الولايات المتحدة قد ارتكبت أخطاءً استراتيجية في تعاملها السياسي الخارجي مع العراق بدءً من موقفها من الحرب بين العراق وايران التي أضعفت القدرات العراقية الشاملة، ومرورا بتوريط العراق بغزو الكويت الذي أنهكته اقتصاديا وعسكريا، وصولا الى احتلاله وتدمير قدراته العسكرية وإسقاط نظامه السياسي وتخريب مؤسساته الأمنية والتنموية...

بعد انسحاب بريطانيا العظمى من كثير من مستعمراتها ومناطق نفوذها، إثر ما تكبدته من كُلف باهظة، ثمن انتصارها في الحرب العالمية الثانية، إذ كانت مثقلة بالأزمات والديون للولايات المتحدة، فضلاً عما لحق بُناها التحتية الاستراتيجية من أضرار فادحة جراء الحرب، دفع بها نحو الانكفاء والتراجع عن دورها ومكانتها كدولة عظمى، وفسح المجال واسعاً للولايات المتحدة، القوة الأكبر، الفتية الصاعدة في سلم القوة، لتحل محلها في أهم المناطق الاستراتيجية المؤثرة في التفاعلات الإقليمية والعالمية.

يأتي من بينها منطقة الخليج العربي والعراق الذي شكلت فيه بريطانيا حكماً ملكياً وراثياً لنظام نيابي. وبات دولة مستقلة قانوناً، بعد دخوله عصبة الأمم بمعونة بريطانيا في العام ١٩٣٢، وكأول دولة عربية تدخل هذه المنظمة الدولية الشاملة.

أخذ العراق يبرز على الساحة الإقليمية كقوة مؤثرة وفاعلة وله علاقات وتفاعلات نشطة على الصعيد الدولي، حصنت الى حد بعيد جبهته الداخلية واستقراره النسبي وظهر كقوة سياسية دبلوماسية بارزة بدخوله أحلاف وتكتلات إقليمية ودولية جعلته نداً شرساً وكفوءاً للقوى الإقليمية كتركيا وإيران.

وبعد انسحاب بريطانيا وفق ما سبق الإشارة إليه، وإحلال الولايات المتحدة منصب الزعامة محلها، أحدثت وبسرعة سلسلة من الزلازل السياسية في المنطقة العربية وبعض من أنظمتها السياسية، إذا ما استثنينا منطقة الخليج العربي لحسابات خاصة متعلقة بالجغرافية والطاقة وعقد الاتصالات والمواصلات العالمية والتركيبة الديمغرافية وحجم السكان، بما يمس استقرارها ويتماهى مع المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وما تعده مرتبطاً بأمنها القومي.

وكانت نتيجة تلك الزلازل السياسية، الإطاحة بالأنظمة الملكية وإيصال حكومات عسكرية، بذريعة أنها ستكون أنظمة قوية تقوى على الحفاظ وتماسك جبهتها الداخلية بوجه المد الشيوعي السوفيتي ومنع عدوى الشيوعية من النفاذ والتأثير في أوساط تلك الدول الشعبية منها والسياسية، وجعل هذه الدول كأحزمة عازلة وجدران صد واحتواء من تمدد الفكر والمد الأحمر. العراق كان من بين هذه الدول، بل من أبرزها، إذ شهد تحولاً، سياسياً سريعاً في العام ١٩٥٨، بعد مصر التي سبقته في العام ١٩٥٢.

الحكم العسكري الذي حكم العراق جاء بإسهام ودعم أمريكي أو بغض النظر عن وصوله، يحمل خطأً استراتيجياً بالغاً وقعت فيه الولايات المتحدة ولا زالت تدفع أكلافه، ولعله السبب المباشر في الانكفاء والتراجع عن تفردها في القيادة العالمية وزعامتها. العراق في ظل حكم العسكر مرّ بفترات من عدم الاستقرار السياسي تخللتها انقلابات وحروب داخلية وخارجية وأعمال عنف وتصفيات ختمت باحتلال وفساد وفوضى، حتى انتهى المشهد السياسي فيه الى دولة هشة فاشلة أخل ضعفها بالأمن والسلم الإقليمي والدولي، بعد أن أخل بالتوازن الإقليمي وأسهم في بروز قوى تهدد أمن ومصالح الولايات المتحدة والغرب ذاته، متمثلة خاصة بتركيا وإيران، اللتان ما كان لها أن يظهرا بهذا الكم من القوة والتأثير والتهديد، لو أن العراق كان قوة ثالثة موازنة.

العراق الذي أجهزت عليه الولايات المتحدة عبر زجه في حروب عبثية عدوانية وغزو غير مبرر، بعد إيصال ودعم شخصية جاهلة غير متزنة (صدام حسين) أوقعها لاحقاً في نفق الأفول والانكفاء، وظهور قوى منافسة لم يتسن لها البروز بهذه السرعة والكثافة كروسيا الاتحادية والصين، لو لم تقدم الولايات المتحدة على ما أقدمت عليه، أو لو أنها دعمت العراق، الذي سنبين أهم مرتكزاته الجيوستراتيجية العالمية وأهميته لأي قوى تبتغي قيادة العالم أو احتلال مواقع متقدمة في سلم القوة والنفوذ والعظمة.

وهذا ما لم يقدر قيمته الفعلية صناع القرار في الولايات المتحدة، ولعلهم قد وقعوا في سوء التقدير وخطأ الحساب، وهو خشيتهم على الكيان الصهيوني من عراق قوي عسكرياً واقتصادياً ومستقر أمنياً، ولو سلمنا جدلاً بصحة هذا الفرض، فإنه ليس أشد خطراً من قوى كبرى، لم تكن كما هي الآن لو كان العراق في مستوى مواز وكفوء لها، كما لم تتعرض مصالح الولايات المتحدة وأمنها لاهتزازات كبرى، لم يكن العراق طرفاً فيها ومن قوى تدعمها وتتحالف معها الولايات المتحدة، كتركيا والسعودية وحتى الكيان الصهيوني الذي يمثل الخاصرة الرخوة في جسد الولايات المتحدة، لما يتسبب به لها من أزمات ومتاعب مزمنة، وما يصيبها من أضرار مادية ومعنوية، والتي ستزداد في المستقل المنظور، و لربما يزج أمريكا في حروب تكبدها أضراراً مبرحة.

وتنبع أهمية العراق الاستراتيجية مما يأتي:

١- العراق من أهم مصادر الطاقة في العالم ويمتلك أهمية عظمى بالنسبة للدول الغربية والشرقية، دول الشمال والجنوب على سواء.

٢- يحتل موقعاً جغرافياً فريداً ومتميزاً، في إطار السياسة العالمية والقوى الدولية المتحكمة فيه، إذ يعد حلقة اتصال بين آسيا بعمقها الجغرافي وأطرافها المترامية شرقاً وأوربا شمالاً، وهو أقصر الطرق الجوية بين قارتي العالم القديم آسيا وأوربا، كما أنه منفتح عليه فواعل دولية راكزه في السياسة الدولية ومُطل أو قريب من عقد وأحواض مواصلات عالمية.

٣- كثافة سكانية معتبرة إذ يبلغ تعداد سكانه زهاء ٤٠ مليون نسمة، يمثل جيل الشباب النسبة الأكبر فيه.

٤- احتواءه على الكثير من المواد الأولية الضرورية في الصناعات الاستراتيجية فضلاً عن أرض زراعية خصبة واسعة يمكن أن تكون سلة غذائية عالمية مهمة تعين العالم في أوقات الاستقرار والأزمات.

٥- يمثل مجالاً اقتصادياً مهماً، في ميدان التجارة واستثمار رؤوس الأموال وتصريف البضائع والسلع كسوق كبير منفتح.

إزاء ما تقدم فإن هذه المكانة الجيوستراتيجية الحيوية التي ينفرد بها العراق، كان على الولايات المتحدة وصناع القرار فيها أن تضعه في عين الاعتبار ومقدمة أولوياتها الاستراتيجية لا العكس، إذ جعلت منه بلداً يعيش حالة من الوهن والفوضى والسيولة السياسية والتشظي المؤسسي التنظيمي.

وتأسيساً على ما تقدم يمكن لنا القول إن على الولايات المتحدة:

١- أن تسعى لوجود عراق قوي آمن، موضع استقرار دولي وإقليمي.

٢- إن هيبة ونفوذ الولايات المتحدة سيتآكل درامياً ويتراجع، مع تصاعد قوة ونفوذ فواعل أخرى إقليمية ودولية، ستطردها أو تزيحها عن قواعد ارتكازها، وتجر منها البعض من حلفاءها، ويمثل استقرار العراق وقوته عنصراً فاعلاً في إبعاد ذلك أو تأجيله، ويتيح لها التفرغ لمواجهة تلك القوى المهددة في مواقع وأماكن مختلفة، تمثل أهمية استراتيجية عليا لها.

٣- ترك هامش من الحرية للعراق في امتلاك قراره، وإدارة شؤونه عبر حكم وطني رشيد، بعيداً عن التدخل أو الاحتلال أو الاستعانة بأطراف تدور في فلك التبعية والفشل، وعدم تملكها القدرة على العمل والرؤية وتقدير مصالح البلد العليا.

وهكذا نخلص الى إن الولايات المتحدة قد ارتكبت أخطاءً استراتيجية في تعاملها السياسي الخارجي مع العراق بدءً من موقفها من الحرب بين العراق وايران التي أضعفت القدرات العراقية الشاملة، ومرورا بتوريط العراق بغزو الكويت الذي أنهكته اقتصاديا وعسكريا، وصولا الى احتلاله وتدمير قدراته العسكرية وإسقاط نظامه السياسي وتخريب مؤسساته الأمنية والتنموية الأمر الذي فسح المجال أمام بروز قوى إقليمية مناهضة له ولها مما جعل الولايات المتحدة تفقد الخدمات الاستراتيجية التي كان يؤديها النظام السياسي العراقي السابق في قضايا التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج العربي وشرق المتوسط لصالحها، الأمر الذي جعل التواجد الأمريكي وتأثيره حالياً، أضعف مما كان قبل عام 2003، بسبب الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها صناع السياسة الخارجية الأمريكية ومنفذوها.

* متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

اضف تعليق


التعليقات

د . سعد الجبوري. دانمارك
تحليل رائع ، واحاطة جميلة بالموضوع
تحياتي دكتور عمار المحترم2022-09-12