى في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها.

ويجمع باحثون بيانات لفهم الآثار النفسية طويلة الأمد لهذه الأزمة وكيفية التعامل معها. وتبحث دراسات بريطانية في الصحة النفسية لمرضى كورونا المستجد الذين تلقوا العلاج في المستشفيات والممرضين والممرضات في الخطوط الأمامية. ويجري مركز بحوث الطب النفسي في ستوكهولم دراسة لمدة عام يشارك فيها 3000 شخص كانوا يعانون من أمراض نفسية قبل الجائحة، مثل الاكتئاب والقلق واضطراب الوسواس القهري.

وتقول نيتيا جايارام ليندستورم، مديرة عمليات بمشروع ستوكهولم، إن هذه الدراسة ستركز على مدى تأثير كورونا على أوجه التفاوت في الرعاية الصحية ومدى تطور أو تغير أعراض المرضى والفئات الأشد تضررا من الوباء.

ويرى مورغانستاين، أن هذه المشروعات ستكون مصدرا مهما للمعلومات لمقدمي الرعاية الصحية والحكومات. ويقول: "نحن نستعين بهذه الدراسات التي تراقب صحة السكان لتقييم التدخلات والاستعداد للموجات اللاحقة من الوباء وطوارئ الصحة العامة. فالضغط النفسي كالسميات، لا يقل ضررا عن الرصاص أو الرادون، ولكي نفهم تأثيره على المجتمع، نحتاج أن نعرف الفئات التي تعرضت له ومدى تأثيره على صحتهم".

ويرى تايلور أن الوباء قد يخلف آثارا نفسية طويلة الأمد لدى فئة من الناس، لكنه يسلط الضوء على قدرة الكثيرين على تحمل الضغوط النفسية والصمود في وجه الكوراث، ففي ووهان على سبيل المثال، حيث ظهر الوباء واستطاعت السلطات أن تسيطر على انتشار الوباء بعد فرض الحجر الصحي لمدة 76 يوما، احتضنت المدينة مهرجانا موسيقيا في إحدى المتنزهات المائية، حيث تزاحم الآلاف بلا تباعد اجتماعي أو كمامات. وأقيمت حفلات موسيقية كبرى في نيوزيلندا بعد نجاحها في الحد من انتشار الوباء.

ويرى تايلور أن هذه الحفلات والفعاليات أقيمت رغم أن الكثيرين في مستهل عام 2020 كان الشك يساوهم في أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وتوقع البعض أن تكون الحياة بعد الوباء شبيهة بقصص تشارلز ديكنز الكئيبة.

وتشير نيبودا إلى أن الوباء انعكس إيجابا على الصحة النفسية لبعض الناس، وقد يدوم هذا الأثر أيضا لفترة طويلة. وترى أن تجربة الحجر الصحي خففت مستويات القلق لدى بعض الناس الذين كانوا يعانون من الضغوط النفسية في العالم الخارجي قبل الوباء. وذلك لأنهم شعروا بالحرية والأمان بقضاء ساعات أطول في المنزل.

وترى نيبودا أن الوقت الإضافي الذي أمضاه البعض في المنازل شجعهم على الحرص على تحقيق التوازن بين الحياة العملية والحياة العائلية أو التمهل عند مخالطة الآخرين بوضع حدود بين الحياة الشخصية والحياة الاجتماعية.

واستغل البعض التباعد الاجتماعي لترتيب منازلهم والتخلص من الفوضى. وتقول نيبودا إن المساحات المنظمة في منازلهم انعكست إيجابا على صحتهم النفسية. ويرى الخبراء أن ممارسة الهوايات في وقت الفراغ الإضافي، أسهمت في زيادة الشعور بالرضا وخففت الضغوط النفسية لدى الكثيرين.

لكن هذه التجارب لا تجدي نفعا لبعض الناس، مثل سوزان كيمب، الذين يجدون صعوبة في تصور نهاية لمعاناتهم النفسية بسبب الوباء. وتقول كيمب: "لا أستطيع التغلب على مخاوفي، ومن الصعب الآن معرفة ما إن كانت هذه المخاوف مبررة أم غير مبررة".

وتقول ليندسي هيغننز: "أشعر أن استعادة التوازن النفسي يكاد يكون مستحيلا الآن". ولا تظن هيغنز أن أعراض اضطراب ما بعد الصدمة ستتحسن حتى لو توصل العلماء إلى لقاح. وتقول: "سيستغرق توزيع اللقاح وإقناع الناس بالحصول عليه وقتا طويلا. وأعتقد أنني لن أشعر بالأمان مرة أخرى أبدا".

كيف نتعافى من الصدمة النفسية الجماعية الناجمة عن كوفيد-19؟

أنت تعايش الآن أول صدمة جماعية عالمية لم يشهد العالم مثيلا لها منذ عقود طويلة، ولعلها الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، وربما لم تتعرض لصدمة بهذه الشدة في حياتك، تجاوزت أعداد الوفيات جراء فيروس كورونا مليوني حالة، ولا تزال تُسجل عشرات الآلاف من الوفيات يوميا. وألقت هذه العاصفة الفيروسية بظلالها على الاقتصاد العالمي، وشبكات العلاقات الدولية والصحة النفسية للأفراد وحتى مظاهر حياة الناس اليومية، فلم يسلم شيء من أذاها.

وربما لا يتبادر إلى الذهن، عند التفكير في جائحة كورونا، حالة "الصدمة النفسية"، ناهيك عن "الصدمة الجماعية"، وذلك لأننا نركز دائما على أبعاد الجائحة الاقتصادية والسياسية والبيئية والعلمية. وحتى عند مناقشة التداعيات النفسية للوباء، سُلطت الأضواء على الاكتئاب والقلق والوحدة والضغوط النفسية، ولم تشغل الصدمة النفسية إلا حيزا ضئيلا من النقاشات الإعلامية، غير أن الصدمة النفسية أكثر عمقا مما يتصور الكثيرون، فهي ليست مجرد مرادف للتجارب التي تسبب ضغوطا نفسية شديدة، ولا تنتج دائما عن الحوادث المروعة التي تستغرق فترة وجيزة، كحوادث السيارات والهجمات الإرهابية أو مكافحة الحرائق. وتختلف الصدمة النفسية عن اضطراب الكرب التالي للصدمة.

فالصدمة النفسية تتعلق بأحداث وتجارب ومدى تأثيرها على النفس. وتختلف الصدمة النفسية عن الأحداث الضاغطة باختلاف الطريقة التي نتفاعل بها مع الحدث، وبعد انتهاء الجائحة، ستبقى آثار الصدمة الجماعية الناجمة عنها في المجتمعات لسنوات. فكيف نستوعب هذه التداعيات النفسية؟ وما هي نصائح وتحذيرات الخبراء في الصدمة النفسية للتعافي منها؟

يقول ديفيد سترايكي، الطبيب النفسي وممثل مجلس الصدمة النفسية بالمملكة المتحدة، إن الصدمة النفسية قد توصف بأنها انهيار القدرة على إدراك التجارب والعلاقات والأحداث وتأويلها. ويفسر ذلك بالقول: "عندما تتغير نظرتك لنفسك وللعالم وللآخرين وتنقلب رأسا على عقب بسبب حدث مؤلم، ستتحول الضغوط البسيطة المتلاحقة إلى صدمة نفسية، وخاصة إذا رافق هذه الضغوط شعور مستديم وشديد بالعجز وانعدام الحيلة".

وقد تتسبب المصائب والأحداث المؤلمة اليومية في صدمة نفسية. ففقدان الوظيفة، على سبيل المثال، قد يكون تجربة صادمة بشدة. فالوظيفة يستمد منها المرء هويته والشعور بتقدير الذات وعلو الهمة والتصميم والعلاقات الاجتماعية، فإذا فُصلت من العمل، ستفقد كل الأشياء المرتبطة بها، ومن ثم تتراكم الضغوط النفسية ويصبح الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى.

وعندما يفقد المرء القدرة على استعادة التوازن النفسي، الذي يساعده في مواجهة الضغوط النفسية، ولم يجد شيئا يعوض هذا النقص ليحفزه في الحياة، سيشعر أنه متخبط ومسلوب الإرادة لبعض الوقت. وقد يحتاج المرء لإعادة النظر في معتقداته وإدراكه لذاته، حتى يواجه أثر الصدمة.

ولا ترتبط الصدمة النفسية بالضرورة بطبيعة الحدث أو شدته، فبعض الناس أكثر قدرة من غيرهم على مواجهة الحدث والتعامل معه. ويقول سترايكي أيضا: "قد يعتمد مدى تقبلك للحدث أو عجزك عن تحمله على حالتك النفسية في هذا اليوم، فمن الصعب تمييز الأحداث الصادمة من غيرها".

لكن ما دامت الصدمة تنتج عن الطريقة التي نتفاعل بها مع الأحداث والحالة النفسية لكل فرد على حدة، فكيف تحدث صدمة جماعية؟ وهل يمكن أن تتعرض جماعات لصدمة نفسية؟ تحدث الصدمة الجماعية عندما يتعرض عدد كبير من الناس لصدمة نفسية جراء وقوع حدث أو سلسلة من الأحداث في نفس الفترة الزمنية، وقد تكون جائحة كوفيد-19 نموذجا مثاليا للأحداث الصادمة من جوانب عديدة.

وفي خضم الوباء، فقد الكثيرون أقرب الناس إليهم، ولا شك أن الموت يسبب صدمة نفسية لأي شخص في أي مكان، وقد رأى البعض أحباءهم تتدهور صحتهم سريعا أمام أعينهم ولفظوا أنفاسهم الأخيرة في غضون أيام.

والأسوأ من ذلك أن التحدث إلى المرضى والاقتراب منهم قبل الوفاة كان عسيرا بسبب القيود على الزيارات في المستشفيات، وحتى طقوس العزاء والمواساة لم تعد كما كانت، بسبب قيود التباعد الاجتماعي.

وأشار استطلاع للرأي إلى أن 20 في المئة من العاملين بالرعاية الصحية يعانون من آثار ما بعد الصدمة بعد العمل في عزلة مع المرضى في حالة حرجة. ويواجه هؤلاء العاملون عنصرا إضافيا للصدمة، وهو الجرح الأخلاقي، عندما أوقعتهم قرارات الإبقاء على حياة مرضى والتضحية بآخرين في معضلة أخلاقية غير مسبوقة.

وقد تسبب الإصابة بالأعراض الحادة للمرض، كشأن خمس المصابين بالفيروس، صدمة نفسية، فالخوف من الموت ونظرات اللوعة في عيون الأحباء وأعراض المرض نفسها قد تملأك رعبا، ويقول متين باسوغلو، أحد مؤسسي كلية دارسات الصدمة النفسية بجامعة كينغز كوليدج في لندن: "إن أصعب شعور يمكن أن تتخيله هو العجز عن التنفس، لأنك لا يمكن أن تفعل شيئا للتخفيف من وطأته. فانقطاع النفس هو أوضح صور العجز".

وقد توصف الجائحة بأنها صدمة جماعية، لأن تأثيرها طال الجميع، بمن فيهم أولئك الذي لم يصابوا بالفيروس ولا يعرفون أحدا أصيب به، لأن الرعب يتملكهم من الإصابة بالمرض الخفي القاتل، حتى لو لم تتحقق هذه المخاوف.

وعلاوة على ذلك، فإن سرعة انتشار الفيروس تتجاوز قدرتنا على الاستيعاب بعد توقف مظاهر الحياة في ظل قيود الحجر الصحي. وقد تغير إيقاع الحياة وإحساسنا بالواقع. وأشار البعض إلى أن الجائحة أثرت على إحساسهم بالزمن واشتكى الكثيرون من صعوبة التركيز وتشتت الذهن. ويفاقم الانتباه المتواصل لأخبار الجائحة على وسائل الإعلام من المخاوف والضغوط وقد يؤدي إلى صدمة نفسية غير مباشرة أو ما يسمى "صدمة بالإنابة". فالقصص المخيفة قد تثير نفس مشاعر الضغوط المسببة للصدمة لدى الأشخاص الذين لم يعانوا من المرض.

اضف تعليق