تلعب الصناديق السيادية دوراً مهماً وكبيراً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي بالنسبة للاقتصادات الأحادية، غير المتنوعة في قاعدتها الإنتاجية، وذلك من خلال امتصاص الصدمات المفاجئة التي تتعرض لها تلك الاقتصادات، كنتيجة لاعتمادها على مورد واحد، كالنفط مثلاً، وتعد النرويج من أبرز النماذج لتطبيق تلك الصناديق.

إذ معروف إن أحادية الاقتصاد تجعله اقتصادا غير متين، يتعرض للاهتزازات والتقلبات التي تصيب ذلك المورد الأحادي، حيث تنتقل هذه الاهتزازات والتقلبات بشكل تلقائي، في حال غياب الإدارة السليمة والإرادة الحقيقة للاقتصاد بشكل عام وإيرادات المورد الأحادي بشكل خاص، إلى أغلب متغيرات الاقتصاد الأحادي، لان المغذي لكل هذه المتغيرات وهو المورد الأحادي قد أُصيب بالاهتزاز.

كيفية انتقال الاهتزازات والتقلبات

ان انتقال الاهتزازات والتقلبات التي تصيب المورد الأحادي، إلى بقية المتغيرات الاقتصادية، وكما ذكرنا أعلاه، في ظل غياب الإدارة السليمة والإرادة الحقيقة، تتم من خلال أمرين هما:

1- سعر الصرف، إن تصدير الموارد الطبيعية كالنفط مثلاً، بسبب اعتماد الاقتصاد عليه فقط، سيؤدي إلى زيادة الإيرادات من العملة الأجنبية، لدى المالية العامة، وبما إن هذه الأخيرة دائماً ما تغذي نفقاتها بالعملة المحلية، هذا يعني أنها ستزيد من الطلب على العملة المحلية مقابل التسديد بالعملة الأجنبية، وهذا يعني كمية كبيرة من العملة الأجنبية تطارد كمية أقل من العملة المحلية، فيرتفع سعر صرف العملة المحلية.

إن ارتفاع سعر صرف العملة المحلية يعني ارتفاع أسعار السلع المحلية الأخرى مقابل السلع الأجنبية، فتحصل نتيجتين: الأولى، انخفاض الصادرات المحلية غير النفطية، بسبب ارتفاع أسعارها والثانية زيادة الاستيرادات من السلع الأجنبية غير النفطية، لأنها أرخص نسبياً عند مقارنتها بالسلع الأجنبية بسبب ارتفاع سعر صرف العملة المحلية، وكلا النتيجتين تؤديان إلى تحطيم الاقتصاد.

2- زيادة أجور العاملين في القطاع الأحادي، إذ أن زيادة أجور العاملين في القطاع النفطي مثلاً، سيجعل الأفراد العاملين في القطاعات الأخرى ينتقلون للعمل في هذا القطاع رغبةً بالأجور المرتفعة، هذا الانتقال سيسبب انخفاض عرض العمل في القطاعات الأخرى وارتفاع الطلب عليه فترتفع أجور العاملين في القطاعات الأخرى، وان ارتفاع الأجور يعني ارتفاع تكاليف إنتاج السلع، ومن ثم أسعارها، فينخفض الطلب عليها، فتنخفض الصادرات، عدم التوسع في الإنتاج وانخفاض فرص العمل وزيادة البطالة والفقر.

دور الصناديق السيادية في معالجة الاهتزازات والتقلبات

تستخدم الصناديق السيادية كأداة وقائية لمعالجة الاهتزازات والتقلبات التي تصيب الاقتصاد الأحادي، وذلك من خلال وضع إيرادات الثروة والوطنية في هذه الصناديق دون تمريرها في الموازنة العامة، وتتم إدارتها بشكل مستقل وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة كالبنك المركزي مثلاً، ويكون استثمارها بالشكل الذي يتلائم مع حالة الاقتصاد الوطني، فإذا كان الاقتصاد الوطني يتسم بالاستقرار سيتم توجيه استثمارات أموال تلك الصناديق نحو الخارج مع تمويل الموازنة العامة بنسب محددة لا تتجاوز الأرباح التي تحصل عليها مقابل الاستثمار في شتى مجالات الاستثمار التي تراها إدارة الصندوق مناسبة، والعكس صحيح، يكون الاستثمار في الداخل إذا لم يصل الاقتصاد لحالة الاستقرار، ولكن بشكل متناسق ومكمل لاستثمار الموازنة العامة. وبهذا نكون قد استطعنا تلافي الاهتزازات والتقلبات التي تحصل في ظل غياب الصناديق السيادية بالنسبة للاقتصادات غير المتنوعة وخصوصاً الريعية.

النموذج النرويجي

تعد النرويج من أبرز النماذج التي نجحت نجاحاً باهراً في استخدم الصناديق السيادية، لمعالجة الاختلالات والتقلبات التي تعرضت لها بعد اكتشاف النفط 1969 والتي تعرف بالمرض الهولندي، حيث أصبحت أغلب المؤشرات الاقتصادية تشير إلى ضعف الاقتصاد النرويجي، فعلى سبيل المثال ارتفعت الأجور 50%، هذا ما تسبب في انخفاض نمو القطاع الصناعي، وبلغت ديون الحكومة النرويجية 50% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1977.

ولكن بعد تطبيق سياسة الصناديق السيادية، أخذ الاقتصاد النرويجي يتعافى شيئاً فشيئاً، حتى أخذ يطلق عليها مصطلح "دولة الرفاه". وبهذا الصدد يذكر فاروق القاسم في كتابه" النموذج النرويجي إدارة المصادر البترولية" في ص190، إن الهدف من تأسيس الصندوق السيادي في النرويج هو "حماية الاقتصاد الوطني أولاً من التذبذبات في سعر الزيت أو من حالات طارئة أخرى، وثانياً خدمة مصالح الأجيال القادمة".

ويذكر فهد عامر الاحمدي في مقالته الموسومة (كيف تحاشت النرويج المرض الهولندي) المنشورة في جريدة الرياض، إن النرويج لن تسمح (للأموال السهلة) بالقضاء على اقتصادها الانتاجي وقدرتها التنافسية، لكن النرويجيين -في الوقت نفسه- كانوا في حيرة من أمرهم، في كيفية إدارة هذه الثروة الجديدة التي تدفقت عليهم بكميات تجارية في الثمانينات، وحينها انقسم البرلمان النرويجي إلى فريقين، الأول طالب بتوزيع الثروة على عامة الشعب، والثاني عارض الفكرة خوفاً من إصابة الاقتصاد بـ"المرض الهولندي" واقترح إنفاق الثروة النفطية لتعزيز الإنتاج الوطني ومن ريعه يتمتع الناس بالرخاء والرفاهية. وفي النهاية رجحت كفة الفريق الثاني، في توجيه عائدات النفط إلى صندوق سيادي يستثمر في الخارج فقط، ويحق للحكومة سحب 4% فقط من عائد الصندوق السنوي لتدعيم الموازنة العامة. ولم يستثمر الصندوق السيادي عائدات النفط في الداخل وذلك بسبب صغر الطاقة الاستيعابية للاقتصاد النرويجي، فلو تم استثمارها في الداخل ستتحطم كل القدرات التنافسية لهذا الاقتصاد.

والآن يحتل الاقتصاد النرويجي المرتبة 27 من بين اقتصادات العالم بناء على الناتج المحلي الإجمالي حسب بيانات صندوق النقد والبنك الدوليين، هذا من ناحية الاقتصاد، وأما من ناحية الصندوق نفسه، فقد نقل موقع "أرقام" ان مؤسسة (SWF Institute) المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية، في آخر تقرير لها والصادر الشهر الجاري، قد صنفت صندوق التقاعد الحكومي النرويجي كأكبر صندوق سيادي في العالم بموجودات قدرت بـ893 مليار دولار في عام 2014، وتتوزع استثماراته جغرافياً على القارات والدول، وقطاعياً على الزراعة والصناعة والتكنلوجيا وغيرها، واغلب تلك الاستثمارات بالأسواق المالية كالأسهم والسندات.

فعندما يتعرض الاقتصاد النرويجي لأي اهتزازات وتقلبات خارجية، يأتي دور الصندوق لينقذ ما يتعرض له الاقتصاد، لكن تكون آلية الإنقاذ تلك ضمن شروط وضوابط معينة، حتى تبقى الدولة على أهبة الاستعداد في أداء مسؤولياتها، دون التنصل عنها والاتكاء على الصندوق، أي يكون الصندوق بمثابة المسعف عند حصول الأزمات فقط، وبمجرد ما تنتهي الأزمة يعود لعمله الطبيعي.

ولم أدري هل يتبع العراق هذه السياسة في حال تعافي أسعار النفط؟ والخروج من هذا المأزق الصعب المتمثل بالهيمنة للدولة والريعية النفطية؟!

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

اضف تعليق


التعليقات

ظافر المنصور
كل التوفيق استاذ حامد المحترم مقال رائع اين الحكومه من هكذا مقالات تعتبر نصائح وخطط اقتصاديه رصينه قابله للتطبيق ولكن للاسف تطبيقها بات حلما في العراق2017-06-18
حامد الجبوري
العراق
اشكرك اخ ظافر المنصور المحترم على متابعتك واطراؤك الجميل.
كما تفضلت تطبيقها في العراق بات حلماً بسبب الفساد والأحزاب المتأسلمة ومن يعطيهم الشرعية في ذلك.
فائق التقدير والاحترام لحضرتك.2017-08-01