القراءة هي وسيلة التطور البشري الأهم، من خلالها انتقل الإنسان إلى درجة فهم أعلى، وبها ازدانت العقول وهي تجتذب الأفكار تباعا، وتطورها، وتجعل منها ركائز لصناعة (الإنسان القارئ)، طفلا، مراقا، شابا، كهلا، وعجوزا، وبهذا تصنع القراءة مجتمعا قارئا واعيا متطورا، ومواكبا لجميع مستجدات العالم.

كما يرى المعنيون أن الفعل القرائي عملية معرفية تستند على تفكيك رموز تسمى حروفا لتكوين معنى، والوصول إلى مرحلة الفهم والإدراك، وهي جزء من اللغة التي هي وسيلة للتواصل أو التفاهم بين اثنين أو أكثر، بهذه الطريقة قدمت اللغات في كل المجتمعات البشرية، خدمات جليلة للعقل، وصنعت من الإنسان كيانا فاعلا.

هل القراءة تنقسم إلى أنواع، وهل يستوي جميع القراء في فهمهم، أو ميولهم، وتحليلهم للأفكار التي يستقونها من فعلهم القرائي، بالطبع هذا الاستيعاب ليس متساويا بين الجميع، لا نقصد ميزة النبوغ والذكاء، وإنما مستويات الفهم تعود إلى طبيعة المرحلة العمرية للإنسان، فالطفل يفهم ما يقرأه بطريقة تختلف عن الكهل، وذلك لاختلاف المدارك والتجارب والرؤى أيضا.

هنالك أنواع للقراءة من ناحية الممارسة تنقسم إلى نوعين هما:

- القراءة الصامتة.

- القراءة الجهرية.

وكل من النوعين ينبغي من القارئ أن يقوم بتعريف الرموز وفهم المعاني، إلا أن القراءة الجهرية تتطلب من القارئ أن يفسر لغيره الأفكار والانفعالات التي تحتوي عليها المادة المقروءة.

صناعة المجتمع القارئ هدفا صعبا، لكنه ممكن، وأبرز النقاط والعوامل التي تجعله قيد المنال والممكن، المحفزات التي يتم تقديمها للقارئ، وهي كثيرة وبعضها ليس مكلِفا، منها على سبيل المثال، إقامة أماكن خاصة للقراءة، تتبناها الدولة أو الأوساط المدنية الثقافية وغيرها، فالمكان الهادئ المحاط بهالة آسرة للذوق، يجعل الناس يُقْدِمون على القراءة بشراهة، وكأنهم يدخلون إلى مطعم فاره، أو صالة ألعاب مغرية لجميع الأعمار.

ركائز تطوير الفعل القرائي

إذاً تطوير الفعل القرائي المجتمعي، يقوم على ركائز ودوافع، في حال تم توفيرها، سوف يكون هذا الفعل حاله حال الحاجيات الأخرى التي لا يستغني عن فعلها الفرد، فمثلما يحتاج الطعام والشراب والتنزّه، سوف يكون محتاجا ومشتاقا للقراءة أيضا، لأنها سوف تدخل في صميم حياته، ويشعر بالنقص إذا لم يقم بها، كما يشعر بالجوع إذا تأخر عليه الطعام أو شح الشراب.

هل هناك طرق أو أساليب أو مقترحات نتمكن عبرها من صناعة مجتمع يهوى القراءة، وبالتالي سوف يكون الناتج مجتمعا قارئا بامتياز؟

وضع مختصون خطوات سهلة، ممكنة التنفيذ، وقادرة على بلوغ هدف صناعة المجتمع القارئ، فهناك طرق عديدة للتشجيع على القراءة كما يقترحها منشور اليوم السابع، ولكي يصبح هذا الفعل المهم جزءاً من حياة الإنسان يرافقه طيلة رحلته، فالأفضل أن يقوم المعنيون كـ الأب والأم والمعلم وغيرهم بتشجيع الأطفال على تعلّم الفعل القرائي واعتياده كجزء لا يمكن الاستغناء عنه.

الخطوة الأهم أن يشبّ الطفل قارئا، وهذه مهمة العائلة أولا، وهناك أساليب مختلفة لتشجيعه على ذلك، منها أن تقدم للطفل نموذجًا مثاليًا، فعندما تكبر وأنت محاطًا بالطعام غير المرغوب فيه سوف تميل للوجبات السريعة، وعندما تكبر محاطًا بالكتب ستحب الكتب، هكذا تنص القاعدة ببساطة.

يجب أن يراك طفلك وأنت ملاصقا للكتاب، قريبا منه، وذا علاقة يومية بل ودائمة بالكتاب، فاحرص على أن يراك أطفالك وأنت تقرأ وتتحدث معهم بحماس حول الكتب والقصص الشيقة، واجعلهم يرون أن الكتب تجلب لك المتعة والفرح، وستجلب لهم الفرح أيضًا، بالإضافة للعلم كما أن الفعل القرائي سوف يلازمهم.

عليك أن تخصص زاوية مكانية للقراءة لأن وجود زاوية هادئة ومريحة مخصصة للقراءة ومليئة بالكتب أمر لابد منه من أجل تشجيع أطفالك على القراءة، فالأطفال يحبون الحصون ويميلون لأي ركن يقضون فيه وقتًا خاصًا، فاحرص على أن تخصص ركنًا للقراءة واجعله مميزًا وجذابًا لهم كأن تضع له ملصقًا لشاطئ أو غابة أو حتى سفينة فضاء.

محفزات القراءة ما فوائدها؟

عليك أن تجلب الكتب إلى الحياة، فمن الرائع أن تجعل أطفالك يمارسون أنشطة مستوحاة من الكتب وتحول هذه الأشياء التي قرأوا عنها إلى تجربة، مثلاً إذا قرأوا عن الحيوانات اجعلهم يرونها، إذا أحبوا القراءة عن النجوم والفلك خذهم فى زيارة إلى القبة السماوية.

عليك أن تختار بعض الكتب الكلاسيكية التي تم تحويلها إلى أفلام، واجعل طفلك يقرأها ثم شاركه مشاهدة الفيلم المستوحى من الكتاب، بهذه الطريقة تحفزه بطريقة رائعة على القراءة.

يجب أن لا تبقى الكتب على الأرفف وإنما اجعلها تحيطها فى كل مكان ليكبر ويجد نفسه محاطًا بها، احتفظ بكتاب فى السيارة وضعه إلى جوار سريره وإلى جوار التلفزيون وفى كل مكان، حتى الحمام من الأفضل أن لا يخلو مما يشجع على القراءة.

كما يجب عليك أن تطرح الأسئلة، فعندما يخبرك طفلك أنه انتهى من قراءة كتاب ما دردش معه حول الكتاب واطرح عليه الأسئلة بخصوصه، ولا تجعل الأمر يبدو وكأنه اختبار وإنما اجعله يدرك أنك تهتم لرأيه، واسأله عن الشخصيات التي فضلها وعن الأحداث وتطورها وعن ما كان سيفعله لو كان في هذا الموقف، لأن ذلك سوف يحفزه على القراءة ويعزز فهمه لما يقرأه.

وعليك أن تقدم له الكتب كهدايا في المناسبات المختلفة، وحين يسألك عن اقتراح مناسب لهدية يقدمها لأصدقائه اقترح عليه الكتب مع توقيع يخبر المتلقي أو المهدي له لماذا اختار له هذا الكتاب، بهذه الطريقة تعلم طفلك أن الكتب هي وسيلة للتواصل مع الآخرين.

إننا إذا جعلنا الطفل يحب القراءة والكتب وهو في بواكير سنواته، هذا يعني أنه سيجعلها رفيقة له طوال حياته، وسوف يؤثر في أقرانه والمقربين منه، وسوف يحرص عندما يكبر ويقتدر أن يصنع بيئته الخاصة للقراءة والتي ستنتقل إلى أشخاص آخرين بعد أن تجتذبهم بفعل الصداقة والتأثير المتبادل.

بهذه الأساليب والطرق يمكن أن يتولد لدينا مجتمع قارئ، لا يمكنه التفريط بهذا الفعل الذي سوف ينمّي العقل والمدارك، ليس لمن يعتاد القراءة ويجعلها من الطقوس المهمة في حياته، بل سيمتد ذلك مع مرور الوقت ليشمل طيفا واسعا من محبّي القراءة، وهذا يعني أنك لن تصنع طفلا قارئا واحد فحسب، بل إنك تعمل على صناعة بيئة حاضنة للقراءة مدى الحياة.

اضف تعليق