تتطلب الاستراتيجية الصناعية الموجهة نحو المهام أن يعمل القطاعان العام والخاص معا بشكل تكافلي. الواقع أن هذا النهج، إذا أدير على النحو الصحيح، كفيل بتعظيم الفوائد العامة والقيمة لصالح أصحاب المصلحة في الأمد البعيد: حيث يصبح النمو القائم على الإبداع مرادفا للنمو الشامل. فما هو نوع ذلك النمو...
بقلم: ماريانا مازوكاتو

لندن ــ من مناقشات السياسات والبيانات السياسية الرفيعة المستوى إلى التغطية الإخبارية اليومية، تخيم غيمة من الـجَـزَع بشأن النمو الاقتصادي على كل مكان. في ألمانيا، تَـعـتَـبِـر الميزانية الحكومية الأخيرة النمو الأقوى أولوية قصوى. وفي الهند، يتوق القادة الوطنيون إلى استعادة مكانة بلدهم باعتباره الاقتصاد الأسرع نموا في العالم. وفي الصين، حيث يلوح شبح الانكماش في الأفق، تشعر الحكومة بالقلق دون أدنى شك إزاء قدرتها على تحقيق هدف النمو بنسبة 5% هذا العام.

في المملكة المتحدة، تَـعَـهَّـدَ كير ستارمر، زعم حزب العمال الـمُـعارِض، بتأمين أعلى نمو مستدام في مجموعة الدول السبع إذا مُـنِـحَ السلطة، ويُـعـرِب حزب المحافظين الحاكم عن طموحات مماثلة (لنتذكر هنا شِـعار رئيسة الوزراء السابقة ليز تِـرَس الذي صار بغيضا الآن: "النمو، والنمو، ثم النمو"). لكن وضع النمو في قلب عملية صنع السياسات نهج خاطئ. فعلى الرغم من أهميته، لا يمثل النمو في عموم الأمر هدفا متماسكا أو مهمة مُـحـكَـمة. قبل الالتزام بأهداف بعينها (سواء كان ذلك نمو الناتج المحلي الإجمالي، أو الناتج الإجمالي، أو ما إلى ذلك)، ينبغي للحكومات أن تركز على اتجاه الاقتصاد.

فما الخير الذي قد يجلبه معدل النمو المرتفع إذا كان تحقيقه يتطلب ظروف عمل سيئة أو التوسع في صناعة الوقود الأحفوري؟ علاوة على ذلك، كانت الحكومات أكثر نجاحا في تحفيز النمو عندما كانت تلاحق أهدافا أخرى ــ ولا تتعامل مع النمو في حد ذاته باعتباره الهدف. جلبت مهمة وكالة ناسا للفضاء لإنزال رَجُـل على سطح القمر (وإعادته إلى الأرض) ابتكارات وإبداعات في مجالات عديدة، مثل الفضاء، والمواد، والإلكترونيات، والتغذية، والبرمجيات التي أضافت في وقت لاحق قيمة اقتصادية وتجارية كبيرة.

لكن وكالة ناسا لم تشرع في إنشاء هذه التكنولوجيات لهذا السبب، وربما لم تكن لتعمل على تطويرها على الإطلاق لو كانت مهمتها ببساطة تعزيز الناتج. على نحو مماثل، نشأت شبكة الإنترنت من الحاجة إلى التواصل بين الأقمار الصناعية. ونظرا لانتشار الإنترنت على نطاق واسع، سجل الناتج المحلي الإجمالي الرقمي على مدار العقد الفائت نموا أسرع بنحو 2.5 مرة من نمو الناتج المحلي الإجمالي المادي، والآن أصبح الاقتصاد الرقمي على مسار تصل معه قيمته إلى ما يقدر بنحو 20.8 تريليون دولار بحلول عام 2025. ومرة أخرى، كانت أرقام النمو هذه راجعة إلى التفاعل النشط مع الفرص التي يتيحها التحول الرقمي؛ ولم يكن النمو في حد ذاته هو الهدف. بدلا من التركيز على تسريع نمو الناتج المحلي الإجمالي الرقمي، ينبغي للحكومات أن تركز على سد الفجوة الرقمية وضمان أن النمو في الحاضر والمستقبل لا يستند إلى إساءة استخدام شركات التكنولوجيا الكبرى لقوة السوق. ونظرا لمدى سرعة تقدم الذكاء الاصطناعي، فإننا في احتياج ماس إلى حكومات قادرة على تشكيل الثورة التكنولوجية القادمة بما يخدم الصالح العام.

في عموم الأمر، يعني دفع النمو في اتجاه أكثر شمولا الابتعاد عن تغليب الطابع المالي على النشاط الاقتصادي والعودة إلى الالتزام بالاستثمار في الاقتصاد الحقيقي. في ظل الظروف الراهنة، تلجأ أعداد هائلة من الشركات غير المالية (بما في ذلك شركات التصنيع) إلى الإنفاق على إعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح بما يتجاوز إنفاقها على رأس المال البشري، والآلات، والبحث والتطوير. ورغم أن مثل هذه الأنشطة قد تعزز أسعار أسهم الشركات في الأمد القريب، فإنها تتسبب في تقليص الموارد المتاحة لإعادة الاستثمار في العمال، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين أولئك الذين يسيطرون على رأس المال وغيرهم الذين لا يملكون أي سيطرة عليه.

يتعلق فرض الطابع المالي في أغلب الأحيان باستخراج القيمة وتعظيم الأرباح في الأمد القريب، وليس خلق القيمة من أجل المجتمع ككل. لتحقيق النمو الشامل، يتعين علينا أن ندرك أن العمال هم من يخلقون القيمة الحقيقية، ويجب أن تكون مصالحهم حاضرة بوضوح في المناقشات حول توزيع الدخل والثروة. من هذا المنطلق، كان الموقف الجديد الذي اتخذه حزب العمال في المملكة المتحدة بشأن حقوق العمال مثيرا للقلق. ففي محاولة عفوية لاجتذاب قادة الشركات وتفنيد المزاعم بأنه "مناهض للأعمال"، خفف حزب العمال التزامه المعلن في السابق بتوفير قدر أكبر من الحماية للعاملين في وظائف مؤقتة.

ولكن لا ينبغي لنا أن ننظر إلى النمو القائم على الاستثمار وحقوق العمال باعتبارهما أولويتين متنافستين. الواقع أن إيجاد التوازن بين المشاركة من جانب الشركات والالتزام تجاه العمال لا يشكل ضرورة أساسية لتحقيق النمو الشامل فحسب؛ بل وقد تبين بالفعل أن هذا التوازن يعمل على تعزيز الإنتاجية والنمو في الأمد البعيد. لن ينمو الاقتصاد في اتجاه مرغوب اجتماعيا من تلقاء ذاته. كما أَكَّـدت قبل عشر سنوات فإن الدولة يجب أن تضطلع بدورها المهم في ريادة الأعمال.

بعد المحاولات التي بذلتها الحكومات مؤخرا لدفع عجلة اقتصاداتها في أعقاب الجائحة، من الواضح أننا لا نزال في احتياج إلى التفكير بطريقة جديدة حول كيفية تحقيق النمو الذي لن يكون "ذكيا" فحسب، بل يجب أن يكون أيضا أخضر وشاملا. تحتاج الحكومات إلى خرائط طريق للسياسة الاقتصادية ذات أهداف واضحة، استنادا إلى أكثر ما يهم الناس والكوكب. ويجب أن يكون الدعم العام للشركات مشروطا بالاستثمارات الجديدة التي ستعمل على "البناء بشكل أفضل" نحو اقتصاد حقيقي أكثر اخضرارا وشمولا.

لنتأمل هنا قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم في الولايات المتحدة، والذي يستهدف تعزيز صناعة أشباه الموصلات المحلية. يحظر القانون استخدام الأموال لإعادة شراء الأسهم، وبوسع المرء أن يتخيل بسهولة فقرات إضافية تشترط إعادة استثمار أرباح المستقبل في تدريب قوة العمل. ولكن للمساعدة في توجيه النمو في الاتجاه الصحيح، يتعين على الحكومات أن تعمل أيضا على تنفيذ استثمارات موجهة نحو أهداف بعينها في حدود قدراتها وأدواتها ومؤسساتها.

لقد تسبب نقل تصنيع قدرات أساسية إلى الخارج في تقويض قدرة الحكومات على الاستجابة للاحتياجات والمطالب المتغيرة، مما أدى في النهاية إلى الحد من قدرتها على خلق النمو الهادف والقيمة العامة بمرور الوقت. الأمر الأسوأ من هذا أن القطاع العام، مع تفريغ قدراته وخبراته، أصبح أكثر عُـرضة لاستيلاء المصالح الخاصة عليه. لن يتسنى للحكومات تعبئة الموارد وتنسيق الجهود بنجاح مع الشركات الراغبة في العمل نحو تحقيق أهداف مشتركة إلا من خلال امتلاك القدرات والكفاءات المناسبة.

تتطلب الاستراتيجية الصناعية الموجهة نحو المهام أن يعمل القطاعان العام والخاص معا بشكل تكافلي. الواقع أن هذا النهج، إذا أدير على النحو الصحيح، كفيل بتعظيم الفوائد العامة والقيمة لصالح أصحاب المصلحة في الأمد البعيد: حيث يصبح النمو القائم على الإبداع مرادفا للنمو الشامل.

السؤال الذي ينبغي لنا أن نطرحه الآن ليس ما هو حجم النمو الذي يمكننا تحقيقه، بل ما هو نوع ذلك النمو. لتحقيق ناتج اقتصادي أكبر وأكثر شمولا واستدامة، يجب أن تحتضن الحكومات إمكاناتها بحيث تصبح خالقة للقيمة وتتحول إلى قوى جبارة تعمل على تشكيل الاقتصاد. من خلال إعادة توجيه المنظمات العامة حول أهداف طموحة ــ بدلا من الهوس بأهداف النمو الضيقة ــ يصبح بوسعنا التصدي للتحديات الكبرى في القرن الحادي والعشرين وضمان نمو الاقتصاد في الاتجاه الصحيح.

* ماريانا مازوكاتو، أستاذة في اقتصاديات الابتكار والقيمة العامة في كلية لندن الجامعية، هي المديرة المؤسسة لمعهد UCL للابتكار والغرض العام، ورئيسة مجلس منظمة الصحة العالمية المعني باقتصاديات الصحة للجميع، والرئيس المشارك للجنة العالمية لاقتصاديات المياه. مؤلفة كتاب "قيمة كل شيء: صنع الاقتصاد العالمي وأخذه" و"الدولة الريادية: فضح أساطير القطاع العام مقابل القطاع الخاص"، ومؤخرا، "اقتصاد المهمة: دليل القمر لتغيير الرأسمالية"
https://www.project-syndicate.org/

اضف تعليق