الرعاية المتبادَلة بين الآباء و والأبناء، تعني في أبسط وأوضح معانيها، ديمومة النسل البشري، ولو أننا تصورنا للحظة، إهمال الأب لأولاده، أو إهمالهم له بعد أن يبلغ من العمر عتيّا، لأمكننا رؤية كوكب الأرض والكون كلّه بلا بشر، والسبب لا يحتاج إلى ذكاء ولا إلى كثير عناء، فالإهمال المتعمَّد يعني قتل الإنسان.

قضية الواجبات والحقوق يجب أن تُحفَظ بين الطرفين (الأب و الابن)، فكلاهما عليه واجبات وله حقوق يجب على الطرفين مراعاتها، نعم هناك دوافع غريزية تدقع الأب لحماية ابنه، من المخاطر بكل أنواعها، وهي غريزة يشترك بها مع الكائنات الأخرى، ولكن هناك حالات يتخلى فيها الأب عن واجباته ويهمل حقوق الابن، وقد يحدث العكس وهو الأغلب حين يعقُّ الابن أباه.

أما الرعاية الغريزية فلا تكفي لأنها ناقصة، فيذهب الآباء إلا ما ندر منهم إلى رعاية أوسع وأعمق، وتشمل التعليم والتربية الأخلاقية القويمة، والتميّز ورعاية مواهب الأبناء، وهذه كلها تتفوق على الغريزة التي قد تكتفي بالرعاية الأولية التي توجد عند جميع الكائنات، لكن المطلوب من الأب رعاية عميقة مختلفة.

لماذا حذرت الأديان، والفكر الإنساني السليم من تعكّر العلاقة بين (الآباء و الأبناء)، ولماذا تم التركيز على الطرف الثاني (الأبناء) في رعاية آبائهم وأمهاتهم؟؟

الدور التربوي الأخلاقي للأفكار

في الإجابة عن الشق الأول من السؤال، والتحذير الذي أطلقته الأديان والأفكار القويمة من سوء العلاقة بين الأب والابن، يكمن السبب في ذلك إلى أن الابن يحلّ على الدنيا وليدا ضعيفا، لا يعرف ماذا مخبّأ له في الحياة، ولا يعي ما يدور حوله، لذلك هو أمانة عند الأب، وعلى الأخير أن يصون هذه الأمانة من كل الجوانب.

وأن يتعامل الأب بمسؤولية تامة مع وليده، ذكرا كان أم أنثى، وهو مسؤول أمامه وأمام الله وأمام المجتمع، بتوفير مستلزمات العيش الكريم للابن، من إطعام وشراب ومسكن وملبس وتعليم وصحة وما إلى ذلك، مع ضمان حاضر جيد ومستقبل لائق، وأي خلل في هذا الأمر يتحمله الآباء حاضرا ومستقبلا.

في الغالب يحرص الآباء على مهماتهم التربوية والمعيشية تجاه أبنائهم، وليس الدافع الغريزي هو الوحيد في تقديم الرعاية الأبوية والأمومية للأولاد، بل هنالك أسباب أخرى كثيرة منها، سعي الآباء على وصول أبنائهم إلى أعلى المراتب الوظيفية أو الاجتماعية أو العلمية وسواها، وغالبا ما يشعر الآباء بالفخر حين يحتل الابن مركزا وظيفيا أو معنويا أو علميا كبيرا في المجتمع.

ويأتي بعد الفخر والزهو بالأبناء، اعتماد الأب على أبنائه عندما يصبح ضعيفا، والضعف هنا أنواع، فقد يكون ضعف صحي، فيمرض الأب مرضا عضالا وينتظر الرعاية التامة من أبنائه، أو يكون ضعف مادي، فيجود الأبناء على آبائهم بما يتسر لهم من أموال تكفل الحياة الكريمة للأب.

أو ضعف معنوي حين تهتز شخصية الأب في المجتمع لأي سبب كان، وقد يكون الضرر المعنوي الذي يلحق به غير منصف الأب، أي أنه يتعرض لتشويه السمعة والمساس بكيانه الشخصي والأخلاقي وما إلى ذلك، في مثل هذه الحالات ينظر الأب لأبنائه على أنهم السند القوي الذي يُبقي على قامته منتصبة، ولا ينحني للضغوط التي قد يتعرض لها لأي سبب كان.

كلّنا سوف نحصدُ ما نزرع

بالنتيجة، حين يقوم الأب بدوره الحياتي بشكل جيد تجاه أولاده، فإنه ينتظر منهم ما يفي حقه في أواخر رحلته، وهذا هو الذي يحدث غالبا، لكن إذا تنكّر الأبناء للأب لأسباب مادية ودنيوية، فهذا يعني إخلالا بواجبهم تجاه الآباء، وإجحافا بحقهم وتعدّيا على حقوقهم، لذلك ذكر القرآن الكريم في الآية المباركة (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) سورة الإسراء آية 24.

بالمقابل يقع على الأبناء مهمة ردّ الديْن للآباء والأمهات، وهذه كما يقول المختصون التربويون والاجتماعيون، لها ارتباط بما يقدمه الآباء من جوانب تربوية لأبنائهم، وغالبا ما يجد الأب رعاية لائقة من الأبناء إذا أحسن تربيتهم، وأخلص وضحى جيدا في ذلك، والعكس يصح، فالأب الذي لا يتعب ولا يخلص في تربية أبنائه، سوف تنتظره شيخوخة عسيرة.

لا زلت أتذكر ذلك الرجل الذي أفنى حياته من أجل أولاده، وقاسى الأمرّين حتى يؤدي دوره التربوي والأخلاقي والتعليمي لأبنائه بأفضل صورة، كان يخرج في ساعة مبكرة للعمل، ولا يعود إلا وقد هدّه التعب، عمل في أكثر من مكان وأكثر من مهنة، واحدة أشقّ من الأخرى، لكن التعب الذي يعتمر جسده طيلة ساعات العمر سرعان ما يذوب عندما يرى البسمات الطفولية العذبة لأولاده، ودعاء زوجته له بالصحة والسعادة، فينام قرير العين، وينهض مبكرا دون ضجر أو ملل.

على العكس تماما من أب آخر عرفته المحلة كلها بطيشه وعدم شعوره بالمسؤولية، فكان يدفع بزوجته للاستجداء وهو أما ينام في البيت طوال النهار، أو يتسكع في الشوارع والمقاهي، فشبّ أولاده على تربية مضنية ناقصة أخلت بحقوقهم، وسلبتهم فرص التعليم والتربية اللائقة، لأن الأب الذي لم يربي نفسه جيدا لا يمكن أن يقدم ذلك لأبنائه، ففاقد الشيء لا يعطيه.

بين الأب الأول والثاني بون شاسع، تبيّن في شيخوختهما، الأب المضحي عاش أواخر حياته بين أولاده الأوفياء الذين أحسنوا رعايته بعمق، فردّوا له الجميل، لكن الأب الثاني لم يحظ مثل هذه الرعاية من أولاده والسبب يعود له شخصيا، ولذا على الآباء أن يدركوا بأن ما يزرعونه ويقدمونه لأولادهم سوف يحصدونه كما هو، فإن كان جيدا حصدوه صالحا.

هل هذا قانون ينطبق على جميع الأبناء؟؟، كلا بالطبع، فالأبناء في جميع الأحوال عليهم مراعاة الأب والأم، لاسيما في أواخر العمر، ففي هذه المرحلة (الشيخوخة) يصبح الإنسان مكسور الجناح، تحييهُ الكلمة وتميتهُ، لذا حتى لو أخلّ الأب بدوره، فالابن يجب أن لا يخلّ، فالعفو عند المقدرة أفضل من سواه.

هكذا تبدو ثنائية العلاقة بين الآباء والابناء، تبادل أدوار بين القوة والضعف، ولكن في جميع الأحوال يجب ضمان حقوق الأب، وأن لا يتعامل الأبناء بالمثل في حال تعرضوا للإهمال، أما إذا أدى الأب والأم دورهما جيدا، فإنهما يضمنان بذلك وفاء الأبناء حتى آخر لحظة من حياتهم.

اضف تعليق