عنوان الكتاب: عربة الصمت
المؤلف: إبراهيم سبتي
الناشر: دار النخبة للطباعة والنشر والتوزيع
عدد الصفحات: 90 قطع متوسط
تاريخ الصدور: 2020

يتميز المبدعون برهافة أحاسيسهم، وسعة خيالاتهم، لذلك هناك أسوار شاهقة بينهم وبين التبلّد أو الحيادية تجاه ما يحدث في العالم، فما يدور في عالمنا اليوم من أزمات وتعقيدات وتصادمات، قد يمر على النسبة الأكثر من سكان الأرض مرور الكرام، لكنه يتحول عند المبدعين إلى هموم ثقيلة، لا يمكن تخفيف وطأتها إلا بوسائل وأشكال الإبداع والفنون، وهذه حقيقة تقرّ بها البشرية عبر تاريخها.

فن السرد أحد الأجناس الإبداعية التي تصدّت لتصدعات عالم اليوم، وانعكست المشكلات الوجودية في نصوص كثيرة وكبيرة، فسعى الساردون المبدعون إلى تفتيت وتفكيك هذه المشكلات عبر نصوص قصصية، تُبنى بأشكال فنية عالية، حتى يكون بمقدورها مواجهة حالات التأزّم التي تعبث بحياة الإنسان.

عربة الصمت، مجموعة قصصية للكاتب العراقي المتميز إبراهيم سبتي، صدرت مؤخرا في القاهرة وضمّتْ (14) قصة تنحو أجواءها إلى تساؤلات وجودية في الغالب، وتسعى بدءاً من العناوين، إلى تبيين واقع الإنسانية الراهن، ودرجة التعقيد والمخاطر التي تحيط به، وتبتغي عبر الفن تذويب شيء، أو نسبة ما من حالة الاحتقان التي يعيشها أناس هذا العصر، وهم يواجهون حالة اغتراب واستلاب حتى مع أنفسهم، وهذا بحسب علماء النفس أصعب أنواع المركّبات النفسية.

لقد أحاط القاص إبراهيم سبتي عالمه القصصي في هذه المجموعة، بأجواء يغلب عليها الصمت والعزلة والموت، هذا الثالوث الذي يحاصر إنسان العصر بقوة، وهو يشكل نتيجة طبيعية لعقول تتحكم بالعالم لكنها للأسف فقدت حكمتها، ودفعها جهلها وخواؤها إلى حالة من الاستحواذ والشراهة غير مسبوقة.

إن حياة إنسان اليوم كما يشبهها إبراهيم سبتي عبارة عن (عربة) مغلقة ووحيدة، وهذه المفردة تحيل إلى الانكماش والعزلة، ويعزز القاص هذه الأجواء عبر شخوص قصصه، بدءاً من القصة الأولى (عربة الصمت) التي حملت المجموعة عنوانها، مرورا بالقصص الأخرى مثل (الشارع الوحيد الخالي، المذعور، مسرح الأقنعة، خيول بدينة، امرأة الفنجان، والنوم في الحرب..... وغيرها من القصص).

وقد حرص القاص على إرفاق الأزمات الوجودية المفتعلة بحالة من البلادة البشرية، حيث لا يعبأ المتحكمون بسير (العربة) نحو الهاوية، وقد أوحى بهذا الاستخفاف عبر أكوام من القمامة تُغرِق العربة (الحياة)، ولا أحد يعنيه ما يجري، في إشارة بارعة إلى أن الإنسان يمضي بنفسه إلى حتفه، وهو يرفع أسوار الأزمات عاليا حول ذاته، غير مبالٍ بالقادم، فالمهم لديه هو أن يعيش لحظة الاستحواذ والاستغراق في لذّة التحكم بالآخرين وتدمير مصائرهم.

هذا الواقع البشري المأزوم، المكلّل بالصمت، والتنصل من مسؤولية ما يجري على الرغم من خطورته، هو المرتكز الفكري الأهم الذي شيّد عليه القاص عالمه القصصي في مجموعته هذه، ونلاحظ ذلك من خلال هذه الجملة الصادمة في قصة عربة الصمت: (منذ ثلاث ساعات والعربة صامتة لا تحب الكلام!) ص8.

في الحقيقة ليس العربة هي التي لا تريد الكلام، إنما ركابها هم الذين يغطّون في الصمت، وهذا يحيلنا إلى أن حياة البشر اليوم غارقة بالسكوت إزاء ما يحدث، فينحو ركابها (ساكنو الأرض/ العربة/ الحياة) إلى الانشغال بما يجنونه من مكاسب، وبما يثيره ذلك من صراعات، أما المآل البشري فلا يستحق الانشغال بالنسبة لهم، لأنهم يعيشون لحظة اللذة الراهنة، ولا يعنيهم المستقبل البشري.

طالما أن الإنسان يعفي نفسه من مسؤولية ما يجري، ويُغرق نفسه في مستنقع رغباته، فإن أي نوع من التحسّن على الحياة لا يمكن أن يحدث، لأن مصدر التغيير إلى الأفضل هو الإنسان، وإذا أعفى نفسه من هذه المسؤولية، وتعامل ببلادة مع الأزمات التي تعصف بالحياة، فإن الحلول تبقى غائبة، وأن (عربة الحياة) تزداد تعقيداتها ومخاطرها.

لذا نقرأ في القصة نفسها: (لم يكن الفضاء الخارجي قد تحسّن كما أردتُ، بل كان يتعقد وتشتد الريح كما رأيت الأشجار التي نمر ببعضها وهي تتحرك بعنف كخائف وسط الموت) ص8.

شخوص عربة الصمت لكل منهم دلالة وإيحاء معين يعزز ما يهدف القاص لإظهاره، فهناك رجل عجوز في أواخر العمر، وامرأة متوسطة، وشاب ثلاثيني، هؤلاء من ركاب العربة، والغريب حقا مع اختلاف الأعمار ونوع الجنس، لكن اللامبالاة تصبغهم جميعا، وهي دلالة مؤسفة على واقع المجتمع العالمي كلّه، إنهم مجرّدون من أي شعور مستقبلي، ولائذون بذوات يحبسها الصمت.

نقرأ في القصة نفسها: (العجوز أخرج منديلا وراح يمسح عينيه وأنفه ثم أعاده إلى جيبه بحركة رتيبة، إلا أنه نظر إلى المرأة نظرة فيها أسئلة وربما فيها أشياء لا أعرف مداها، كانت تنظر نحو النافذة وبدت غير مبالية بشيء) ص9.

لتنتهي بنا هذه القصة إلى ما يشبه الإنذار الشديد، لمن يقود العالم، ليس النخب السياسية وحدها، ولا الاقتصادية (الشركات الاحتكارية الفردية) وما تتسبب به من أزمات للعالم، بل حتى النخب الثقافية والفكرية، مشمولة بهذا التحذير الذي يجب أن يؤخذ على محمل الجد، فالعربة تسير في الاتجاه الخاطئ، وأن ركابها يتناقصون يوما بعد آخر، في إشارة إلى حادثة محو يمكن أن تتعرض لها (العربة، الحياة، الأرض)، في ظل بلادة بشرية إزاء ما يجري.

يقول القاص إبراهيم سبتي في قصة (عربة الصمت): (ما زال النفق طويلا حين وجّهتُ نظري إلى العربة التي خلتْ تماما من الركاب، حتى العجوز القريب مني قد اختفى هو الآخر، العربة خالية إلا مني....) ص 11

تتكرر الأجواء في قصة (الشارع الوحيد الخالي)، حيث حالة الاستلاب والغربة تستبيح حياة بطلها، فتبدو الشوارع والبيوت والموجودات كلّها في حالة صمت وهجوع، وهي إشارات لتعزيز الأجواء التحذيرية لما يعيشه الإنسان من وقائع مريرة، دونما بصيص ضوء في آخر النفق.

نقرأ في قصة الشارع الوحيد الخالي: (الليل يلفّ الشارع التربي فتلتحف البيوت الهاجعة بين ضلعيه في سكينة وصمت) ص18.

يوغل القاص في تعميق أجواء الصمت من ناحية، وازدياد منسوب البلادة وعدم الاهتمام من ناحية أخرى، إنهما قطبان لمعادلة يعيشها إنسان العصر الراهن، فهذا عالم موحش، غارق في الظلمة ومسكون بالفناء، وهذه الأجواء العصيبة (السوداوية) يعمقها القاص سبتي، كونها نوع من التحذير الجاد لمن يعبث بمقدرات الحياة، وعلى الرغم من أن إشارات السرد تتخفى وراء صور وأسماء واقعية، إلا أن البعد الإيحائي لها، يؤكد هدف القاص إلى إظهار ما يواجهه البشر اليوم من مخاطر مصيرية.

نقرأ أيضا في القصة نفسها: (الأبواب الخشبية المتهالكة احتفظتْ بألوانها الشبحية الباهتة رغم غرقها في الظلمة وثمة بيت يجاورنا، ما زال متهدما وخرِبا سكنتهُ ثلاث نساء عجائز يريق ذكرياتي التي تنساح مني مرغمة. كلما مررنا به نحن الصبيان خفتُ وزغت ببصري بعيدا لأنه مسكون) ص 19

ونبقى في العالم الدلالي الذي اختطه القاص سبتي لمجموعة قصصه هذه، فالغروب، وخلو الشوارع والمحال من الناس، والصمت، والخوف من الآتي، كلها مؤشرات وإيحاءات تقصّدها الكاتب، وأوغل في تعميقها، لتحقيق الهدف الذي يبتغيه، وأرى أنه (القاص)، حمل على كتفيه عبء ما يمر به العالم، وأنه أراد أن يوصل رسالة إلى من يهمه الأمر، مفادها (أنكم ببلادتكم، ولا مبالاتكم، واستخفافكم بما يجري في العلم، سوف تسرّعون (العربة/ الحياة) نحو نهايتها).

وهكذا تغيب الدلائل على وجود نبض من أي نوع، يدل على أننا كـ (بشر)، نعيش في وضع طبيعي، بل كل ما يركّز عليه إبراهيم سبتي في (عربة الصمت) يأتي بمثابة قرع مخيف لناقوس الخطر بصمت الحياة:

فنقرأ في قصة امرأة الفنجان: (في لحظات الغروب الأولى، كل الأبواب توصد والشوارع تخلو والمحال تُقفل ويتحول كل شيء إلى جماد لا روح فيه) ص24.

ونقرأ أيضا في القصة نفسها: (كانت المدينة تصارع الساعات وكلما مرّ وقت ابتهلوا شاكرين على نجاتهم ولكنهم ظلوا يخافون الآتي) ص28.

نعم إنها حالة الخوف التي تهيمن على الجميع، وهو واقع بشري لابد من تأكيده، وعد غض الطرف عنه بحجة وجوب التفاؤل والأمل المشرق، كلا نحن نعيش في عربة مغلقة، تتدحرج نحو متاهة المجهول بسبب قادتها الذين لا يتحلّون بالحكمة ولا بالمسؤولية.

ويُذكر أن القاص والروائي إبراهيم سبتي أصدر الكتب التالية:

* الغياب العالي مجموعة/ قصص/ صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة/ بغداد ١٩٨٩.

* ماقالته الضواري في حداد الإنس/ قصص/ صدرت عن اتحاد الكتاب العرب/ دمشق/ 2002.

* نهار بعيد/ قصص/ الكتاب الفضي/ بغداد 2007 .

*والليل غذ .. قصص/ المشهد القصصي في ذي قار/ دار الينابيع سوريا من منشورات اتحاد الادباء 2009.

* بائع الضحك/ ق ق ج/ دار ميتوبوزميا بغداد، دمشق 2012

* حيطان مسيلة للدموع/ قصص/ وزارة الثقافة / 2013

طائر في غيبوبة قصص وزارة الثقافة / الشؤون الثقافية 2014

الروايات:

جنة العتاد/ رواية/ دار الينابيع دمشق 2009

نخلة الغريب/ رواية/ صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة بغداد 2003 •

رواية سفرجل/ دار المسيرة/ بغداد 2017

قصر الثعلب،/ رواية ٢٠١٩ دار الفؤاد القاهرة.

اضف تعليق