حافظت اغلب الاحزاب والكتل السياسية على وجودها، والتي يمكنها من تحقيق التوافقية السياسية وتمنع وجود الاغلبية السياسية، لذلك نجد غياب الرفض للنتائج وعدم التشكيك بنزاهة النتائج، وبالتالي الاستقرار النسبي لغاية الآن حاضر، ولكن يبقى المستقبل مليء بالمفاجئات لاسيما بعد التحرك السياسي المتوقع من قبل التيار الصدري في المستقبل...

بغض النظر عن الموقف من وجود مجالس المحافظات في العراق واهميته من عدمه يبقى الدستور هو الوثيقة العليا الحاكمة، الذي اشار الى تلك المجالس في المادة (122) منه على عد تلك المجالس اعلى سلطة تشريعية ورقابية في المحافظات وتمنح الصلاحيات الإدارية الواسعة (سلطة تشريعية محلية)، ويتمخض عنها سلطة محلية (المحافظ وباقي حكومته المحلية)، ويمنح الدستور مجالس المحافظات استقلالية مالية واسعة.

للعلم ان المشاركة او المقاطعة هي رأي سياسي محترم، فضلا عن ذلك هو حق دستوري، ولكن هنا نقول ان المقاطعة بالرغم من كونها رأي سياسي وحق دستوري ولكنها غير ذا جدوى، كون الدستور والقانون لم يحدد عتبة للمشاركة، وبالتالي سواء كانت المشاركة واسعة او ضعيفة سوف يتم اعتمادها والاقرار بمخرجاتها لمدة اربع سنوات قادمة، بمعنى لو كانت هناك نسبة محددة للاعتراف بالانتخابات لكانت المقاطعة ذات جدوى وتأثير ولو اصبحت وسيلة ضغط لتأجيل الانتخابات لغاية التأكد من تحقق الرغبة الشعبية بالمشاركة فضلا عن ذلك سوف يتم اعادة الانتخابات في حالة عدم تجاوز العتبة المحددة، ولكن الواقع الدستوري والقانوني لم يحدد اي نسبة وبالتالي ليس امام الناخب الا المشاركة الواسعة لغرض تحقيق التغيير المنشود سلمياً.

جرت الانتخابات بشكل آمن يوم الثامن عشر من شهر كانون الاول عام 2023، بالرغم من التخوف والتوقع بتأجيلها لأسباب كثيرة منها غياب مشاركة التيار الصدري وفشل محاولات اقناعه بالمشاركة، وما يسجل لها من ايجابية هو سهولة التنقل واجراءات التصويت اثناء الانتخابات ورضا الجميع بالنتائج، وما يسجل عليها من سلبيات مقاطعة تيار سياسي مهم يمتلك قاعدة شعبية لا يوجد من يمثله في مجالس المحافظات لمدة اربع سنوات قادمة.

اجرائها في موعدها دون تأجيل متوقع لأسباب كثيرة منها:

1- الكتل السياسية والاحزاب بالأجماع مصرة على اجرائها كونها تساعد في تعزيز نفوذها على (السلطات المحلية) مجالس المحافظات بعد سيطرتها على نفوذ (السلطات الاتحادية) في مجلس النواب، كون تلك الاحزاب ليس لها تأثير مباشرة على المحافظين الحاليين، بل البعض منهم يعمل خارج الدائرة الحزبية التي فازت الان في مجالس المحافظات.

2- الاصرار على اجرائها لكي يبعد الاحراج على الحكومة التي تعهدت بإجراء انتخابات مبكرة، فضلا عن اتفاق الكتل (ادارة الدولة) على ضرورة اجراء الانتخابات المبكرة ضمن الاتفاقات المسبقة، للعلم ان لفظة الانتخابات المبكرة لم يشار فيها الى انتخابات مجلس المحافظة بل كان الايحاء في حينها الى انتخابات مبكرة لمجلس النواب لغرض كسب عطف جمهور التيار الصدري الذي انسحب من قبة البرلمان في شهر حزيران عام 2022.

3- إجراء انتخابات مجالس المحافظات (مبكرة) وهي متأخرة في حقيقة الامر كونها يفترض ان تجرى قبل 2019 على اقل تقدير، لذلك تحاول الكتل ان تعد هذه الانتخابات انها المقصودة بالانتخابات المبكرة لكي تبعد المطالبات بحل مجلس النواب الحالي والذهاب الى تغييره كونها تمتلك الهيمنة والاغلبية السياسية فيه.

لذلك يمكن القول: ان انتخابات مجالس المحافظات هي رغبة ومطلب سياسي اكثر من كونه مطلب شعبي، كون هذه المجالس في العقل الجمعي العراقي المعاصر مرفوضة لذلك تم حلها لغرض تخفيف الضغط الشعبي الناتج عن احتجاجات تشرين عام 2019.

اعتمدت انتخابات مجالس المحافظات للعام 2023 على قانون رقم (4) لسنة 2023، وهو التعديل الثالث لقانون مجلس النواب ومجالس المحافظات والاقضية رقم (12) لسنة 2018، ان التعديل الاخير اضاف معطيات جديدة على طبيعة الانتخابات، لعل من أبرزها:

1- اعتماد معادلة الصوت المتحول (سانت ليغو 1.7)، و ليس اعلى الاصوات.

2- اذا فقدت عضوية مجلس المحافظة البديل يكون الحاصل على اعلى الاصوات من قائمته حصراً.

3- تصويت الكتروني وعد وفرز يدوي.

4- المحافظات دائرة انتخابية واحدة.

اعلان نسب متدنية (41%)، متوقعة ليس كون التيار الصدري قاطعها فحسب بل توجد اسباب اخرى للعزوف، لعل من أبرزها:

1- الرفض الشعبي لمجالس المحافظات منذ 2005، حيث يعدها البعض حلقة زائدة وفيها هدر كبير للأموال.

2- يعد البعض ان انتخابات مجالس المحافظات اقل اهمية من انتخابات مجلس النواب، لذلك بعض الرافضين يبررون الرفض بكون ان مجلس النواب اداءه ليس بمستوى الطموح فما بالك بمجلس المحافظة.

3- خيبة الامل التي اصابت اغلب الناخبين عند متابعة انتخابات عام 2021، وتداعياتها السلبية، حيث ان الناخب يتذكر تأخر تشكيل الحكومة لعام كامل تقريباً بعد اعلان النتائج يتوقع هكذا سيناريو ان يتكرر في انتخابات مجالس المحافظات لذلك تمت المقاطعة.

4- وجود جمهور صامت لا هو مشارك ولا هو مقاطع، بل هناك من الناخبين ممن لم يشترك بأي انتخابات منذ عام 2005، ولغاية الان لم يشترك ولم يحدث سجله الانتخابي ولم يحصل على البطاقة البايومترية والتي هي شرط اساسي للمشاركة وفق القانون الانتخابي النافذ والذي تمت الاشارة اليه سابقاً.

ان نتائج الانتخابات التي اعلنت كانت متوقعة، حيث حافظت اغلب الاحزاب والكتل السياسية على وجودها، والتي يمكنها من تحقيق التوافقية السياسية وتمنع وجود الاغلبية السياسية، لذلك نجد غياب الرفض للنتائج وعدم التشكيك بنزاهة النتائج، وبالتالي الاستقرار النسبي لغاية الآن حاضر، ولكن يبقى المستقبل مليء بالمفاجئات لاسيما بعد التحرك السياسي المتوقع من قبل التيار الصدري في المستقبل.

ومما سبق يتضح ان اجراء انتخابات مجالس المحافظات لابد منها لأسباب عديدة لعل من اهم تلك الاسباب:

1- غياب مجلس المحافظة يعني غياب ركن اساسي ودستوري من السلطات المحلية التي اشار اليها الدستور والقوانين لاسيما قانون مجالس المحافظات النافذ.

2- غياب مجلس المحافظة يتسبب بفراغ تشريعي محلي.

3- غياب مجلس المحافظة يساعد على استئثار المحافظ بالسلطة المحلية لوحده.

4- غياب مجلس المحافظة يعني تجميد الاموال المخصصة للمحافظة.

اما المستقبل المتوقع ما بعد المصادقة على نتائج الانتخابات فهناك عدد من التوقعات لعل من ابرزها:

1- الكتل السياسية سوف تتوافق على تنصيب المحافظين على مستوى العراق (هذا لك وهذا لي).

2- سيحدث خلاف بين المحافظين الذين حصلوا على فوز كبير مثل (البصرة وكربلاء وصلاح الدين والانبار والموصل وكركوك)، حيث هناك خلاف بين الكتلة الاكبر التي سوف تتشكل داخل قبة مجلس المحافظة وبين رغبة المحافظ الفائز بعودة انتخابه مجدداً.

3- التيار الصدري سوف يتحرك سياسياً للمطالبة بانتخابات مبكرة لمجلس النواب بشرط تغيير قانون الانتخابات للعودة الى اعلى الاصوات وتقسيم الدوائر.

وفي خاتمة القول، لابد من التأكيد على ان الرغبات الذاتية والآمال الشخصية شيء، والواقع الدستوري والقانوني شيء آخر، لذلك لا يمكن لنا ان نتصرف اي تصرف فيه اي مخالفة للدستور او القانون النافذ بمعنى ان اي دعوة لإلغاء مجالس المحافظات لا يمكن قبوله الا بتعديل الدستور الذي اشار اليها اشارات واضحة لا تقبل التأويل، والتعديل شبه مستحيل في ظل الظروف الحالية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2023 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق