(من أتاني بمسلم بن عقيل فله عشرة آلاف درهم، والمنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية، وله في كل يوم حاجة مقضية)...!!

ليس في قاموس النفوس الآن سوى صدى الجائزة التي سلختهم من آدميتهم وأنستهم أنهم بشر.. لقد سلبهم عبيد الله بن زياد عقولهم وإرادتهم بهذه الكلمات.. فلم يكن هم أحدهم سوى البحث عن مسلم بن عقيل، كما لم يكن حديث في الكوفة سوى أصداء الجائزة حتى تأرجحت النفوس حول فكرة حياة أخرى بعد الموت..

عشرة آلاف دينار .. المنزلة الرفيعة..حاجة مقضية كل يوم ... هذه الأشياء الثلاثة كانت حديث الساعة ومصدر أرق الناس فصداها ينزو في أخيلتهم والشهوات والمطامع يتطاير شررها من عيونهم فالمبلغ كان كافياً لسحق كل ما يمت إلى الإنسانية بصلة.

طوعة

وقفت طوعة بباب دارها وهي تنتظر ابنها بلالاً الذي كان يأتي بالأخبار يومياً منذ أن دخل مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وعلى الرغم من نبرته التي كانت تسودها الميول السلطوية وهي خلاف ما تتبناه من موقف تجاه الأحداث، إلا أنها كانت تنصت لما يقوله وهي صامتة وتتأمل خيراً دون أن تنبس ببنت شفة.

الصراع الخفي بين أنصار مسلم بن عقيل وأنصار الأمويين تحوّل إلى المواجهة المكشوفة بعد دخول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة والياً عليها من قبل يزيد، والأوضاع أخذت تتأزّم وتتحوّل إلى مواجهات والكوفة كلها على وشك الإنفجار بعد اعتقال وإعدام أكثر قادة الشيعة المناصرين لمسلم.

أغلب الناس هم تحت مظلة السلطة خاصة بعد إعلان الجائزة المغرية مكافأة لمن يلقي القبض على مسلم أو يقتله .. عشرة آلاف دينار ليس بالمبلغ السهل وهو كافٍ لأن يحطم في النفوس كل القيم الأخلاقية والدينية، بل ويسحق في داخلها كل معنى أنساني مقدس

طال انتظارها بباب دارها وازدادت لهفتها لسماع آخر الأخبار عن حركة مسلم بن عقيل من ابنها وازداد قلقها لتأخره إلى هذه الساعة، فالأزقة فارغة وموحشة والرعب يسود المدينة والاعتقالات والمداهمات على التهمة والظنة على قدم وساق

لم تكن خائفة على ابنها العاق الذي كان شرطياً فقد تعوّدت على مجيئه متأخراً دائماً وغالباً ما يأتي ثملاً ليقص عليها ما دار في جلسته مع صديقه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ابن رئيس شرطة الوالي ابن زياد والذي توسط لتعيينه في سلك الشرطة بل كانت تترقب ما استجد من أخبار سفير الحسين في الكوفة وقلبها يخفق بشدة وخاصة بعد الأحداث الأخيرة التي تنذر بالخطر ..

كيف تتنكر الكوفة لسفير الحسين... ؟ الحسين بن علي أمير المؤمنين! أنسيت عهد عمه وقد عاشت في خلافته دون كل الأمصار حكم السماء في الأرض ..؟ كيف تنكرت له؟ هل نسيت عدله ورحمته ورأفته وحنانه وبره وعطفه وو..... هل غرتها أماني ابن زياد أم تطامنت للسيف الذي لم يرفع عنها منذ أن شق رأس أميرها سيف ابن ملجم قبل عشرين عاما؟

لقد كتب على هذه المرأة المؤمنة أن تتأسى بآسية بنت مزاحم زوجة فرعون في حياتها فلم تجد في زواجها وولدها تجاوباً مع إيمانها الخالص وحبها لأهل البيت فقد كانت جارية للأشعث بن قيس وهو رأس المنافقين وكان في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) كما كان عبد الله بن أبي سلول في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعرف بالغدر والمكر وقد غدر بقومه في قصة معروفة عندما ارتد في زمن أبي بكر وقد سماه قومه عرف النار ـ وهو اسم للغادر عندهم.

كان من الطبيعي أن لا تروق للأشعث هذه الجارية المؤمنة فأعتقها، فتزوجها أسيد بن مالك الحضرمي الذي لا يقل كثيراً عن عداء الأشعث لأهل البيت ونفاقه وقد تزوجته كرهاً لأنه كان تابعاً للسلطة وقد عانت طوعة كثيراً من هذا الزواج ولكنه لم يثلم من حبها وولائها لأهل البيت (عليهم السلام) وقد ولدت ابنها بلالا منه فكان كأبيه.

الضيف

طال انتظارها لولدها وكادت أن تدخل الدار عندما لمحت شبحاً لإنسان وهو يخطو نحوها كانت خطواته ثقيلة تدل على أنه كان تعباً جداً.., لم تدر مالذي جعلها تقف مكانها وتراقب ذلك الشبح وهو يتقدم نحوها شيئاً فشيئاً ورغم دهشتها عند رؤيته يمشي في هذا الزقاق المظلم وحيداً في تلك الساعة إلا أنها لم تشعر بالخوف أو القلق نحوه بل أحست أن شيئاً ما في داخلها يحثها على البقاء وإن وراء هذا القادم أمر ما..

انتصب أمامها مطرقاً رأسه بخجل وسلم عليها بأدب جم فردت عليه السلام ثم طلب ماءً..., كانت علامات التعب الشديد بادية عليه ولا يعلم سوى الله كم عانى من الإجهاد؟ دخلت بسرعة إلى الدار وأحضرت له ماء فأخذ منها الماء وجلس ليشرب فشرب حتى ارتوى وبقي جالساً في مكانه!! أثار جلوسه دهشتها رغم أنها أيضاً في هذه المرة لم يراودها شعور بالوجل نحوه... لكن جلوسه هنا لا يليق قالت له:

ـــ يا عبد الله.. ألم تشرب الماء؟

ـــ بلى..

ــــ فاذهب إلى أهلك..

ــــ .....

بدت علامات الحيرة عليه فلم يجبها ولم يقم من مكانه، كان يريد أن يقول شيئاً ولكنه لا يعرف ما ردة فعل قوله عند هذه المرأة عندما يعرِّفها بنفسه ويكشف لها عن شخصيته ونسبه؟ قالت له وهي تحاول حسم الموقف معه وبنبرة قاطعة:

ـــ سبحان الله ! يا عبد الله فمُر إلى أهلك ... عافاك الله فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي، ولا أحله لك ....

كانت هذه الكلمات بمثابة الإنذار القاطع وعليه أن يتخذ قراره الآن إما أن يمضي في طريقه ولا يعرف إلى أين تقوده قدماه أو يتكلم ويفصح عن نفسه.. في هذه اللحظات عليه الموازنة بين الحالتين.. إنه لا يعرف أحداً في هذه المدينة التي امتلأت بالجواسيس والشرطة وجائزة ابن زياد تجعل الكل يتمنى القبض عليه أو إرشاد الشرطة على مكانه فآثر أن يبوح باسمه..! فحتى الجلوس أصبح محرماً عليه في هذه المدينة.... تردد قليلا قبل أن يمهد للإفصاح عن شخصيته وهويته فقال:

ـــ يا أمة الله مالي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ! فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي مكافئك به بعد اليوم ؟

شعرت طوعة أن هذه الكلمات تحتاج إلى وقت طويل للإمعان فيها والوقوف عندها فهذا الرجل يتحدث بلغة فقدتها الكوفة.. فقد تلاشت مفردات مثل أجر ومعروف وحلت بدلها لغة الغدر والطمع والجاه والتزلف والحقد... لكنها لمست أن نبرته كانت تشي بالصدق والعقل والحكمة والمعرفة كما كانت هيأته تدل على الصلاح والاستقامة وكان هناك هاجس في داخلها يهمس لها أنه مؤهل لرد الجزاء والمكافأة بأكبر وأعظم وأثمن من جائزة ابن زياد فاستدركت...

ـــ يا عبد الله وما ذاك ؟

كان مجرد أن يفصح عن اسمه كافياً ومغنياً عن ذكر طلبه فطلبه مقترن باسمه ..واذا ذكر اسمه فقط فلا حاجة لذكر ما يحتاج في هذه المدينة التي كانت في يوم من الأيام عاصمة عمه وها هو سفير ابن عمه فيها وقد أصبح غريباً يبحث عن مكان يأويه ويأمن فيه... عليه الآن حسم الموقف فليس لديه خيار ثالث إما أن يفصح عن اسمه ويرى ردة فعل هذه المرأة نحوه أو يواصل طريقه إلى حيث المصير المجهول الذي ستقوده إليه قدماه.. أحس بالتعب والإعياء فجنح إلى الطيبة والنبل والأخلاق الكريمة التي لمسها في هذه المرأة ومال إلى ما شعر منها من سلامة النية وقال:

ـــ أنا مسلم بن عقيل!!!

كانت لحظات أطول عليه من دهر قبل أن تفيق المرأة من صدمتها وتقول بدهشة:

ــــ أنت مسلم!!

ـــ نعم

قالت ذلك وتنحت عن باب الدار ليدخل وكأنه صاحب الدار!! فدخل ودخلت لتهيأ له غرفة في الدار لم يكن يأوي إليها أحد ففرشتها وذهبت لتعود بعد قليل وفي يديها العشاء فوجدته مستغرقاً في الصلاة.. وانتظرته حتى فرغ وعرضت عليه أن يتعشى فشكرها على حسن ضيافتها واعتذر لها بأنه يريد أن يواصل عبادته فلم يتعش وتوجه إلى القبلة يناجي ربه.., تركت العشاء وذهبت لتجد ابنها قد عاد.

الابن العاق

كانت هذه المرة الأولى التي كرهت فيها حضوره إلى البيت وودت لو أنه لو لم يحضر أو لا يحضر أبداً.. ما أقبح أن يوجد هذا الثعبان في وكر الحمامة؟ شعرت بضيق شديد من وجوده وحرصت على إخفاء تعابير وجهها وإظهاره خلاف ما غزا فلبها من خوف على مسلم إن علم ابنها بأنه في بيتها..، كانت تنظر فرصة دخوله إلى غرفته أو نومه حتى ترى احتياجات ضيفها.. ولم يمر وقت طويل حتى دخلت على مسلم لعله يحتاج طعاماً أو شراباً فاتجهت نحو البيت المتروك فوجدت ضيفها مستقبلاً القبلة وهو يدعو ربه وما إن خرجت من البيت حتى التقت عيناها بعيني ابنها الذي كان يراقبها دون أن تدري..

سألها بعينيه قبل لسانه وهو يحوّل نظره بينها وبين الباب فدله اضطرابها إلى وجود شيء ما.. سألها عن سبب دخولها لهذا البيت المتروك فلم تجبه وكرر السؤال.. لاحظت في عينيه إن إصراره سيدفعه إلى دخول البيت ليعرف بنفسه إذا لم تجبه فآثرت أن تخبره لكن بعد أن يقسم لها أن لا يفشي هذا السر لأي إنسان قال بطيبتها

ــ يا بني لا تحدثنَّ أحداً من الناس بما أخبرك به ..

كان الطهر يطفح من قلبها على وجهها وهي تستحلفه أن لا يفشي بسرها فمثل هذه القلوب المطمئنة التي غمرها الإيمان والتقوى لا ترى غير ما في قلبها إلى الناس ولا تعرف أن خنجر الغدر المسموم يبيته لها ابنها الشرير تحت طيات لسانه وإن فرحتها واعتزازها بإيواء سفير الحسين في بيتها سينغصّهما هذا الولد العاق..

تظاهر بالرضا والإشادة بصنيعها معروفاً باستضافة مسلم وفي جوفه تشتعل نار الإنتظار ليحمل الخبر بلسان الجريمة.. كانت الجوائز الثلاث تؤرقه فلم ينم ليله وهو يمنّي نفسه بالأموال والجاه عند ابن زياد وقضاء أي حاجة وغرض عنده كل يوم.. يالها من سعادة شقية.. يالها من حياة فارهة تعيسة .. تلك التي يمني نفسه بها، أموال وجاه مقابل الجريمة.. مقابل سفك دم.., وأي دم ؟ دم مسلم بن عقيل بن أبي طالب سفير الحسين، أما القسم الذي قسمه لأمه فهو هين بل أهون مايكون عنده أمام ما سيحصل عليه.

نبوءة الشهادة

ما إن لاحت تباشير الفجر الأولى حتى كان الرجلان قد هجرا النوم وأصبحا ولم يذوقا له طعما وكل منهما يستعد لما نوى عليه. ولكن شتان مابين الرجلين ؟ فقد قضى مسلم الليل كله في التوجه والدعاء لخالقه والمناجاة والصلاة وشكر الله الذي لا يحمد على مكروه سواه.. وسؤاله الصبر الجميل على ما جرى. ومع الفجر نوى الرحيل بعد أن يشكر المرأة المؤمنة الصالحة على صنيعها ويستدل منها على طريق خال يخرجه من الكوفة..

أما بلال فقد قضى الليل وهو يحلم بما سيجلبه الصباح له من دنيا جديدة وقد سبق السيف العذل

شعر مسلم بالنعاس الشديد عند الفجر فقد قضى النهار وهو يمشي في الطرقات بحثاً عن ملاذ أو ملجأ يأوي إليه وأفنى الليل كله في العبادة والصلاة فاستسلم للنوم قليلا.. وما إن أطبق جفنيه حتى رأى في منامه عمه أمير المؤمنين (عليه السلام) يخبره باللحاق به ويبشره بالجنة ومرافقة النبي والشهداء والصالحين ففز من نومه وهو يسترجع ويذكر الله وبينما هو يلهج بذكر الله سمع جلبة الخيل وصياح الفرسان عند الباب

لقد بات هذا الولد العاق وهو ينتظر الصباح على أحر من الجمر لكي يلتقي بشيطانه (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) كان ذلك الشيطان قد خرج منذ بواكير الصباح الأولى وأفشى السر الذي استودعته أمه عليه واستحلفته أن لا يفشيه لأحد .. فأخبر به قرينه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي أوصل الخبر إلى أبيه بأقصى سرعة وكان أبوه (رئيس الشرطة) جالساً في قصر الإمارة مع ابن زياد فانتبه ابن زياد إلى همس الأبن لأبيه فاستفسر عن الخبر فأخبر رئيس الشرطة ابن زياد بمكان مسلم

الهجوم على الدار

دفع ابن زياد بقضيبه في خاصرة ابن الاشعث وقال له: (قم فأتني به الساعة ولك ما أردت من الجائزة والحظ الأوفر).. ثم أمر عمرو بن حريث أن يبعث عدداً من المرتزقة مع ابن الأشعث ليأتوا بمسلم وكانوا سبعين رجلاً فطوّقوا بيت المرأة

خفق قلب طوعة واستشعرت بالخطر وهي تسمع صهيل الخيول ووقع الحوافر وصياح الرجال فعلمت بالجريمة التي ارتكبها ابنها وشعرت بحراجة موقفها مع مسلم بن عقيل وتمنت لو أنها لم تخبر ذلك الشيطان

أسرعت طوعة إلى مسلم بن عقيل فوجدته يلبس عدة الحرب ويتهيأ للخروج لقتال من جاء لقتاله فلما رآها وهي وجلة عليه ورأى نظرات الاعتذار في عينيها قال لها مطمئنا:

ـــ (لقد أديت ما عليك من البر والإحسان وأخذت نصيبك من شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما إن أنهى مسلم كلامه حتى رأى الرجال قد اقتحموا الدار وهم يشهرون السيوف ولم يراعوا أي حرمة للبيت.

جيش في فرد

هكذا كان مسلم عندما رأى الرجال يقتحمون الدار فقد جاءوا إلى الموت بأرجلهم فما إن اقتحموا الدار حتى شعروا كأن صاعقة نزلت على رؤوسهم من السماء أما المرأة فقد وقفت وهي مذهولة تنظر إلى هذا الإنسان الذي يواجه هذه الجماعات من الرجال بهذه البطولة والشجاعة المتفردة ولنترك للتاريخ أن يصور لنا تلك البسالة التي أذهلت التاريخ نفسه:

يقول الطبري: (واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك).

ويقول المسعودي: (فاقتحموا على مسلم الدار فثار عليهم بسيفه، وشد عليهم فأخرجهم من الدار، ثم حملوا عليه ثانية، فشد عليهم وأخرجهم أيضا، فلما رأوا ذلك منه ــ أي عجزهم عن الوقوف أمامه ــ علوا ظهور البيوت فرموه بالحجارة وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب ثم يلقونها عليه من فوق البيوت فلما رأى ذلك، قال: أكل ما أرى من الأجلاب لقتل مسلم بن عقيل؟ يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس له محيص فخرج إليهم مصلتا سيفه في السكة فقاتلهم).

ويقول ابن أعثم الكوفي: (وخرج مسلم في وجوه القوم كأنه أسد مغضب فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل منهم جماعة).

كان يهجم عليهم وهو يقول:

هو الموتُ فاصنعْ ويكَ ما أنتَ صانعُ *** فأنتَ لكأسِ الموتِ لا شكَّ جارعُ

فصبراً لأمرِ اللهِ جلَّ جلاله *** فحكمُ قضاءِ اللهِ في الخلقِ ذائعُ

فشل الهجوم

لم يدر في خلد ابن الأشعث أن الرجال السبعين الأشداء الذين اختارهم لهذه المهمة سيفشلون وسينتهي أمرهم إلى موت بعضهم وفرار البعض أمام رجل واحد!!

رجل واحد حمل صفات الرجل الكامل من شجاعة وبأس ونجدة ومروءة ويقين.. رجل أعاد في أذهان أهل الكوفة شجاعة علي.

رأى ابن الأشعث أصحابه وهم ما بين قتيل وجريح ومهزوم فترك رجاله وذهب إلى القصر يطلب الامدادات وما إن وصل خبر الإمدادات إلى أسماع ابن زياد حتى اضطرب وفزع وشعر بنزوله عليه كأن القصر قد هوى على رأسه فنهض واقفاً وهو يرتعد غضباً وخوفاً وصاح في وجه ابن الأشعث:

ــ بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة؟

ولكن ابن الأشعث لم يترك استهانة ابن زياد بقوله (رجل واحد) دون رد ليذكره بأنه لم يرسله إلى رجل عادي من الناس الأبرياء الذين يقبض عليهم ابن الأشعث على التهمة والظنة ويودعهم غياهب السجن فبين له من هو هذا الرجل الواحد فقال له:

ــ أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ أما تعلم أنك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام)!!

زاد رد ابن الأشعث من خوف ابن زياد وأدرك صعوبة المهمة أمام هذا البطل الطالبي فأرسل بالامدادات على وجه السرعة وهو يزبد ويرعد لكنه لم ينس ما جبل عليه من الغدر فاقترح على ابن الأشعث قائلا:

ــ أعطه الأمان فإنك لن تقدر عليه إلا بالأمان ..

كان ابن الأشعث يعرف ما هو معنى الأمان عند ابن زياد إنه يعني الغدر فنظر إلى ابن زياد نظرة شيطانية وخرج مسرعاً مع عدة من الرجال..

رجع ابن الأشعث إلى حيث مسلم بن عقيل فرأى ذلك البطل وهو يجهز على كل من يتصدى له فخاف أن يكون مصير هؤلاء الرجال كسابقيهم ما دام هذا الرجل حاملاً سيفه وهو ينقض على من يواجهه كالأسد عندما ينقض على فريسته فلجأ إلى مكيدة شيطانه ابن زياد فعرض على مسلم الأمان فرد ابن عقيل على طلب الأمان بقوله:

أقسمتُ لا أُقتل إلا حُرَّا *** وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نكرا

كل امرئٍ يوماً ملاقٍ شرَّا *** ويخلطُ الباردَ سحناً مرَّا

رُدَّ شعاعُ الشمسِ فاستقرَّا *** أخافُ أن أخدعَ أو أغَرَّا

وهجم عليهم فبدد شملهم وأوقع منهم قتلى.. كان يعرف أن هؤلاء ليس لديهم أي قيم إنسانية.. وكان يعرف معنى الأمان عندهم وازداد خوف ابن الأشعث وهو يسمع هذه الأبيات التي استمات صاحبها وهو مصمم على القتال حتى آخر رمق ولكن لا أحد يستطيع الوقوف بوجهه فقال ابن الأشعث:

ـــ إنك لا تُكذب ولا تُخدع ولا تُغر، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاريك

ولكن لم يكن مسلم لتنطلي عليه هذه الخديعة فقال له:

ـــ لا حاجة لي إلى أمان الغدرة

وبقي يقاتل بتلك البسالة رغم كثرة الجراح والحروق التي أصيب بها جسده وهال ابن الأشعث هذا البطل الذي لم ير مثله في حياته .. أنه لا يتأثر بالجراح التي تصيبه وكأنها تعطيه دافعاً وحافزاً لمواصلة القتال ورغم كل الجراح فهو يدمي وجه كل من يبارزه ويسقطه قتيلاً أو جريحاً !

وخاف أبن الأشعث أن يستنفد الرجال فدنا من مسلم قليلاً وجعل بينهما مسافة كافية للهرب إذا هجم عليه مسلم وقال:

ــ يا ابن عقيل لا تقتل نفسك، أنت آمن ودمك في عنقي!!

ما أقبح هؤلاء الذين يحاولون أن يصلوا إلى أهدافهم الدنيئة بالكذب والخداع، إن سياسة معاوية القذرة قد تفشت في المجتمع والناس على دين ملوكهم.. أجابه مسلم وهو ينزف دماً وقد أعيته الجراح مؤثراً الموت على الركون إلى هؤلاء الغدرة:

ــ أتظن يا ابن الأشعث أني أعطي بيدي الأمان وأنا أقدر على القتال؟ لا والله لا كان ذلك أبدا.. وهجم مسلم على ابن الأشعث لكن المسافة التي لم يجرؤ ابن الأشعث على أن يتجاوزها خوفاً قد مكنته من الهروب والنجاة فلم يجد مسلم من يواجهه وجهاً لوجه.. رجلاً لرجل خوفاً منه فقد صعد أغلبهم إلى السطوح وقاموا برمي الحجارة عليه وهو يزأر فيهم كالأسد:

ـــ ويلكم! ما لكم ترمونني بالحجارة كما تُرمى الكفار؟! وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار! ويلكم أما ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وآله في ذريته؟

وبقي يلاحق فلولهم في الأزقة فصاح ابن الأشعث فيهم وكأنه لم يلحقه عار الهزيمة:

ـــ ويلكم إن هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع .. احملوا عليه حملة واحدة.. ولكن مسلم تصدى لهذه الحملة الواحدة وازدادت جراحه وكثر نزيفه وطعن من الخلف طعنة غادرة اخترقت ظهره وضرب على شفتيه بالسيف فضرب صاحبها فقتله واجتمعوا عليه يضربونه بالسيف حتى سقط من كثرة النزف وأخذوه أسيراً

كانت طوعة تنظر إلى كل التفاصيل وقلبها يعصره الأسى والحزن ورأت مسلم بن عقيل وهو مغطى بالدماء وقد أخذوه إلى ابن زياد

حسرة مستديمة

سمعت طوعة باستشهاد مسلم وبكت كثيراً عليه.. كانت تغص بعبرتها وهي تستمع إلى الطريقة الأموية الوحشية في قتله بقطع رأسه ورمي جثته من أعلى القصر مع البطل المجاهد هانئ بن عروة المذحجي ولكن لم ينته الأمر بقتل مسلم فقد صدرت أوامر ابن زياد بمعاقبة هذه المرأة رغم أنها كانت طاعنة في السن

وأعيد المشهد عليها فاقتحموا دارها وأخذوها أسيرة مكبلة بالحديد وأوقفوها أمام ابن زياد، فوقفت أمامه كاللبوة رغم كبر سنها فقال لها متشمتاً:

ـــ ما الذي دعاك إلى إيواء مسلم بن عقيل؟،

فردت عليه بكل صلابة ويقين: كيف لا آوي ابن عم رسول الله، وسفير سيدي الإمام الحسين (عليه السلام)، كان لوقع هذه الكلمات على ابن زياد وقع السيف فاحمر وجهه غضبا وقال:

ـــ هؤلاء خوارج..،

فردت عليه بأقسى من ردها الأول:

ـــ إن هؤلاء أئمة الدين، وإن الخارجي هو أنت وأبوك!

لم يتوقع ابن زياد من هذه المرأة العجوز مثل هذه الجرأة والصلابة وهاله بسالتها التي أخرسته فقال لها:

ـــ اسكتي أيتها المرأة الضالة،

ثم أمر بها إلى السجن، وبقيت في السجن مدة ثم توسط أحد أقاربها وكان من أعوان السلطة فأطلق سراحها..

لم تفارق مشاهد قتل مسلم ذهنها وقضت ما بقي من حياتها وهي باكية نادبة حتى فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها راضية مرضية.

اضف تعليق