لو أننا وجّهنا السؤال لمن أدمنَ القراءة، وقلنا له: من منكما اختار الآخر، أنت أم القراءة؟، هناك من يستغرب هذا الكلام وسوف يسأل علنا أو صمتا: وهل يمكن للقراءة أن تختار قارئها؟؟

إنه سؤال وجيه ومقبول، ولابد من الإجابة عنه، بالطبع لا توجد قراءة تختار قرّاءَها، لأنها وإن كانت منبع الفكر ومانحة العقول ما تحتاجه من غذاء فكريّ، إلا أنها من المحال أن تختار القارئ، لذا يُترك الاختيار (للإنسان).

يأتي الاختيار هنا على نوعين، الأول هل ترغب بالقراءة أم لا؟، ولن يجيب عن هذا السؤال سوى الشخص الذي سُئِل، فيمكنه أن يجيب بـ نعم أو بـ لا، النوع الثاني من الاختيار يتعلق بماهيّة القراءة ومضامينها، بمعنى ما هي أنواع الكتب التي ترغب في قراءتها؟

هناك من يفضّل الكتب العلمية، وآخرون يميلون إلى الدينية، وبعضهم يميل إلى قراءة الفلسفة، ومنهم يفضّل قراءة الكتب الأدبية، فحرية الاختيار له نوعان، أن تقرأ أو لا تقرأ أصلا، وهو حق مكفول لك، والثاني إذا قرّرت القراءة، فماذا تختار من بين العلم والدين والأدب والفن والفلسفة وغيرها؟

يقول أنيس منصور في كتابه (وأنا اخترتُ القراءة):

(ليس أمام التلميذ إلا أن يلعب أو أن يقرأ.. وأنا اخترت القراءة الطويلة. وأعطتني القراءة ما أستحق. والذي أستحقه هو أن أمضي في القراءة لمن هم أقدر وأحسن، أملًا في أن أقترب منهم لأكون مثلهم.. وهذا ما فعلت.)

إذاً نحن أمام اختيار واضح لا لبس فيه، وهو ما يتحمل مسؤوليته صاحب الاختيار، فدائما هناك نتائج لخياراتنا، منها ما يؤكّد صحة وجدوى ما ذهبنا إليه من اختيار، ومنها ما يلقي علينا اللوم لأننا أخطأنا، وعلينا أن نتحمّل نتائج هذا الخطأ.

فإذا انتهينا من مرحلة الاختيار بين القراءة أو سواها من الفعّاليات، ثم استقرَّ خيارنا على القراءة، هناك مسؤولية يجب أن لا نتملص منها، وأعني بها (نوعيّة ما نقرأ)، أي ما هي الكتب التي نقرأها، ولا يصح أن نكون عالة على غيرنا في هذا النوع من الاختيار، بل يجب أن نحتفظ بحريتنا كاملة، في اختيار نوع الأفكار والكتب التي نقرأها.

ولكن هل الجميع يتحملون مسؤولية اختيار الكتب التي يرغبون بقراءتها، أم أنهم يتخلّون عن حريتهم هذه، ويلقون بعبءِ الاختيار على غيرهم؟

إن كنتَ ممن يرغب بالقراءة ويفضلها على سواها من الأنشطة الأخرى، هل لاحظت أنك تميل إلى توريط الآخرين في اختيار كتبكَ التي تقرأها؟؟، القارئ يتذكر الآن جيدا، هل تحمّل بنفسه مسؤولية الاختيار أم أنه ألقى بهذه المسؤولية على غيره، فترك قضية اختيار الكتب والأفكار على خيره، لأنه لا يريد أن يمارس حريته كما يجب؟

يقول أنيس منصور أيضا في كتابه المذكور:

(يسألني بعض الناس:

- ما الذي تقترح أن أقرأ في الإجازة؟، فأجيبهُ، اقرأ أي حاجة تبسطك (أي كتاب يريحك).

- مثل ماذا؟

- يا أخي أي شيء.. أي نوع من أنواع الكتب.

- مثل ماذا؟

- يا سيدي أي شيء.

ويكون الرد: يا أخي أنت تغيظ.. أنت لا تعطي جوابًا مريحًا.

فما الذي أغاظهم ولم يرحْهم.. أغاظهم أنني قلتُ لكل واحد منهم: أنت حر، اختر لنفسك ما تشاء.. ما يمتعك.. ما يُبسطك.. ما يجعلك تستغرق في لذة القراءة.

لكن هذا هو الذي لا يريح، لأن الذي يسألك لا يريد أن يبذل جهدًا عقليًّا في الاختيار.. يريد أن يعتمد عليك أنت.. فأنت الذي تمدّ يدك.. وأنت الذي تختار ويكون هو له الحق بعد ذلك في أن يقول: يا أخي الكتاب الذي اقترحته أنت كان " بايخ " وسخيفًا وأنت أفسدت إجازتي.. لكنه لو كان هو الذي اختار الكتاب فإنه لا يلوم إلا نفسه.. وهو لا يريد أن يلومها.. لذلك كانت الحرية عبئًا عليه!).

القراءة هي نوع من أنواع المسؤولية العالية، مجرد القراءة تعدّ من أهم مسؤولياتنا، فما بالك بالأفكار التي نختارها لنواصل عملية القراءة؟، هي مسؤولية مزدوجة إذن، وكبيرة ولا مجال في التهرّب منها، فحين أختار القراءة كنشاط دوري أقوم به في أوقات معينة، أو غير محددة بتنظيم زمني معين، إذن أنا أقف أمام مسؤولية ماذا أقرأ، ولماذا أقرأ؟؟

شخصيا جرّبتُ نوعين من الاختيار، أحدهما أنْ أختار الكتب التي أقرأها بنفسي، والثاني أستعين بصديق أو معلّم أو خبير على اختيار كتاب ما، ولو أجريت مقارنة حول جودة الاختيار بيني وبين الأصدقاء، أكون أنا الأفضل في اختيار ما يناسبني من كتب وأفكار، وهذا لا يعني أن بعض الخيارات الأخرى جيدة ومناسبة لي، لكنني كنت أحاول أن ألقي اللوم في سوء الاختيار على غيري!!

بمعنى حاولت في بعض المرات أن أتخلى عن مسؤوليتي، وألقيت باللوم على من اختار لي كتبا من الأصدقاء أو خبراء القراءة، وكنت في وقتها أشعر ببعض الراحة لمجرد أنني ألقيت بمسؤولية الخطأ عليهم، لكن في حقيقة الأمر هذا تهرّب واضح من مسؤوليتي، ومع تقادم الزمن وتطور التجربة صار الاختيار الذاتي هو الحل الذي سمح لي أن لا أستعين بالآخرين، ولا أحمّلهم مسؤولية ما أقرأ من مضامين وأفكاراً.

حين يؤمن أي شخص بأن القراءة مسؤوليتهُ، فإنه لن يقع في دائرة (خطر) الاختيار، كما أنه مع الوقت يؤمن بأنهُ يتحرك في إطار حريته التي يجب أن لا يتنازل عنها، وأنه مستقبلا لن يتخلّى عن هذا النوع الأصيل من الخيار، ليس هناك ضير في الاستعانة بغيرنا على أن يكون الحسم بيدنا، لأن حريتنا في اختيار ما نقرأ تعلّمنا كيف نعتمد على قدراتنا، ولا نلقي باللوم على غيرنا بعد أن نفوضهُ بإرادتنا كي يختار لنا ما نقرأ.

اضف تعليق