بعد موتي، ستُرمى على قبري أكوام النفايات، لكن رياح التاريخ ستبدّدها، هذا ما توقّعه جوزيف ستالين قبل بضعة أشهر من وفاته في 5 آذار/ مارس 1953، ولعل موجة الحنين، التي تجتاح بعض الشباب الروسي إلى «الدكتاتور الأحمر»، هي التي تذكّر بذلك، إذ سيعتبر ستالين «الشخصية المجيدة في روسيا الخالدة»...

بعد موتي، ستُرمى على قبري أكوام النفايات، لكن رياح التاريخ ستبدّدها، هذا ما توقّعه جوزيف ستالين قبل بضعة أشهر من وفاته في 5 آذار/ مارس 1953، ولعل موجة الحنين، التي تجتاح بعض الشباب الروسي إلى «الدكتاتور الأحمر»، هي التي تذكّر بذلك، إذ سيعتبر ستالين «الشخصية المجيدة في روسيا الخالدة»، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية (24 شباط/ فبراير 2022)، ذلك ما توصّل إليه الكاتب والدبلوماسي، الذي عمل مع غورباتشوف، وكان المتحدّث باسم البريسترويكا، فلاديمير فيدروفسكي، في كتابه المثير «بوتين: أوكرانيا - الأوجه الخفيّة». وهو ما يؤكده مركز ليفادا الروسي المستقل والمختص بالأبحاث الاجتماعية وإجراء الاستطلاعات، الذي صنّف ستالين على رأس الشخصيات التاريخية الأكثر تميّزاً.

وهكذا يُبرَّأ ستالين «الكاريزمي، الجذاب» من الأخطاء والخطايا، التي ارتبطت باسمه، فهو صاحب الإرادة الفولاذية والعناد الثوري والتواضع الإنساني، وتلك الصفات أخذت تقرّبه من لينين سلفه المباشر، ومن القيصر بطرس الأكبر، ومن «إيفان الرهيب» باعتبارهم رموزاً لقوّة روسيا.

وتترافق استعادة ستالين، الذي «تسلّم روسيا الفقيرة وحوّلها إلى قوّة عظمى»، مع توجّه فلاديمير بوتين، الذي تولّى المسؤولية الأولى في روسيا منذ عام 2000، وحاول «إعادة العافية إلى روسيا» بعد أن غرقت في الفساد والانحلال، على إثر الإطاحة بالنظام الشيوعي.

وحين تُقدّم صورة ستالين - بوتين، فإنها تُظهر الاختلاف والتعارض مع صورتي ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين، على المستويات السياسية والنفسية والأخلاقية، فالأول ضعيف وساذج، والثاني عاجز وسكّير، في حين أن ستالين يقدَّم باعتباره رجل الدولة المستقيم، ويبرر الستالينيون الجدد أعمال القمع التي قام بها بأنها كانت من اختراع لينين. وكانت المُفكرة والاقتصادية الماركسية روزا لوكسمبورغ، المعروفة باسم «روزا الحمراء» والتي أطلق عليها لينين اسم «صقر الماركسية المحلّق»، أول من احتجّ على هذا النهج، وكتبت إلى لينين تقول «الثورة ليست حمام دم»، مثلما عارضها الروائي مكسيم غوركي، الذي مات مكسوراً بعد أن اضطرّ إلى أن يتدثّر بالصمت، وانتقد كارل كاوتسكي، الديكتاتورية البلشفية، التي قامت عليها السلطة السوفييتية، علماً بأنه يُعتبر أحد زعماء الأممية الثانية، والمنظّر الأبرز بعد وفاة صديقه إنجلز، وكان يُلقّب ﺑ«أبو الماركسية»، علماً بأن لينين خالف الكثير من أطروحاته وردّ على أفكاره بكتاب عنوانه «الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي».

والحجج التي تقف إلى جانب ستالين كنت قد سمعتها من العديد من الشيوعيين بشكل مباشر، مثل القيادي البارز آرا خاجادور والمفكر حسقيل قوجمان، اللذين ظلّا، حتى آخر أيامهما، يتغنّيان بمجد ستالين ويرفضان الاتهامات الموجهة إليه، علماً بأن بعض الكتابات تستبعد الأرقام المبالغة بشأن الضحايا، وتختصرهم إلى مجرد بضع مئات آلاف، في حين يقدّرهم آخرون بالملايين، وهنا يمكن استعادة كلام ينسب إلى ستالين «موت رجل واحد مأساة، أما موت ملايين فتلك إحصائية».

كان ستالين بارعاً في الدراما السياسية، فهو شديد التواضع في ملبسه ومسكنه ومأكله، غرفته تتزيّن بسجادتين بسيطتين وستائر سميكة وطاولة خشب مصقول وسماور للشاي وعلبة تبع وغليونين أو ثلاثة، وهذا ما يذكره المؤرخون، وقد رفض بناء قصر خاص له وأصرّ على البقاء في موسكو خلال الاجتياح النازي.

كما استطاع ستالين اللعب على الخصوم، فتحالف مع زينوفييف وكامينيف ضدّ تروتسكي، ثمّ أطاح بوخارين وتومسكي وريكوف، وتدريجياً أعدم بعض هؤلاء الزعماء، بمن فيهم بوخارين، الذي كان يلقّب «بمحبوب الحزب» وأعدم ابنه معه بتهم الخيانة والتجسس في محاكماته الشهيرة، التي أودت بالكادر القيادي، وصعد هؤلاء منصة الإعدام وهم يهتفون بحياة ستالين، وتلك مفارقة أخرى.

وفي ذاكرتي الطفلية، استعدت صورة ستالين، التي رأيتها أول مرّة مخبأة في إحدى كتب عمي شوقي شعبان المدرسية، فسألت عن هذا الرجل، وإذا بي أسمع اسم «ستالين»، باعتباره رئيساً للشيوعيين في العالم. وحصلت المفاجأة والدهشة حينما عدت من المدرسة بعد أسابيع، ورأيت عيني عمي شوقي الزرقاوين الجميلتين وقد اغرورقتا بالدموع، وبدا الحزن واضحاً على وجه عمي ضياء، الذي كان من أنصار السلام، ثم عرفت الخبر: لقد مات ستالين، وبسذاجة طفولية سألت، هل ستلبس (جدتي) السواد حداداً عليه؟

ولم يمض وقت طويل، وإذا بالصورة «المشرقة» تبهت وتتغيّر، بل اهتزت بعد التقرير الذي قدّمه خروتشوف إلى المؤتمر العشرين للحزب العام 1956، وتدريجياً أخذت تسبّب لي نفوراً بمرور الأيام، ارتباطاً مع تعمّق وعيي، وانخفاض منسوب الحمولة الأيديولوجية، خصوصاً بالانتقال من اليقينية الإيمانية التبشيرية إلى التساؤلية العقلانية النقدية.

النظرة التقديسية إلى حد المعصومية أخذت تتبخّر، حتى وإن كانت ببطء شديد، بسبب ادعاء الأفضليات، وغضّ الطرف عن الأخطاء والنواقص، بل الانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان، فضلاً عن منظومة الدعاية التوجيهية المضلّلة، التي كانت تُضخّ إلينا، ناهيك عن الجهل بالكثير من الحقائق والمعطيات الصادمة.

وكان صدور كتاب إسحق دويتشر الموسوم «ستالين - سيرة سياسية»، قد أحدث هزّة جديدة وعنيفة في النفوس، لا سيّما بكشفه معلومات لم نكن نعرفها.

 

اضف تعليق