يعد قضاء سنجار واحد من اكبر اقضية العراق، وهو احد اقضية محافظة الموصل العراقية الواقعة شمال العراق، التي استولى عليها داعش منذ حزيران/يونيو من العام الماضي، ويعد قضاء سنجار البقعة الجغرافية التي تقطنها الديانة الإيزيدية، وقد تعرضت هذه الديانة إلى أحد أبشع مجزرة في التاريخ الحديث على ايدي عناصر تنظيم داعش بعد استيلائهم على القضاء المذكور وبعد انسحاب القوات الكردية "البيشمركة" من قضاء سنجار تاركين القضاء وساكنيه رهينة تلك العصابات التي استباحت كل شيء، في كارثة انسانية ما زال الإيزيديون يبحثون عن اسبابها؛ لأن عناصر التنظيم لم يهددوا القضاء عندما انسحب البيشمركة، ولم يتخاصموا معها، والكل يتذكر الأيام الأولى لاحتلال الموصل وعلاقة البيشمركة بعناصر التنظيم وهم على مقربة من بعضهم لا تفصلهم سوى أمتار قليلة لم يبادر احدهم الى مهاجمة الآخر؛ لأن الاثنين متمسكين بحدودهم الجغرافية وفق ما يعتقدون بأنها مناطق تابعة للتنظيم واخرى خاضعة لسيطرة الأكراد.

انسحاب قوات البيشمركة الكردية من قضاء سنجار العام الماضي أثار الكثير من الجدل والأسئلة، وربما كانت الرسالة التي ارادت السلطة في إقليم كردستان ايصالها للإيزيدية بانسحابها من القضاء "بأن الحكومة الاتحادية غير قادرة على حمايتكم إذا رفعت قوات البيشمركة يدها من القضاء، وأنكم مرغمون على اختيار الكردية قومية لكم، وهذا ما تكرر على لسان مسعود برزاني في مرات عدة، على الرغم من رفض الإيزيديين ذلك".

عملية تحرير سنجار التي استغرقت يوماً واحد، والتي تم من خلالها تحرير القضاء بالكامل في سرعة قياسية لم تتجاوز 28 ساعة استطاعت القوات الكردية "البيشمركة" من طرد التنظيم المتطرف من القضاء بشكل كامل باسناد جوي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد بلغ عدد الطلعات الجوية للتحالف الدولي وفق ما ادلى به المحلل العسكري والمختص في شؤون الجماعات المسلحة "هشام الهاشمي" في سنجار لضرب مواقع القيادة المهمة وسيطرات التحكم لتنظيم داعش ٢٥٠ طلعة جوية. ومن يقود غرفة العمليات المستشارون الامريكان والبريطانيين والكنديين والفرنسيين والبيشمركة الكردية ومجلس الامن في الإقليم. إذاً هي عملية للتحالف الدولي في قيادتها ورسم خططها العسكرية.

عملية تحرير سنجار شأنها شأن سقوطه بيد داعش، تركت تداعيات وجدل على الساحة السياسية العراقية، حول جدية التحالف الدولي في القضاء على داعش؛ بسبب السرعة التي تحققت في تحرير أكبر قضاء في محافظة الموصل بمساحة تتجاوز 400 كم2، إذ تم استرجاع كامل القضاء في غضون 24 ساعة. بالمقابل نجد أن اقضية ومدن صغيرة في محافظة صلاح الدين والانبار وديالى وغيرها من المدن مثل جرف الصخر وأمرلي وحتى مناطق أطراف بغداد استمرت فيها المعارك بين القوات العراقية والحشد الشعبي وبين تنظيم "داعش" لأشهر طويلة، وخير مثال على ذلك مدينة بيجي التي استنزفت فيها القوات العراقية في معارك كر وفر قبل أن يتم تحريرها مؤخراً بعد معارك طويلة وخسائر مادية وعسكرية.

هنا -أي في عملية تحرير سنجار- تحضر الإرادة الأمريكية بتحالفها الدولي المتشكل لمحاربة التنظيم المتطرف في عملية التحرير قبل الإرادة الكردية؛ لأن التحالف الدولي هو تشكل عندما اصبح خطر داعش يهدد أربيل، ايضاً ثقة الأمريكان في الحليف الكردي، جعل الإدارة الأمريكية والغربية تسخر كل امكانيات التحالف في عملية تحرير سنجار وأن تساند قوات البيشمركة في كل محاور عملية التحرير وبغطاء جوي مكثف على العكس من الاسناد الجوي الضعيف في مناطق من محافظات الانبار وصلاح الدين، كذلك وربما الشيء المؤكد توقيت تحرير قضاء سنجار جاء متزامناً مع الأزمة الكردية الداخلية –مشكلة رئاسة إقليم كردستان-؛ لغرض ابعاد المشكلة الداخلية بنصر مهم وكبير وتصدير المشكلة الداخلية بنصر بهذا الحجم على تنظيم "داعش".

لاسيما وأن تنسيق الامريكان مع قوات البيشمركة ودعمها مستمرة وبشكل دائم وقد سبق عملية تحرير سنجار حادثة الحويجة، وقد يكون خلو القضاء من السكان قد أسهم في سرعة عملية التحرير ايضاً على عكس مدن الرمادي التي مازال يقطنها الكثير من الخاضعين لحكم داعش القسري. إذاً عملية التحرير التي احتفى بها مسعود برزاني بكلمات تاريخية هي ليست لبسالة القوات الكردية فقط وإنما لجدية التحالف الدولي والولايات المتحدة الأمريكية في تحرير القضاء، وقد جاءت الفرصة لمسعود برزاني أن يظهر من جديد بأنه البطل القومي للقومية الكردية بعد أشهر من تصاعد الأزمة الكردية الداخلية التي تسبب بها؛ بسبب تمسكه برئاسة الإقليم.

عملية تحرير قضاء، بحجم سنجار، اثارت أسئلة كثيرة بخصوص الجدية التي تحملها الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفها الدولي، فلماذا لا تحسم المعارك التي تقودها قوات الأمن العراقية والحشد الشعبي في محافظات مثل صلاح الدين والانبار وديالى؟، لماذا لا تقدم الولايات المتحدة نفس الدعم الذي قدمته للقوات الكردية "البيشمركة" بغطاء جوي؟، ولماذا لا تبدي جديتها بكل ذلك؟ هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التي تثار بعد عملية تحرير سنجار.

ربما جوابها يتلخص في سطور، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تثق بقوات الأمن العراقية بسبب تغليب الطابع الوصفي لقوة الحشد الشعبي على قوات الأمن والجيش العراقي، كذلك عدم ثقة الأمريكان بحلفائها في بغداد، لاسيما التحالف الشيعي، وربما السبب الرئيس في عدم جدية الأمريكان والإدارة الأمريكية في تقديم الدعم اللازم لقوات الأمن العراقية هو بسبب الاعتقاد بالسيطرة الإيرانية على بعض فصائل الحشد الشعبي، والقوة التي يتمتع بها الأخير في قلب الموازين لصالح النفوذ الإيراني، مما يجعله التهديد الأول بالنسبة للأمريكان في تقويض مشروعهم السياسي، وهذا ما طرح على لسان اكرم الكعبي امين عام حركة النجباء المرتبطة بالجنرال الإيراني قاسم سليماني بأن "الحشد الشعبي قادر على قلب نظام الحكم في العراق إذا ما حصل على مسوغ شرعي"، ما هو المسوغ الشرعي؟ وما هو مصدره؟ وما يخفيه من كلام مبطن ونوايا مستقبلية؟

كذلك التهديدات المستمرة التي تطلقها قيادات الحشد الشعبي ضد الأمريكان، ولاسيما تلك التي أطلقها ابو مهدي المهندس مؤخراً عندما قال "إننا نعلم بما تخططون ومن يتعاون معكم من سياسيين، حاربناكم لمدة عشر سنوات وكانت أيدينا فارغة والآن أيدينا مملوءة". كل ما سبق بالتأكيد سيترك انطباعات بالعقل السياسي الأمريكي والإدارة الأمريكية للتفكير ملياً قبل أن تقوم بالدعم الجدي للقوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي.

وعليه من الممكن أن تعيد الحكومة العراقية ثقة الأمريكان بحلفائهم في بغداد من خلال مشروع سياسي حقيقي، ومن خلال تأطير الحشد الشعبي بأطر قانونية وتشريع قانون لضم عناصر الحشد الشعبي وزجهم بالمؤسسة العسكرية واخضاعهم لقوانين المؤسسة العسكرية، ومحاسبة المقصرين، وابعاد المسيئين، وايضاً ابعاد ومحاسبة من لم يلتزم بقواعد وتوجيهات المؤسسة العسكرية وقيادة قوات الأمن العراقية، وتقويض دور الفصائل التي ترتبط بإيران من المواجهة العسكرية أو زجهم في صفوف الأمن العراقي بشكل متناثر وليس صفاً واحداً، والتأكيد على التعامل الرسمي الإيراني مع الحكومة العراقية وليس مع فصائل مسلحة.

واستيعاب المكون السني بمشروع مصالحة حقيقي، وحل المشاكل مع إقليم كردستان، وانفتاح العراق على المحيط الإقليمي العربي ودول الجوار بسياسة خارجية ناجحة.

ولعل المهم من بين كل ما تقدم في كسب ثقة الإدارة الأمريكية والغرب بشكل عام، هو ضبط الفصائل المسلحة العراقية، وايجاد طريقة مثلى في السيطرة عليها والتأكد من عدم تهديدها مستقبلاً للعملية السياسية الديمقراطية في العراق، وعدم خضوع الحكومة العراقية للإرادة الإقليمية، بإيجاد مشروع عراقي يجمع الكل دون اقصاء لأحد.

وعلى الحكومة العراقية والقوى السياسية وقيادات الحشد الشعبي أن تتيقن بأنه من غير الممكن لدولة مثل العراق أن تعتمد في مستقبلها السياسي والاقتصادي والعسكري على طرف وتتجاهل الطرف الآخر، والمقصود هنا بأن من غير الممكن أن يعتمد العراق على دول مثل روسيا وإيران ومجافاة المحيط العربي والإقليمي والدولي، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية والغرب؛ لأن روسيا هي على تخاصم دائم مع أوروبا والولايات المتحدة ودائماً ما تثير المشاكل هناك، كذلك الحال بالنسبة الإيران التي تثير الغرب بالملفات التي تديرها إقليمياً في بعض الدول العربية.

وعليه فمن الممكن للحكومة العراقية أن تمسك العصى من الوسط على اقل تقدير وعدم ترجيحها لطرف على حساب الآخر، وهذا يعتمد على السياسات الحكيمة للحكومة العراقية داخلياً وخارجيا؛ لأن رمي العراق بأحضان روسيا وإيران يعني استمرار التخاصم مع الطرف الآخر "الغربي" واستمرار حالات عدم الاستقرار واثارة المشاكل الداخلية والخارجية، مما يتيح تنصل الاخير من تقديم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي للعراق.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

اضف تعليق