عقلية الضحية تجعل المتلبس بها قاسيا ولا أباليا أزاء معاناة الآخرين، وميال إلى العنف والانتقام وعديم التعاطف، يقلل من معاناة الآخرين، ويصف ضحاياه بأنهم مستحقون لما يحصل لهم، يمكن التحقق من هذه المواصفات من ملاحظة السلوك الإسرائيلي الرسمي ومن اتجاهات الراي العام لدى المستوطنين الصهاينة طيلة الأعوام...

اختير القاضي اهارون باراك ليمثل دولة الاحتلال الإسرائيلية في المحكمة الجنائية الدولية، جاء اختيار هذا القاضي الطاعن في السن (87 عاما) لخصائص عديدة، ابرزها أنه من أبناء الناجين من الهولوكوست، وانه يتمتع بسمعة دولية كبيرة، كما انه من المدافعين عن الديمقراطية والمعارضين لتوجهات (الاصلاح القضائي)، التي سعت اليها حكومة المتطرفين اليمينية برئاسة بنيامين نتانياهو.

اعتادت دولة الاحتلال أن تحظى بدعم غربي كبير في المنظمات والمحافل الدولية، ومنذ ما قبل إعلان الدولة اليهودية عام 1948 نجحت الآلة الدعائية الصهيونية في استثمار المحارق النازية أو ما سمي بجينوسايد اليهود في أوروبا اثناء الحرب العالمية الثانية، لابتزاز الدول الغربية وتحميلها مسؤولية حماية هذا الكيان، ودعمه والانتصار له في المحافل الدولية وعلى مختلف الصعد، العسكرية والمادية والدبلوماسية والثقافية.

رصيد هذا النجاح المتراكم، كان يتأسس على مفهوم حماية (الضحية) وتمكينه من الدفاع عن نفسه وتحقيق أحلامه في أن يتمتع بحصانة دولية لافعاله، تمنع عنه المساءلة حتى عن جرائمه وأفعاله وعدواناته التي فتكت بالمدنيين ودمرت وجودهم وحياتهم، وحققت عمليا مفهوم الابادة الشاملة للفلسطينيين منذ مذبحة دير ياسين.

بعد 75 عامًا ورغم ما بذلته الآلة الدعائية المتعاطفة مع دولة الاحتلال منذ 7 اكتوبر /تشرين الاول 2023، تقف الدولة العبرية متهمة امام المحكمة الجنائية الدولية، ولأول مرة تطالب دول من خارج المنظومة العربية والاسلامية بمحاسبة إسرائيل على جرائمها في غزة، ومعه شعرت دولة الاحتلال بأن ثمة متغيرات تحدث لدى الرأي العام الدولي، وأن شبكة الحماية السياسية والقضائية والإعلامية التي تمتعت بها لسنوات طوال في طريقها إلى التمزق، وإول هذه المؤشرات هو وقوف اسرائيل متهمة بممارسة جينوسايد (ابادة) ضد شعب غزة الفلسطيني، في اختبار قوي لحججها القانونية وقدراتها الدبلوماسية والدعائية والإقناعية.

قد لا يعول كثيرا على نتائج المحاكمة، لكن الاهم من انعقادها هو تعرية المرتكزات التي قامت عليها دبلوماسية دولة الاحتلال وسياستها الاندفاعية والهجومية دائما.

الأصل السيكولوجي لسلوك دولة الاحتلال في علاقاتها الخارجية هو (عقلية الضحية) Victim mentality، وهذا المفهوم النفسي يتحدث عن سلوك فردي Indivdually أو جمعيCollective، حيث يقوم الفرد أو الجماعة باستغلال الآخرين وابتزازهم لخدمته وتحميلهم مسؤولية الدفاع عنه وتوفير احتياجاته بناء على شعوره بأنه ضحية لظلم وقع عليه ولم يستطع دفعه حينها، فهو يطور سردية (اعتقادات ومشاعر وتفسير للأحداث ) تتحول إلى جزء من هويته الاجتماعية والسياسية، يستثمرها في جعل الآخرين مكلفين بتقديم الخدمات له، لتعويضه عمّا تعرض له من اضطهاد أو انتقاص من الحقوق أو العدوان غير المبرر.

إن شعور جماعة ما بأنها تعرضت إلى الظلم والاضطهاد يدفعها إلى التفكير الدائم بحماية نفسها والمبالغة في صيانة أمنها، ثمن ذلك هو القلق والتوجس والشك الدائم والاعتماد على الآخرين، الذين يدفعهم دافع تقديم الخدمة بسبب التعاطف أو التخادم (أمريكا وبريطانيا وفرنسا مثلا) أو بسبب عقدة الذنب والتكفير عن الظلم والعدوان كما هو موقف ألمانيا مثلا، إسرائيل كانت تبتز العالم بأسره وتذكره بالمسؤولية التاريخية عن الإبادة، التي ارتكبها النازيون بحق اليهود، لتوظف ذلك في تدعيم موقفها والتغطية على جرائمها، وإشهار سلاح معاداة السامية، بوجه الذين يتحدثون عن سلوك غير أخلاقي أو غير قانوني لجيشها ومخابراتها الخارجية وأعمالهما العدوانية.

عقلية الضحية تجعل المتلبس بها قاسيا ولا أباليا أزاء معاناة الآخرين، وميال إلى العنف والانتقام وعديم التعاطف، يقلل من معاناة الآخرين، ويصف ضحاياه بأنهم مستحقون لما يحصل لهم!!.

يمكن التحقق من هذه المواصفات من ملاحظة السلوك الإسرائيلي الرسمي ومن اتجاهات الراي العام لدى المستوطنين الصهاينة طيلة الأعوام، التي تلت الهجرات الصهيونية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

تتحدث أبحاث علم النفس السياسي عن تطور الاستجابات العاطفية لمعتقدات عقلية الضحية إلى عواقب سلوكية خطيرة مثل استخدام العنف بشكل غير متناسب يطالُ أفراد المجموعة المنافسة أو المضادة من الذين لا يتحملون المسؤولية عن الأحداث الحربية أو العنفية كالاطفال والنساء، كما أن من السمات الإشكالية لمعتقدات عقلية الضحية، هو تفسيرها للأحداث الراهنة بأنها امتداد واستمرار للأذى السابق الذي تعرضت له، لاحظ مثلا ماذا يسمي نتانياهو هجوم حماس؟

أنه يصفه بأنه سلوك نازي وأنه امتداد لحرب الإبادة على الشعب اليهودي.

في المقابل يمارس حامل عقلية الضحية سلوكا مناقضا حينما يتعلق الأمر بما يرتكبه بحق خصومه، انه يستمر في التضليل والادعاء بانه يمارس حق الدفاع فقط، ولا يعترف بمسؤوليته عن عمليات القتل والتهجير والتدمير الممنهج، بل يربط كل ذلك بما فعله (المخربون)، ويتنصل عن دعوات الإبادة والحرق والتسميم والاقتلاع التي تصدر عن وزراء ونواب ومسؤولين وعسكريين سابقين وحاليين، وهي القضايا التي جاءت في لائحة الادعاء والاتهام التي تقدمت بها جنوب أفريقيا وحاول الممثل القانوني الإسرائيلي التهرب منها.

السلوك الإسرائيلي يستمد طاقته من خضوع الآخرين لابتزازاته العاطفية (ومديونياتهم) ازاءه، انعقاد المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة إسرائيل حدث مهم ينبغي البناء عليه لتحطيم (صورة) دولة أبناء الناجين من المحرقة النازية.

.........................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق