العفو العام هو بمثابة إعطاء الامل من جديد بإمكانية إقامة دولة مخالفة في سيرتها لما سبقها من ظلم ودكتاتورية واستبداد، وهي بمثابة بادرة لحسن النية من اجل طي صفحة الماضي المأساوي لغد أفضل منه وأكثر واقعية، على الدولة الناهضة إعلان العفو العام عن كل من...

مقدمة

في الدول التي تقوم على نظام استشاري (ديمقراطي) فتي، خصوصاً التي قامت منها على أنقاض نظام استبدادي سابق، لابد ان تراعي عددا من الخطوات المهمة والحيوية التي تحفظ لها خصوصية هذا التحول من جهة، وترسخ النظام الجديد الذي يمكن ان يتعرض لزلازل داخلية او خارجية يمكن ان تؤدي الى انهياره بسهولة من جهة أخرى.

ومن أبرز هذه الخطوات هو بحث وتطبيق نظرية "العفو العام" التي أسس لوجودها الدين الإسلامي الحنيف وأبدع في تطبيقها نبي الرحمة والعفو الرسول محمد بن عبد الله (صل الله عليه واله وسلم)، بعد ان أسس لدولة استشارية قائمة على دستور وقانون واحترام للحقوق والواجبات قامت على انقاض حكم عرفي وعشائري استبدادي في زمن الجاهلية التي سبقت البعثة النبوية المباركة، إضافة الى ما طبقه امير المؤمنين الامام علي (ع) في خلافته التي اعتبرت استمرارا لسيرة الرسول الكريم الذي "عفا عن أهل مكة، وعفا أمير المؤمنين علي عن أهل البصرة، ولما ظفر بأهل النهروان عفا عنهم".

ان اعلان "العفو العام" هو بمثابة إعطاء الامل من جديد بإمكانية إقامة دولة مخالفة في سيرتها لما سبقها من ظلم ودكتاتورية واستبداد، وهي بمثابة بادرة لحسن النية من اجل طي صفحة الماضي المأساوي لغد أفضل منه وأكثر واقعية، وعنه يقوم المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي في كتابه (اذا قام الإسلام في العراق): "من اللازم على الدولة الناهضة إعلان العفو العام عن كل من أجرم قبل قيام الدولة الجديدة، وهذا الأمر في غاية الأهمية من ناحية وفي غاية الصعوبة من ناحية ثانية"، بمعنى ان الامر رغم صعوبته الفائقة وصعوبة تطبيقه على ارض الواقع الا انه لا مفر من اعتماده.

العفو العام

لتطبيق العفو العام بصورة حقيقية في الدول الاستشارية الناشئة ينبغي مراعاة امرين مهمين:

1. ان يشمل العفو العام حفظ أرواح وممتلكات الجميع دون تمييز او تطبيق لجانب دون آخر.

2. ان يكون العفو العام هو الأصل وما عداه هو استثناء، وليس العكس، يطبق في حالات محدودة "العفو العام هو الأصل وإذا كان استثناء فاللازم أن تقدر بقدر أقصى الضرورة كما وكيفا".

ومن هنا تأتي "أهمية" و "صعوبة" تطبيق العفو العام كما يشير اليها السيد الشيرازي لأنها تحتاج الى إرادة وصبر وتحمل عال من اجل اقناع من تضرر من النظام السابق بفوائد العفو العام بدلاً من الذهاب الى عمليات انتقامية لا تجر خلفها سوى المزيد من الانتقام والدم، إضافة الى تحمل الدولة وقياداتها لمسؤولياتها الأساسية في الحفاظ على النظام العام في ظل وجود معارضين لمبدأ تطبيق العفو العام كأساس جديد لنظام عمل الدولة الاستشارية.

لكن بالمقابل هناك مكاسب جمة يمكن تحقيقها بوجود نظام عفو عام يتيح إعطاء فرصة أخرى للجميع لبناء الدولة والاندماج فيها بدلاً من اعتبارهم أعداء ومهمشين ينبغي التخلص منهم او مطاردتهم وبالتالي تحولهم الى أعداء، ومن هذه الفوائد:

1. زرع الثقة والاطمئنان في الحكومة الجديدة التي بدأت مسيرتها بالعفو عمن ظلمها، وهذا الامر سيؤدي الى تعاون الجميع معها بدلاً من محاربتها: "إن العفو العام يسبب اطمئنان الناس إلى الحكومة القائمة مما يؤدي إلى تعاونهم مع الحكومة".

2. تحقيق الاستقرار والامن من خلال كسب المزيد من الأصدقاء والمؤيدين لها من خلال العفو العام خصوصاً وان الحكومة في بدايتها تحتاج الى تعاون الجميع معها: "انتشار الاستقرار والأمن، والحكومة خصوصا في أول أمرها بحاجة إلى التعاون الواسع من الناس".

3. تجنب انزلاق الحكومة في دائرة الانتقام المباشر والتي لن تنحصر في دائرة خاصة بل ستتوسع لتشمل المزيد من الدوائر وبالتالي المزيد من الخصومات والمضاعفات الخطيرة: "وعدم العفو يوقع الحكومة في مشاكل لا تعد حيث إن القتل والملاحقة لا تبقى في دائرة خاصة بل تتعداها إلى دوائر أوسع وأوسع كالحجر إذا ألقيته في الماء حيث تتسع دوائر أمواجه".

4. الاستهداف المباشر والملاحقة والاقصاء والقتل ومصادرة الأموال سيحول قناعات الفئة المستهدفة الى ضرورة اسقاط هذا النظام او الحكومة لأنها تشكل خطرا وجوديا بالنسبة لهم وقد ينجحوا في تحقيق هذا الامر في حال كانت الحكومة الفتيه أضعف من ان تواجه امكاناتهم: "وأحيانا يسقط أولئك الأعداء الحكومة كما شاهدنا ذلك في بعض الحكومات التي قامت في العراق فتكاتف أعداؤها عليها حتى أسقطوها".

5. خسارتها لوسائل الاعلام المحلية والعالمية التي ستؤدي الى خسارتها لتعاطف الرأي العام معها وبالتالي ضياع سمعتها بسبب مقارنتها بذات الأسلوب الدموي للنظام الاستبدادي السابق: "أن عدم العفو يوجب تأليب الإعلام في سائر البلاد على الحكومة الفتية مما يسبب فقدان شوكتها وضياع سمعتها وذلك يوجب الفشل".

التنازع يعني الفشل

ببساطة "التنازع يعني الفشل"، يقول سبحانه وتعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وهذا الامر لا ينطبق على علاقة الافراد مع بعضهم البعض الاخر بل يشمل العلاقة التي تجمع الحكومة مع مواطنيها في دائرتها الاوسع والاشمل، والحكمة تقضي إنك لو خيرت بين امرين أحدهما يؤدي الى الاستقرار وتحقيق الامن وفض العداوات واسالة المزيد من الدماء، والأخر يؤدي الى المزيد من القتل والعداوة والبغضاء، ان تختار ما يحقق الاستقرار ويحفظ الدماء ويصون الاعراض، حيث يشير الامام الشيرازي (رحمه الله) الى هذه النقطة المهمة بالقول: "وإذا اشتغلت أجهزة الدولة الفتية بالقتل والمصادرة والعداوات استفزت المناوئين لها بإظهار الأحقاد وتشغيل ماكنة العداوات القديمة للانتقام منهم مما توقع الدولة في مشكلة لا منجى لها منها، بينما كان اللازم على الدولة الجديدة حل المشكلات القديمة لا إيجاد مشكلات جديدة فإنها توقفها عن البناء وتزيدها وهنا على وهن".

وقد اعتبر السيد محمد الشيرازي العفو العام هو الأصل في سياقات تعامل الحكومة الاستشارية الفتيه مع مواطنيها: " العفو العام هو الأصل"، اما إذا اقتضت الضرورة ان يكون هناك استثناء لقاعدة العفو العام فينبغي مراعاة تضييقها الى اقصى حد ممكن وباتجاهها (الكمي والكيفي): "وإذا كان استثناء فاللازم أن تقدر بقدر أقصى الضرورة كما وكيفا"

الخلاصة

ينبغي إدراك مسالة مهمة من قبل الدولة الاستشارية تتعلق بنظام او قانون او نظرية "العفو العام"، وهي ان العقوبة او الانتقام ليست الأصل في تعاملها مع مواطنيها، لأنها لم تكن الأساس او القاعدة في أي تعامل او معاملة مع دين سماوي او فطرة إنسانية، بل الأساس فيها جميعاً هو "العفو العام" مع جميع القيم السمحاء الى جانبها والتي تدعو الى الرحمة والرأفة والرفق والصفح وغيرها، لذلك ينبغي ان تتحول مسألة "العفو العام" الى اهم من مجرد نظرية او قانون او نظام تطبقه الحكومة ولا يكترث له الاخرون، بل ينبغي ان يتحول الى أسلوب حياة وثقافة عامة تساعد الجميع لتحقيق الاستقرار والأمان والرفاه وسبب رئيسي لتقوية النسيج الاجتماعي وحماية حقوق الاخرين.

المسألة الأخرى المهمة تتعلق بضرورة الالتفات الى حل المشاكل التي تواجه الدولة والناس لتوفير سبل الراحة بصورة أكبر وأكثر بدلاَ من الاهتمام بالانتقام وخلق المزيد من المشاكل والبقاء في دوامة من العنف الغير منتهي والتي تؤدي الى: "مشكلة لا منجى لها منها، بينما كان اللازم على الدولة الجديدة حل المشكلات القديمة لا إيجاد مشكلات جديدة فإنها توقفها عن البناء وتزيدها وهنا على وهن"، لذلك كان الخيار الأفضل هو البناء بدلا من الهدم وكسب الأصدقاء والحلفاء بدلاً من الأعداء.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق