لم يغبْ عن بالي ذلك المشهد، حين اجتمعنا في مكتبة أحد الأصدقاء الأدباء، كان أحدنا سعيدا بإصدار روايته الأولى، وكانت الفرحة تشعّ في عينيه، وكنا أكثر من ستة أدباء نحيط به، مهنئين له إصداره الأول، بعضنا مدح الرواية وهو لم يقرأها بعد، وبعضنا اكتفى بالتهنئة ولم يعلّق على أحداث الرواية.

أديب واحد من بيننا مصنّف على أنه ناقد طرح رأيا مختلفا عن الرواية، وكان رأيه لا يتوافق مع الآخرين، فهو لم يمتدح الرواية ولا كاتبها، كما أنه لم يكتفِ بالتهنئة ويصمت، بل أظهر رأيه بصراحة ومن بين ما قاله عن الرواية، إنها رواية متسرّعة وغير ناضجة فنيّا، كما أن حبكتها غير محكمة.

صديقنا صاحب الرواية لم يعلّق على رأي صديقه الناقد المضاد لروايته، ولم يردّ عليه، لكن ضوء السعادة الذي كان يشّع في عينيه انطفأ فجأة، وحلّ محلّه الانكسار، بعد ذلك غادرنا مؤلّف الرواية وحيدا، ولم يستجب لرجائنا وإلحاحنا عليه بالبقاء معنا، كي نذهب إلى المقهى الأدبي لاحتساء الشاي والقهوة، ومواصلة النقاش كما كنا نفعل في كل مساء.

كنّا نعرف أن صديقنا صاحب الرواية اغتاظ من رأي صديقه الناقد، عرفنا ذلك من صمته المفاجئ وعدم مواصلته النقاش، ثم انسحابه إلى بيته بشكل مباغت، لم نوجّه اللوم لصديقنا الناقد لأنه قال رأيه في الرواية دونما مجاملة، لكن صاحبنا الروائي غاب عنّا لعدة أيام، وظلّ مقعده في المقهى شاغرا ولم نعد نسمع صوته في نقاشاتنا المسائية اليومية المحتدمة.

بعد أيام رأيته صباحا يتمشى في مركز المدينة، كان منكسرا كأنه فقد أحد أحبابه، وحين ألقيتُ عليه السلام ردّ بصوت خفيض، فسألته إن كان يعاني من مشكلة صحية أجابني بنعم، ثم قال لي بصراحة، إن ذراعه اليسرى توقفّت عن الحركة بعد أن دبَّ فيها خدر شديد بدأ من رمانة الكتف ثم بلغ أصابع الكف، وحين سألته عن السبب قال بلا تردد:

(ألمْ تكن معنا قبل أيام، ألم تستمع إلى رأي الصديق الناقد فلان بروايتي، لقد صدمني برأيه، كان قاسيا، سرق فرحتي بصدور الرواية، ومنذ ذلك الحين وأنا أعاني من ارتفاع ضغط الدم وتنمّل في يدي اليسرى!!).

لم أستغرب مما سمعته من الأديب الذي عانى من ارتفاع ضغط الدم بسبب رأي مضاد لروايته، إننا لم نعتدْ على تقبّل النقد المضاد، وكل رأي مختلف معنا نعدّه مخالفاً لنا، أو ينطلق من دوافع الحسد والكراهية، لم يخطر في بالنا أن الناقد (القريب، أو الغريب)، حين يعلن رأيا نقديا لا يشيد بنصوصنا، إنما يريد أن يقول رأيه بصراحة ودون قصد الإساءة.

كلّنا نعشق المدح ونكره القدح، هذه هي بيئتنا، إننا لم نتربَّ في بيئة تقبل النقد، وتنظر له بعين الرضا والقبول، وتتعامل معه على أنه رأي مختلف وليس مخالفا لنا، ولا يريد الحطّ من قدراتنا في التدوين أو في سواه، تعلّمنا منذ نشأتنا أن من يقول كلاما أو رأيا لا يتفق معنا فهو مضاد لنا ويكرهنا.

لا زلت أتذكر وأنا طفل في الثامنة، حين قادتني أمي إلى الحمّام مرغما كي أستحم، خرجت من الحمام نظيفا، وجهي يشعُّ نعومةً وانتعاشاً، وحين جلستُ بين أفراد عائلتي، سخرتْ عمتي من سمار وجهي الشديد، وقالت إن الاغتسال لم يغيّر شيئا من بشرتي الداكنة، فشعرتُ بالحقد عليها، لكن خالتي ردّت عليها بأنني أبيض مثل القطن، وأن خدودي طرية وأبدو في قمة الجمال.

لا زلتُ أتذكر كم أحببتُ خالتي وفي المقابل كم كرهتُ عمّتي، أما الحقيقة التي لا يمكن نكرانها فهي تقول إن بشرتي شديدة السمار!!، هكذا ونحن صغار لا نقبل حقيقتنا، ونحقد على من يبوح بها، ونفرح بمن يشيد بنا حتى لو كان يكذب علينا. في الحقيقة لا مهرب لنا من قبول النقد، هذه الثقافة يجب أن نهضمها جيدا، ونقبلها، وننشرها بين الجميع، بدءاً من الأطفال صعودا إلى كل الأعمار.

في الغرب قرأتُ عن برنامج تلفزيوني اسمهُ (كتاب الشهر)، يقدمه أحد النقاد. فكرة هذا البرنامج واضحة، فالمقدِّم الناقد يختار كتابا يصدر حديثا ليناقشه في برنامجه، ما هي نقاط ضعفه أو قوته، أين تكمن براعة المؤلّف وأين يخفق ويفشل، هذا البرنامج اكتسب شهرته من قلّة إشادته بالكتب التي يستعرضها، فقلّما ينال كتابا قبول الناقد (مقدم البرنامج) واستحسانه.

مع مرور الزمن أصبح البرنامج شهيرا، واكتسب معجبين كثراً وتضاعفت الأعداد مع الوقت، وكان المؤلّفون يتزاحمون مع بعضهم كي يظهر كتابهم في هذا البرنامج علما أن نسبة الإشادة بالكتب قليلة جدا، لأن الناقد الذي يقدم البرنامج وضع ضوابط نقدية شديدة ودقيقة وحادة، فما يقوله من رأي نقدي في برنامجه هو ما يستحقه الكتاب، ولا يراعي في ذلك شهرة الكاتب أو مكانته.

إنه أمام نص ولا يؤثّر عليه اسم الكاتب إن كان معروفاً، وكان المؤلفون الذين يقع الاختيار على مناقشة كتبهم في هذا البرنامج يحبسون أنفاسهم طوال وقت بثّ البرنامج، فإذا كانت النتيجة إشادة بالكتاب تقفز مبيعاته إلى عشرات الآلاف فجأة، وإذا كانت النتيجة ضد الكتاب فهذا يعني فشل الكتاب والمؤلّف معا.

ألا تعتقدون بأننا نحتاج إلى ثقافة النقد القوية البناءة دونما مجاملة أو صفقات؟؟

اضف تعليق