هناك مساحة من الاختلاف بين الواقع والتوقّع، الأول هو ما نعيش تفاصيله، ونحتكّ به ونتفاعل معه في مستوى معين، فيكون فهمنا له ممكنا ومكشوفا، لأننا نتعاطى معه بشكل مباشر، أما التوقّع فهو ما نجهل حقيقته وتفاصيله وحتى شكله وأهدافه، تُرى أين تكمن الإثارة والتشويق، وإلى أيٍّ من الاثنين نميل؟

كل شيء نعرفه لا يحمل التشويق معه، ولذلك في بداية رحلتنا مع القراءة والأدب، عندما كنّا نجتمع في المقهى مساءً، كنت أطلبُ من أصدقائي الأدباء المبتدئين وأنا معهم، أن لا يشرحوا تفاصيل الرواية التي يقرأونها، لأن إثارتها ولغزها وتشويقها سوف يصبح صفرا على الشمال، فتنعدم الرغبة في قراءتها.

وحين يلتزم المتحدّث بعدم إفشاء لغز الرواية أو القصة، ويمنحنا عنوانها فقط واسم كاتبها، من دون الخوض في تفاصيلها، فهذا يمنحنا دافعا قويا لقراءتها، في الأيام التالية حين نلتقي، نبدأ حوارا جماعيا أو ثنائيا عن حصيلة قراءة الرواية، أو الكتاب الذي قرأناه، هنا تكون الفائدة أكبر والرغبة في النقاش أشدّ وأعمق.

ينطبق هذا على الواقع والتوقّع، الأول لا يحمل معه عناصر الترغيب والمفاجأة، على العكس من الثاني، فإنك كلّما توغّلت فيه، لا تكتفي ولا تتوقف عن مواصلة البحث، هذه العلاقة لا يمكن التنازل عنها في فعل القراءة، فلا فائدة من القراءة (المقروءة سابقاً)، ولا فائدة من الرواية المحكيّة مسبقا، كما ليست هناك فائدة من مشاهدة فيلم كنّا قد تابعنا مشاهدهُ سابقا.

في كتاب فولفغانغ إيزر (فعل القراءة) ترجمة د. حميد لحميداني، د. جلالي كدية، يركز على أهمية عدم التماثل، أو التشابه، أو بمعنى أدق الفهم المتبادَل بين شخصين، فهنا سوف تنعدم الرغبة في بناء علاقة تقوم على كشف الغامض أو الغاطس من الشخصية، فحين يتماثل الشخصان في معرفة أحدهما للآخر، ما الذي يدفعهم لتطوير عملية الاكتشاف والفهم.

الفهم أو الرأي في أعلاه يمكن أن ينطبق على علاقة القارئ بما يقرأ، فإذا كان يقرأ قصة أو رواية، وهو يفهم أو يعرف مسبقا أفكار بطلها أو شخصيتها الرئيسة، فما فائدة أن يكرر قراءة الأفكار نفسها، وما الذي تقدمه له شخصية معروفة له، ولا جديد في أفكارها وفيما تقدمه من أقوال وأعمال.

لذلك يقوم فعل القراءة على التوقّع وليس على الواقع المفهوم والمهضوم مسبقا، ولا نخطئ إذا قلنا أن أكثر الكتب رواجا بين القراء، هي تلك التي تقدم أفكارا جديدة لهم، ولعل فشل الكتب الأدبية والثقافية والفنية والإبداعية عموما، يكمن في فشلها بتقديم أفكار تتجاوز الواقع وتنهض به إلى مراتب أعلى.

على مستوى التجربة الشخصية مع القراءة، كنتُ أهربُ من الكتب التي لا تُدخلني في متاهة، ولا تزجّ بي في دوامة الغموض، كلّ هذا يتأتى من بحثي عن الجديد، لكن متاهة الغموض لا يجب أن تكون أبدية، فحين أنتهي من الكتاب، يجب أن يفتح لي الكاتب بوابة تكفي للخروج من المتاهة، وتسعفني في مغادرة الدوامة، وهذا يعتمد على براعة المؤلف، ولا يصحّ أن يبقى النص مغلقاً على نفسه.

حتى النهايات المفتوحة التي يلجأ لها بعض الكتاب في قصصهم أو رواياتهم أو أعمالهم المسرحية، تعدّ أسلوباً جيداً لمنح القارئ مساحة من التفاعل القوي مع المؤلّف، وتعطيه فرصة للمشاركة في إعادة كتابة أو تأليف النص، فليس مطلوبا من الكاتب إخراج القارئ من متاهته دون أن يسعى الأخير إلى ذلك، ولكن على الكاتب أن يمنح فرصة للقارئ يبحث فيها عن بوابة الخروج من الدوّامة.

بالنتيجة سوف تجتمع عناصر عديدة في عملية القراءة من هذا النوع، أولا هناك شيء جديد يقرأه القارئ، وثانيا قد تكون الأفكار والأحداث غامضة أو عصيّة على الفهم للوهلة الأولى، وهذا يستدعي من القارئ أن يبذل جهدا كافيا للخروج من مأزق الضبابية أو الغموض، أما العنصر الثالث وهو الأهم، أن تمنح القراءة أفكارا وتجارب وآفاقاً جديدة للقارئ، وهذا شرط أساس لنجاح الكتب وكتّابها.

في أول قصة احترافية لي حصلتْ على صلاحية النشر، واصلتُ الكتابة فيها، تعديلا وتحويرا، وشطبا وإضافة، وتشذيبا وتهذيبا، أخذت مني وقتاً يقارب السنتين، وفي وقتها كانت القراءة هي دليلي في الكتابة التي تصلح للنشر في نهاية المطاف، كنتُ في هذه القصة بعيدا عن الواقع، فما فائدة أن أنقل ما أراه وأعيشه، ويتضح هذا من عنوان القصة (الحلم).

فيما كنتُ أقرب إلى نقيض الواقع، وهو التوقّع، حيث غصتُ في الخيال حتى أعماقه، وطرحتُ في القصة قضية الصراع بين الإنسان والوصول إلى هدفه، بالطبع هناك من طرح قضية هذا النوع من الصراع، بدءاً من (صخرة سيزيف)، وليس انتهاءً برواية (الشيخ والبحر) لهمنغواي، ولكن جاءت الكتابة بشكل مختلف، والأفكار محاطة بعناصر التشويق والغموض والتحدي.

لقد وهبتني القراءة القدرة على كتابة قصة فتحت لي نافذة للدخول إلى مملكة السرد، وغالبا ما أقول وأردد في مناسبة أو دونها، بأنّ قصة (الحلم) منحتني تذكرة دخول إلى قلعة الأدب، وهي التي جعلت مني حاصلا على هوية الكتابة الإبداعية، والسبب الأول لحدوث ذلك، يكمن في قراءاتي التي ركّزتُ فيها على الأفكار (الجديدة، الجادة، العميقة)، تلك التي لا تشبه غيرها من الأفكار.

حيث منحتني فرصة أخرى لتجديد العقل، وفتحت أمامي آفاق التعامل الذكي الفعال مع الواقع، حتى لو كان ضامرا أو فقيرا أو بائسا، فالحياة في الحقيقة تعتمد في بؤسها وغناها على رؤية الإنسان نفسه لها، وعلى تعامله معها، ولا يوجد سلاح أمضى من القراءة (الفكرية العميقة) وليس السطحية، بإمكانه منح الإنسان قدرة الصياغة المتجددة للحياة والأفكار معاً.

اضف تعليق