• الهوية الشيعية:

تشكل "الهوية" عصب أي مجتمع وحضارة والمحور الرئيس في البناء الثقافي، النفسي، الاجتماعي، والسياسي الذي تدور حوله رحى جميع المجتمعات والثقافات والحضارات، وتلعب الشعائر الحسينية أدوارًا محوريّة في الهوية الشيعية من الناحيتين التاليتين:

أ) تشكيل هوية ممثلة للتشيع وجامعة للشيعة:

إن الشعائر "هي جمع لكلمة شعيرة مؤنث شعار، وتعني العلامة. فالشعائر في حقيقتها هي معالم وعلائم وعناوين مائزة وفارقة تميز مجتمعًا عن آخر في هويته، وتمتاز الشعائر عن غيرها من الموروثات الثقافية أنها ممارسة يؤتى بها على نحو العبادة"[1].

وهذا ما تؤكده (وولبريدج) بقولها: "ذكرى عاشوراء تخدم كمؤشر على تماسك الطائفة.. في الحقيقة، يمكن أن نقول أن هذه الشعيرة تعرِّف التشيع"[2].

أما (بندكتي) فقد بحث بشيء من التفصيل دور الشعائر الحسينية في عملية تكوين الهوية الشيعية، ومما تطرق له في هذا الصدد أن "الشعائر العاشورائية.. تتصف بقوة كبيرة على إنشاء علاقات اجتماعية-نفسية بين الأفراد تحولهم إلى أعضاء زمرة مرجعية متماسكة[3]، وكذلك تأكدت قدرتها على إنشاء هذه العلاقات وتوطيدها دوريًّا عن طريق التكرار الموسمي. من هذا المنطلق اعتبرنا الاحتفالات العاشورائية بمثابة الإطار العام للتنشئة الاجتماعية-الثقافية التي تبذل فاعليتها في سبيل تكوين الزمرة المرجعية وإعادة تكوينها.. فكرة الدور الحاسم الذي تؤديه الاحتفالات كافلة ببقاء الزمرة الشيعية تتكرر في الأبحاث الأنثروبولوجية -العلوم الإنسانية- التي أجريت على مرِّ زهاء نصف قرن"[4].

وهذا الدور للشعائر في عملية بلورة وصقل وإعادة تشكيل الهوية يتجاوز مرحلة الوعي لينفذ لمرحلة اللاوعي كما يشير إليه هذا الباحث أثناء جولته في مدينة النبطية اللبنانية عندما يحلل دور الشعارات واللافتات والزخارف والرايات الحسينية المنتشرة في كل مكان وأصوات المراثي المبثوثة عبر المكبِّرات في الأرجاء: "لقد عمَّت هذه الألحان الصاخبة المدينة القديمة برمتها مما يترتب عليه نشوء مناخ ديني قاهر يحيط بالناس ويتغلغل إلى قرارة لاوعيهم.. وهم لا ينتبهون إلى هذا الضجيج التقي الذي يتغلغل وينفذ إلى باطنهم غير الواعي باثًّا فيه النصوص والشعارات"[5].

ب) أداة للتعبير عن الهوية وحمايتها:

ومن ناحية أخرى، فإن الشعائر تعمل كوسيلة للتعبير عن الهوية الشيعية ووسيلة فعَّالة للدفاع عن هذه الهوية وعن حرية التعبير عنها قبال الأنظمة الطائفية والمستبدة والحركات الفكرية الأحادية المتطرفة.

وضمن هذه الحقيقة ينظر سماحة السيد ماجد السادة في لفتة مميزة تحت عنوان (القرآن يؤكد الحقيقة الثقافية للشعائر) لكلمة (تقوى) الواردة في آية: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)[6] على أنها تعني فيما تعنيه: "الحماية والحفظ"، وكلمة (القلوب) أنها تعني فيما تعنيه "جوهر الإنسان وروحه"[7]. كما يستشهد بمثال معاصر: "لقد قامت بعض الدول بخطوات عملية لمواجهة الخطر والتهديدات –الثقافية- بتعزيز هوية مجتمعاتها عبر إحياء الموروث الثقافي من تراثيات وفلكلور وفنون وتاريخ وغيرها"[8].

"لقد تطرق دارسو سوسيولوجيا العالم العربي الإسلامي إلى تفسير المراسيم العاشورائية وحاولوا فهمها من منظور الوظيفة التي تؤديها في المجتمعات الشيعية. فقد اعتبر كل من مزاوي (١٩٧٩م) وقساطلي (١٩٩٧م) ودونوهيو (١٩٩٨م) شعائر العزاء الحسيني بما فيها مواكب اللطم والجنازير والسيوف تعبر عن شعور الشعب الشيعي بالهوية والانتماء وتفصح عن رفض الإذعان لنخبوية مراكز السلطة"[9]، ولقد "كانت الاحتفالات –العاشورائية- تمثل المنبر للحركات الاجتماعية السياسية في العراق ولبنان، كما أنها كانت الأداة السيميائية[10] التي تستخدمها المجتمعات المحلية لإثبات هويتها الاجتماعية السياسية"[11].

وفي بعد آخر، تخدم الشعائر الحسينية في الحفاظ على الهوية الشيعية من الذوبان في الهويات الأخرى، خصوصًا في المجتمعات غير الشيعية وغير المسلمة أصلاً.

"هذه الطقوس، أكثر من أي شيء آخر، تملأ الفراغ الروحي في حياة الناس في مجتمع مادي علماني -في إشارة للمجتمع الأمريكي-"[12].

"إن (إعلان التمايز) هذا -عبر الشعائر- هو الذي يجعل هذا المجتمع الشيعي اللبناني[13] يبدو حيويًّا جدًّا وقويًّا. إنهم أناس اتخذوا قرارهم ليكونوا أوفياء لمعتقداتهم؛ لا ليخضعوا لضغوطات التماثل والتطابق لا مع الثقافة الأمريكية الأكبر ولا مع إخوانهم السنة.. البعض ربما يجادلون أن تمايزهم هذا يعزز الانقسام، لكن شعوري هو أن ذلك في الحقيقة يعزز الشعور بالخير –كنوع من الصحة العقلية الجماعية- في المجتمع ككل. المساجد، العلماء، والشعائر –الحسينية- هي جسر يربط الوطن بالحياة في الأرض الجديدة. إنهم يخدمون غرض صد هجمات الطرق الجديدة والأجنبية عن الفرد وتوفير إطار من القيم يمكن من خلاله مواجهة الخيارات والتجارب الصعبة"[14].

وهذا ما يؤكده أيضًا البرفسور في جامعة (ماك ماستر) الكندية الدكتور (لياقت تاكيم) في كتابه (التشيع في أمريكا): "يصبح المجلس الحسيني أداة مهمة في تكريس التراث والروح الشيعية في حتى في البيئة –الأمريكية- غير المسلمة"[15].

"من خلال المسيرات وحتى ضرب النفس في الأماكن العامة، فإن الشيعة يؤكدون فخرهم بمتعقداتهم وممارساتهم. سواءً بشكل صريح أو ضمني، عندما يتظاهر الناس بشكل علني في مكان مَّا، فإنهم يظهرون أنهم مستعدون ليعرِّضوا أنفسهم وأجسادهم للسخرية الخارجية المحتملة في سبيل إيمانهم. المسيرات عبر الشوارع هي أيضًا تأكيد للقوة والثقة بالنفس"[16].

........................................
[1] الفعل الثقافي للشعائر، السيد ماجد السادة، ص١٢.
[2] دون نسيان الإمام، ليندا وولبريدج، ص٩١.
[3] على خلاف ما قد يتبادر إلى ذهن القارئ حول معنى (الزمرة المرجعية) فإن الباحث يعرَّفها بأنها "تشكيلة جماعية قوية الأواصر ومتينة الأساس" تمثل المرجع الثقافي الذي يعرَّف هوية المنتمي لها (ص٢٢٨)، وهو لا يشير بذلك إلى تصنيف الجماعات الشيعية حسب مراجع الدين التي تقلدها في العبادات والمعاملات.
[4] الشعائر بين الدين والسياسة، ص٢٢١.
[5] المصدر السابق، ص١٤٨.
[6] سورة الحج، آية: ٣٢.
[7] الفعل الثقافي للشعائر، ص٢٢.
[8] المصدر السابق، ص١٩.
[9] الشعائر بين الدين والسياسة، ص١١٧.
[10] السيمياء هو علم يدرس دلالة الإشارات والعلامات في الحياة الاجتماعية.
[11] المصدر السابق، ص٨٤.
[12] دون نسيان الإمام، ص٩٦.
[13] يرجع هذا التخصيص لكون الكتاب يدور حول المجتمع اللبناني الشيعي في أمريكا وفي مدينة ديربورن بولاية ميشيغن بالتحديد.
[14] المصدر السابق، ص٢٠٢.
[15] التشيع في أمريكا، لياقت تاكيم، ص٧٣.
[16] المصدر السابق، ص٧١.

اضف تعليق