هناك رجل رب لعائلة مكوّنة من أربعة أشخاص، زوجته وابنه وابنتيْه، هذا الرجل لا يكف عن الشكوى من ابنه، كثيرا ما كان يشكو من رغبة ابنه للإفلات من طوق الممنوعات العائلية المفروضة عليه، كان هذا الابن ميّالا للتحدي، محبّا للمغامرة، لا يقتنع بالسائد في حياته، ولا يميل للألعاب الروتينية التي يلعبها في البيت، أو حتى مع أقرانه في المدرسة أو المنطقة، إنه باختصار ولد مختلف عن الآخرين.

هذا الولد يطالبُ أباه يوميا بالسماح له بشيء من الحرية، حرية التنقّل، والصداقات، والكلام، والتصرّف، لكن أباه كان يحد من نزعته هذه بشيء من القسوة، فلجأ الابن إلى أمه وراح يستغيث بها لكي تفك عنه طوق سلطة الأب، فكّرت الأم بما طلبه منها ابنها الذي لا يزال في بواكير حياته، إنه يطلب ما لا يطلبه الأولاد الكبار من أهاليهم.

يريد أن يسافر وحده إلى مناطق بعيدة عن منطقته السكنية، بل بلغت به طموحاته للسفر إلى مدينة أخرى تبعد عن مدينته كثيرا، وهذا أمر كبير على الابن كما تظن الأم، وإذا أخبرت أباه بطلبه سوف يضطر إلى حبسه في البيت، ويجبره على الكف عن مثل هذه الأحلام التي تفوق عقله وعمره لأنها تطلعات تفوق السائد.

كان الابن الطموح لا يرى مشكلة في مطالبته بفك الطوق الأبوي العائلي المضروب حوله، بل كان يستغرب ذلك ويستاء من تعامل أمه معه بقسوة، ويشكو دائما من إجباره على السلوك المحدود، فكان أبوه يتدخل في جميع خيارات ابنه وحركاته حرصا عليه، بل يختار له مع من يجلس ويصادق ويحكي، ولا يسمح له بالذهاب إلى أماكن ترفيه بعيدة، ولا القيام بمسابقات رياضية في مناطق بعيدة، جلّ ما كان يخشاه الأب أن يختلط ابنه مع أشخاص لا يعرفهم.

الأم ترى في تفكير الأب كثير من الصحة، وتوافقه عليها، لكنها بدأت تستشعر خطر هذا الطوق الأبوي المضروب حول الابن، فأخذت تخفّف من وطأة الأب على ابنها، ويوم بعد آخر صارت تتدخل لكي تساعد ابنها على تحقيق طموحاته، ومخالطة أقرانه في المنطقة والمدرسة، واتفقت مع الأب بأنها تتكفل ابنها من هذه الناحية.

ترك الأب أمر مراقبة ابنه للأم، لكنه حمّلها مسؤولية أي خلل أو مشكلة يتعرض لها ابنهما، وافقت الأم على القيام بمهمة المراقبة والتصرّف مع ابنها، بالطبع بقي هذا الاتفاق سرّا بين الأب والأم، ولم يعرف الابن بأن أمه تراقبه دون أن يعلم بذلك، وحين استشعر الابن فك الطوق الأبوي عنه، بدأت أحلامه بالحرية تكبر، وصار يفكر بمغامرات خارج المألوف.

وفي كل يوم جديد صار الابن يطرح على أمه طلبا جديدا، ومغامرة جديدة، كأنه يريد أن يعوّض ما فاته في الماضي حين كان أبوه يطبق على تحركاته وتطلّعاته معا، كانت الأم تلاطفه، وحين تمنعه عن هذا الطلب أو ذاك، تشرح له الأسباب بهدوء وحنان، فكان يقبل بآراء أمه وإن كان لا يؤمن بها، ويرضى بتلك الآراء وإن كان غير مقتنع بها.

ذات يوم طلب الابن من أمه أن يسافر بالقطار، من مدينته إلى مدينة أخرى بحرية تقع في أقصى البلاد، كان حلمه أن يرى البحر، وأن يصطاد السمك، وأن يكتشف تفاصيل تلك المدينة البحرية التي سمع عنها الكثير، فتعلّق بها دون أن يراها، رفضت الأم بشكل قاطع، حزن الابن وسقط في مخالب المرض، قلّت شهيته ووزنه وحركته، ولاذ بعزلة طوعية مؤلمة، ذبل كأنه وردة قُطع عنها الماء، لاحظت الأم هذا الخطر الذي يهدد حياة ابنها فوافقت على سفره.

أقنعت الأب بسفر ابنها، وعند لحظة وداع الابن للعائلة، أعطته الأم ورقة صغيرة، وقالت له: لا تفتح هذه الورقة إلا عندما تحتاج إلى مساعدة منّا.

انطلق الابن إلى محطة القطار مثل طائر أُطلق من القفص، شعر بالحرية لأول مرة، صعد في العربة الثانية للقطار، تحرك القطار وبدأت مدينته تبتعد عنه، شعر بالغربة تطوقه، الأشجار أخذت تهرب سريعا إلى الخلف، الوجوه التي تقاسمه العربة غريبة، لم يجد بينها من يخفف عنه غربته، شعر بالخوف لأول مرة، صحيح أنه حين كان بين عائلته يشعر بالجزع وغياب الحرية، لكنه لم يكن يشعر بالخوف والغربة مطلقا.

ابتعد القطار عن مدينته، تذكّر أباه وأمه وشقيقتيْه، استعاد تلك الألفة والحنان، تمنى لو أنه الآن بين أفراد عائلته ليطرد شعور الغربة المرير، تذكّر الورقة التي أعطتها له أمه، إنه الآن يحتاج إلى مساعدة تخلّصه من هواجس الخوف والقلق، مدَّ يده إلى جيبه، أخرج الورقة، فتحها بلهفة، قرأها كلماتها التي تقول: (أنا أمك، موجودة معك في نفس القطار، أجلس بانتظارك في العربة الأخيرة).

شهق الابن مصدوماً فرِحا، وانطلق من عربته نحو العربة الأخيرة، ليجد أمه بانتظاره فعلا، وحين وصلها قالت له: وهل تظنّ أننا نتركك وحدك!!!

الخلاصة، أيها الآباء والأمهات، خففوا الوطء عن أبناءكم، لا تقسوا عليهم، راقبوهم عن بعد، ولا تشعروهم بذلك، أما الأبناء فعليكم أن تعرفوا بأن الآباء والأمهات هم سندكم حين يعزّ السند.

اضف تعليق