أتذكّرُ حتى هذه اللحظة صديقي الأول (حسنين)، ذلك الطفل الذي تقاسمتُ معه مقعد الدراسة الابتدائية لخمس سنوات متتالية، بدأتْ صداقتنا في الصف الأول الابتدائي، كان عمرهُ وعمري (سبع سنوات)، وبقينا معا جنبا إلى جنب في السنوات اللاحقة، حتى الصف الخامس، بعدها رحل من عالمي بطريقة غامضة.

حسنين طفل وإنسان لا يشبه الآخرين، أتذكّر حتى اللحظة صفاته التي ألهمتني وعلمتني الصداقة الصادقة، في شخصيته تجد الذكاء والفقر يجتمعان بشكل غريب، وتجد الحنان الذي يشبه حنان الأمهات، تجد الأمان أيضا بالقرب منه، والصديق الذي يُشعرك بالأمان يجب أن لا تبتعد عنه مطلقا,

حسنين الذي أظهر الحرص على مصلحتي دائما، شبَّ على هذا السلوك، الصدق في الصداقة، ودعم الصديق والدفاع عنه، والتضحية من أجله، أتذكّر في إحدى المرات أنني نسيت أجلب الطعام معي إلى المدرسة، كانت أمي رحمها الله تضع لي في جيب الحقيبة (لفافة بيض مسلوق)، في هذا اليوم لم تقمْ بذلك، ربما لأن البيت كان يخلو من البيض، أنا كنتُ معتادا على تناول لفافة البيض في الفرصة بين الدرسين الثالث والرابع، وكان حسنين يجلب معه لفافته أيضا، كنّا نتناول طعامنا معا، أأكلُ من لفافته ويأكل من لفافتي، كان عالمنا بريئا صادقا خاليا من الخديعة بكل أشكالها.

في ذلك اليوم حين حانت الفرصة بين الدرسين الثالث والرابع، قررنا أنا وحسنين أن نتناول طعامنا، فتحتُ جيب الحقيبة فلمْ أجد شيئا فيها، صُدمتُ وكدتُ أبكي، مدَّ حسنين يده إلى حقيبته ولم يجد لفافته أيضا، لم يكن معنا فلوساً كي نشتري من الحانوت المدرسي، هيمنَ علينا الحزن والصمت وازداد الجوع أضعافاً.

للآن أتذكر وجه حسنين الحنون وهو يعتذر لي عن هذا الخطأ، ويعدْني بأن ما حدث لن يتكرر، ويهدّئ من حزني ونقمتي ويقلل من إحباطي، مرّت سنوات طويلة على هذا الموقف الذي حفرَ تفاصيله حفراً في ذاكرتي، كان الطلاب الآخرون يأكلون لفافاتهم بنهم، وهناك من يشتري بكثرة من الحانوت المدرسي، أنا وحسنين الوحيدان اللذان بقيا يتضوّران جوعا.

تكرّر هذه المشهد أكثر من مرة، فرغم أنني كنتُ أضع اللفافة في جيب الحقيبة وأتأكدُ من ذلك بنفسي، لكن حين تحلّ الفرصة بين الدرسين الثالث والرابع، أفتح جيب الحقيبة فلا أجد لُفافتي، وكذلك يحصل مع صديقي حسنين، وحين اشتكينا الأمر إلى المعلم جلب لنا طعاما بنفسه وعلى نفقته من الحانوت المدرسي، لكنّ الفقدان لم يتوقف على الطعام، بدأت بعض كتبي المدرسية تختفي من الحقيبة، كذلك حصل هذا مع حسنين الذي توصّل إلى من كان (يسرق طعامنا وكتبنا وحتى أقلامنا)، كما أنه أعلمني بسبب السرقات التي تعرضنا له وقال: (لأننا أذكياء!)، فالذكاء يثير حفيظة الآخرين ويدفعهم لإلحاق الأذى بك.

عرفتُ من صديقي حسنين الطالب الذي كان يسرقنا، لكنه طلب مني عدم إفشاء الأمر، فمعاون المدير طلب أن نستر الطالب السارق (ربنا أمر بالستر).

في السنة الابتدائية الأخيرة، غاب حسنين، لم يعدْ إلى المدرسة بعد انقضاء العطلة، ربما مات، أو انتقلت أسرتهُ إلى مدينة أخرى أو بلد آخر، كل ما أعرفه أننا حين افترقنا في بداية العطلة الصيفية بين الصفين الخامس والسادس، ولم نلتقِ بعدها قطّ، ولا أعرف السبب، شعرتُ في حينها أنني فقدتُ أهم وأعظم صديق في حياتي.

الصديق له مواصفات خاصة تثبت لك بأنه صديق حق لك، أهمها أنه يدافع عنك ويحميك ويدعمك معنويا، ولا يبخل عليك، حسنين (الصديق الذي اختفى إلى الأبد كان من هذا النوع).....

وأنا أستعيد هذه الذكريات التي لا يمكن محوها، بل يزدادُ سطوعها مع تزايد العمر، أنقل لكم هذه القصة حول الصداقة وقد حملت عنوان (أنا غبي):

(في مقلب سيِّئ جداً قام طالب بإلصاق ورقة على قميص صديقه من الخلف مكتوب عليها "أنا غبي" وصار الطلاب في الصف يضحكون عليه طوال الوقت.. بعد قليل بدأت حصة الرياضيات.. كتب الأستاذ مسألة صعبة ولم يتقدَّم أحد ليجيب سوى الطالب الذي على قميصه الورقة.. قام بالبدء بحل المسألة حينها لاحظ الأستاذ الورقة التي على ظهره والمكتوب عليها "أنا غبي" وفي الوقت نفسه أكمل حل المسألة التي تتطلب الذكاء.. طلب الأستاذ من بقية الطلاب أن يصفقوا له وأزال الورقة التي على القميص من الخلف وقال: سأخبركم بشيئين الشيء الأول/ طوال حياتكم سيضع الناس أوراق على قمصانكم مكتوب عليها أشياء كثيرة مهمتها أن تجذبكم للخلف كلما حاولتم التقدم... فلو كان يعلم زميلكم بشأن الورقة لما تقدم للإجابة... كل ما عليكم فعله هو تجاهلها والتقدم إلى الأمام. الشيء الثاني/ يبدو جلياً أن زميلكم لا يمتلك صديقاً جيداً بينكم يخبره بشأن الورقة ويزيلها عن قميصه... فلا يهم أن تمتلك أصدقاء كُثر، المهم والأهم من ذلك أن يكون بينهم شخص تستطيع الوثوق به (شخص) يزيل تلك الورقة التي لا تطالها يدك كلما علقت بك.

اضف تعليق