من الفعاليات الثقافية والأدبية التي تُسهم في مضاعفة الوعي لدى الناس، تلك الأنشطة والمهرجانات التي دأبت على تقديمها المنظمات والاتحادات الأدبية في مناسبات مهمة، ومن هذه الفعاليات (مهرجان الحسين الشعري الخامس) الذي أقامه الاتحاد العام للأدباء والكتاب في مدينة كربلاء المقدسة.

النسخة الخامسة من هذا المهرجان شارك فيها عدد من الشعراء المعروفين وهم كل من الشاعر علاوي كاظم كشيش؛ جمال آل مخيف؛ عادل الصويري؛ مهدي هلال، غني العنزي؛ أيوب يوسف؛ مصطفى الركابي؛ عبد الزهرة الأوسي؛ محمد عبد فيحان؛ كفاح وتوت؛ صلاح حسن السيلاوي؛ نوفل الحمداني؛ ناظم الفضلي.

هذه النخبة من الشعراء قدمت نصوصا شعرية متميزة، ركّزت على القيم التي حملتها ثقافة عاشوراء، ووقفت إلى جانب الحق، وانتصرت للإمام الحسين (ع)، وحثت المسلمين وجميع الناس على أهمية نصرة الحق، والتزام القيم التي تجعل العالم أفضل، وتنشر قيم العدالة ورفض الظلم ونبذ التمييز بكل أشكاله، فضلا عن أهمية اللين والعفو وتحسين أسلوب المخاطبة والعمل على حد سواء.

توزعت قصائد المهرجان من حيث الشكل الفني على الشعر العمودي المعروف، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، وحتى الكلمات التي لا تخضع لضوابط القصيدة، وكل هذه المشاركات كان لها إسهامها الفاعل في التذكير بالمواقف البطولية للإمام الحسين (ع) وذويه وصحبه الأطهار، وحثت المشاركات على اتخاذ النموذج الحسيني مثالا أخلاقيا وسلوكيا من قبل الجميع، لاسيما أولئك الذين يعلنون أنهم حسينيون بمبادئهم وانتمائهم وأخلاقهم.

بدأ هذا المهرجان بنسخته الجديدة، والتي حضرها جمهور جيد، وقدمه الإعلامي الشاعر صلاح حسن السيلاوي عضو الهيئة الإدارية وأمين الشؤون الثقافية، بقصيدة الشاعر المعروف علاوي كاظم كشيش حيث بدأ بالقول:

قصيدتي في أصبوحة اتحاد الأدباء في كربلاء، صباح اليوم الثلاثاء 14 أيلول 2021. حيث كان أصدقائي الشعراء يحلقون في بياض من القصائد الحسينية، وهي تذهب في الوضوح والينابيع الحسينية بشجن وعمق واضحين.

وهذي قصيدتي:

قلقي أطارده وعمري يركضُ

وإذا كبوتُ فإنني بك أنهضُ

سطّرتَ في كتبي المياه فأزهرت

لكنما عطشي يفيض وينبضُ

وعلى طريقي راية بيضاء من

فرح تزفّ لنا سناك وتومضُ

صلْبا مضيت وكنت صلدا ساميا

والموت يخجل لا يدور ويعرضُ

القانطون تكسروا وتكرروا

أحلامهم كانت ربيعا يجهضُ

وأنا أراك على سطوري غيمة

بيضاء تختصر الظلام وتدحضُ

شكرا لأمّي إذ وجدتك عندها

فرحا يدافعه الطغاة ويربضُ

وأبي تحزّم باسمك الميمون لا

يلوي على يأس وعمر يُقرضُ

قد علّماني أن أقول مفاخرا

بك، والزهور على لساني تنهضُ.

جرح الإمام الحسين عليه السلام

أما الشاعر والفنان كفاح وتوت، فقد شارك في قصيدة عنوانها (جُرْحُ الحسين-ع)، وهي قصيدة عمودية تميزت بجزالة اللغة وقوة الصور الشعرية يقول الشاعر فيها:

النجمُ يأفلُ والأيامُ تنهزمُ

والموقفُ الحُرُّ في العلياء يرتسم

مهما يجورُ الأسى فالجرحُ صاعقةٌ

في وجه ليل الردى ما هدّهُ الألمُ

كم حاصرَ الليلُ شمسَ العزِّ مرتعباً

طورا فطوراً وعادَ الفجرُ يبتسم

الحقُّ منه مضى يشدو بملحمةٍ

جرحُ الحسينِ هدى يسري ويقتحمُ

سيلٌ ومن قمةٍ طُهرٍ عذوبته

كي يغسل الأرضَ فالأدرانُ تزدحمُ

مذ قال لا أرعبَ التاريخَ مقتحماً

كلَّ العصورِ فلا عرشٌ ولا صنمُ.

من جهته ألقى الشاعر (نوفل الحمداني)، تتوشح بالحزن العميق، وتُظهر مدى التضحية العظيمة التي قدمها الإمام الحسين (ع) وصحبه الأطهار في ملحمة الطف، ووجوب تمثّل القيم التي رسختها عاشوراء بين الناس، يقول الشاعر الحمداني في قصيدته:

من ثامن الحزن..من آهات من رحلوا

بها أشاروا لكل الغيم إذ هطلوا

مدججين بدمع للسماء هما

منذ استحالت قفارا دونهم سبل

وكان أن مرّ في أحلامهم فرحا

قوسا من السعد حتى كاد يكتمل

بدرا بأوجاع أكواخ القرى رسمت

ظلال طلعته في كنها الطلل

وكان عاشر حزن الأرض موعده

والكربلاءات توقيت لمن قبلوا

وكان يسمع صوت الله منبعثا

من الحسين ولا من نصرة تصل

وحوله الأرض.. أعداء تنز دما

أو صحبة ظل من اجسادهم وشل

يسّاقطون... فراشات لشوقهم

الى الحسين ضياء كم به شغلوا

وكان شبلا .. عريسا حين زفته

إلى المنون كطيف كان يرتحل

عريس أحلامنا البيضاء نقرأه

في كل عام دموعا والمدى مقل

نادى أيا عم روحي ملؤها شجن

وبالمرارات قلبي اليوم يعتمل

ومرّ برقا أنار البيد حين رمى

وجوه كل الصحارى غيثه الهطل

ومنذ عاشر حزن الأرض يوقظنا

بصوت صيحته الخضراء نبتهل

فكان (يمه اذكريني) وكان به

أحلام شباننا العذراء تحتفل

وكلما مرّ عرس مرّ قاسمنا

حلوا بذاكرة العشرين يكتحل

فيا مواويل أحزان الفرات بنا

نوحي عليه شبابا ما مضى أجل

وتوّجيه على كل الورود ندى

وعلّمي الطف كيف الورد يشتعل

المعنى هو الإمام الحسين عليه السلام

وألقى الشاعر المبدع عادل الصويري قصيدة رائعة تناول فيها مشاهد من واقعة الطف بلغة معاصرة، وإطار فني متميز اعتمد المقاطع الشهرية المرقّمة، وجاءت قصيدته تحت عنوان (داخلَ مرآته)، قال الشاعر فيها:

1

الماءُ تلميذٌ صغير، يجلسُ بأدبٍ مُنصِتاً لأستاذِهِ العطشِ الحُسَينِيّ.

المعنى هو الحسينُ؛ لذلكَ كُلَّ صباحٍ أدخلُ في مرآةِ كوربائيلَ وأغنّي :

معناكَ يكفي الدهشةَ الكبرى

ومن آياتِهِ في الماءِ يفتحُ نافذةْ

لِنُطِلَّ منها كربلائيينَ تشرحُنا السواقي وهْي باسمكَ لائذةْ

صرنا أساتذةَ المياهِ؛

لأنَّنا في عُمْقِكَ الطَفِّيّ محضُ تلامذةْ.

 

2

تُعيدُني المرآةُ منثوراً،

في بعضِ الأحيانِ يُعيدُكَ النظرُ في المرآةِ إلى طفولَتِكَ المركونةِ على حضورٍ مُتَجَعِّد!

لكنّي أسأل: هل ينطبقُ هذا التصوّرُ فيما لو كانت المرآةُ مدينة؟

بِعُريِ المغامرةِ، وقميصِ الحزنِ "المنشورِ في السماء" أدخلُ المرآة.

لا يستطيعُ الكربلائيُّ الإفلاتَ من الحزنِ، حتى تعتقدَ أنَّ نطفتَهُ دمعة.

كيف ترى الدمعةُ نفسَها في المرآة؟

3

على المرايا تطيحُ في وَلَهٍ

فَراشَةٌ من دُخانِ سيرتِها

كامرأةٍ والدروبُ تشهقُها

الماءُ صارَ سرابَ بهجتِها

دموعُها فوقَ كفِّ كافِلِها

عصفورةٌ من رمادِ خيمتِها

تكرارٌ ضروريٌّ:

المعنى هو الحسين، والحسينُ أستاذُ القصائدِ والمياه.

أن تبحثَ عن المعنى، وأنت تتجوَّلُ في مرآةِ المكانِ، يعني أنَّ طريقَكَ خاضعةٌ لثنائيّةِ الماءِ والزجاجِ. يتحوَّلُ الوقتُ إلى قاربٍ صغيرٍ يشبهُ الذي كنّا نصنعه من ورقِ دفاترِنا المدرسيةِ، وهذا يعني تلاشي الزمن في المعنى، بعد رحلةٍ من السفرِ الممتعِ والموجِع.

4

(كَلّي يالميمون وين والينا)

شَغَلني كثيراً هذا الاستفهامُ المجروحُ في حنجرةِ (حمزة الزغيّر).

الحوارُ بين أختِ الحسينِ وفرسِهِ فكرةٌ لا أعرفُ هل أجلستها العاطفةُ أم الفلسفةُ في رأسِ (كاظم المنظور الكربلائي) الأمِّيِّ الذي يسخرُ بعقالِهِ من صراع الحداثةِ والكلاسيكيّة.

لكنَّها كربلاء، المدينةُ والمرآة

تُهَدهدُ في مَهْدِ الرثاءِ وجودَها

وفي قلقِ الأنهارِ تجهشُ هائمةْ

تدورُ على صيفٍ غريبٍ

دموعُها بقايا لريشٍ من حمائمَ حالمةْ

وفي القَمَرِ المجروحِ ثَمّةَ هاجسٌ

يمدُّ إليها بارتباكٍ سَلالِمَهْ

فَتَرقى

وعاشوراءُ ظِلُّ صعودِها

يُدَوزِنُ في قلبِ البياضِ مآتِمَهْ

وَفي يَدِها مرآةُ ظُهْرٍ،

زُجاجُها يطشُّ على عينِ الفصولِ حمائمهْ

دخلتُ إلى المرآةِ

آدمُ غُربتي يُسائلُ عن هذي الوديعةِ آدَمَهْ

لساقيةِ العباسِ طارت نبوءتي

تُجدِّدُ للحُلْمِ القَصِيِّ مواسِمَهْ

رأيتُ بِصمتٍ للينابيعِ طفلةً

على عطشٍ في وردةِ الكفِّ عائمةْ

وكانَ الحسينُ المحضُ يسكبُ كربلا خلاصةَ مرثاةٍ

على الأُفْقِ غائمةْ

سقى عالَماً يشكو اصفرارَ وضوحِهِ

وَفَكَّ مِنَ الصوتِ الحبيسِ طلاسِمَهْ

وَكَلَّمْتُها خَلفَ الغيوبِ

وَظِلُّها يُحَذِّرُني

أدنى إليَّ تمائمَهْ:

هِيَ الآن جرحٌ يستحمُّ بضوئهِ المُشَذّى

وأقمارٌ تجوسُ عوالِمَهْ

فلا توقِظِ الضوءَ الجريحَ بكربلا

فَنجمَتُها في دفترِ الرَبِّ نائمةْ

5

يا لَهُ من نومٍ، تكفَّلَ الرَبُّ بحراستِهِ كُلَّ هذهِ السُهاداتِ.

أنا أيضاً سأحاوِلُ أن أنامَ حاضناً مغامرتي ومرآتي وغنائي:

كوربائيلُ والمسافةُ نايٌ

يعزفُ الماءَ والرثاءُ يفوحُ

نَحَتَتْها على الدُهورِ أكُفٌّ

وأشارتْ هيَ المكانُ الفصيحُ

حِنطةُ الروحِ كُلَّما مِنْجَلٌ يُدْهِشُ قمحاً

يَشُبُّ منها ضريحُ

تعطرك الآيات من أقدس العطر

أما الشاعر الشيخ جمال آل مخيف فقد ألقى قصيدة عمودية مسبوكة ومكتوبة بدربة وقدرة واضحة على النظم الشعري، وجاء فيها:

تعوّدتُ أن أبكيك والحزن سورة

ترتلها النايات فجرا على صدري

لأرسم لون الماء في عين طفلة

توالت بها الخيبات عطفا على الكسر

فأنت جلال الله في صدر أمة

تُفرّقها الأخبار.. كلّ إلى أمر

وأنت كلام الله من دون غفلة

تعطرك الآيات من أقدس العطر

تعودت أن أبكيك والدمع سجدة

وداعية الأسفار تزهو مع السفر.

أما الشاعر الإعلامي سلام البناي رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء المقدسة، فقد ألقى كلمة في هذا المهرجان، أكد فيها على أهمية مثل هذه المهرجانات، وإقامتها سنويا بما يوازي الإرث العظيم للإمام الحسين (ع)، وقيم عاشوراء التي تهدف إلى حماية المسلمين من الأنظمة والحكام المستبدين.

كما ألقى الشاعر عمار المسعودي أمين الشؤون الثقافية في الاتحاد العام في بغداد وممثل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، كلمة أشاد فيها بما يقدمه الأدباء من مساهمات جديرة بالاحترام، وبما يوازي الملحمة الحسينية ومكانة كربلاء التي ضمت في ثراها الجسد الطاهر لأبي الأحرار وسيد الشهداء.

وفي الختام قد الشاعر صلاح حسن السيلاوي شكره لجميع المشاركين، على أمل أن تتواصل مثل هذه الفعاليات، بما يقدم خدمة ثقافية وفكرية ترتقي إلى قيم عاشوراء الخالدة.

اضف تعليق