لي صديق يشبه الأطفال، في براءته وصدقه وعفويته، مشاعره تظهر في وجهه مباشرة، وعمل الخير بالنسبة له كالغذاء الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فاليوم الذي يمر عليه دون أن يساعد أحداً لا يُحسَب من عمره، هكذا كان يردد هذه الجملة في سمعي، ولا يكتفي بذلك، بل يدعم قوله بفعلِ خيرٍ هنا وآخر هناك، بغض النظر عن طبيعة ذلك الفعل، فقد يكون كبيرا وربما صغيرا أو بسيطا، المهم لديه أن يبادر لعمل الخير حتى لقّبه أقرانه بـ (صديق الخير).

مما ضاعف من التقارب بيني وبينه مع مرور الأيام، أنني كنتُ أستمع له يوميا، وهو يحكي لي عمّا قام به من عمل لصالح الناس، وهناك جملة جديدة أخذ يرددها، تعود للكاتب اليوناني كازانتزاكي صاحب الرواية الشهيرة (زوربا)، يقول في هذه الجملة (إذا أردت أن تنقذ نفسك عليك بإنقاذ الآخرين أولاً)..

صديقي قال لي في حكايته عن عمل الخير الذي قدمه هذا اليوم:

بعد منتصف نهار أمس، وضعتُ حاسبتي في الحقيبة وتوجهتُ لعملي، زوجتي أعطتني غلاف قطرة لمعالجة العين سعرها (33) ألف دينارا عراقيا، أي ما يقارب (25) دولارا، وطلبتْ مني أن اشتريها لها من صيدلية متخصصة ببيع أدوية العيون، قلتُ لها ربما أنسى بسبب مشاغلي الكثيرة، ولكن سأحاول شراءها لك، بعد ساعات طويلة مضنية في العمل تسبّبت لي بصداع شديد، عدتُ أواخر العصر في الطريق المعتاد إلى بيتي.

نسيتُ تماما قطرة العين التي أوصتني بجلبها زوجتي، نسيتها رغم أهميتها القصوى كي تقلل ضغط عينها، فكّرتُ أن أعود للصيدلية لكن الصداع منعني، وقبل أن أصل البيت أشار لي طفل يتجاوز عمره (10) سنوات بيده فأوقفني، كانت معه أمه وثلاثة أطفال آخرين، الطريق كان رمليّا ولا يوجد فيه خط لسيارات الأجرة، وكان الغبار يلوّث الهواء، ورغم الصداع الذي كنت أعاني منه، أوقفتُ سيارتي بجانب الطفل، اقتربت مني أمه وقالت: نريد أن نصل إلى الحي (الفلاني)، الحي يبعد عن بيتي مسافة نصف ساعة بالسيارة، لكنني لاحظت قلّة السيارات بل انعدامها وصغر الأطفال وقلق المرأة والتعب الواضح عليها، فقلتُ لهم: تفضلوا اصعدوا.

ركب إلى جانبي طفلان وفي الخلف المرأة وطفلة وطفل، وبدأت الأم تسرد لي صعوبات الحياة التي تواجهها، فهم يسكنون في حيّ جديد لا خدمات فيه، لا كهرباء ولا ماء، ولكنهم اضطروا للسكن بسبب غلاء تأجير البيوت، وزوجها يعمل بأجر يومي حكومي قليل، المرأة قالت بالحرف إنني لم أعد أطيق هذه الحياة، تعبتُ منها، يوميا أسندُ ظهري للجدار وأبكي كثيرا، كلّنا نتكدس في غرفة، بُعنا كلّ شيء كي نتخلّص من الإيجار. أطفالها في المدارس، حياتهم كما أغلب العراقيين في غاية الصعوبة.

يواصل صديقي كلامه: من خبرتي في الحياة، عرفت أن هذه المرأة صادقة، فعرضتُ عليها بعض المهن التي قد تناسبها مقابل أجر قد يسد جانبا من احتياج العائلة، لكنها لم تجب بوضوح، فتركتها وشأنها، وصلنا إلى الحي المقصود، وأوصلتُ المرأة وأطفالها إلى باب دارهم، قبل أن تنزل أعطتني أجرة (3) آلاف دينار، فلم استلم منها الأجرة ورفضتُ ذلك بشكل قاطع لكنها أصرّتْ بشكل غريب وأعطت الأجرة لطفلها الذي يجلس إلى جانبي في المقعد الأمامي، وعندما رفضتُ ذلك، ألقى الطفل بالأجرة فوق (دشبول السيارة) وفرَّ بسرعة من السيارة، نزلتُ من سيارتي وطلبتُ من المرأة برجاء أخير وأقسمتُ لها أنني لستُ سائق أجرة ولن أتقاضى أجراً، عند ذاك رضختْ لرجائي واستعادتْ المبلغ.

عدتً إلى البيت في طريق آخر، رأسي يكاد ينفجر، فكرتُ مع نفسي أنني قمتُ بعمل صالح، وان هذه المرأة التي لا تعرفني ولا أعرفها، سوف يبقى لديها أمل بالحياة وبالناس، وأن أطفالها سوف يتعلمون مساعدة الآخر، كنتُ لا أزال ناسيا قطرة زوجتي، طريق العودة قادني بشكل غير مقصود إلى صيدلية العيون المتخصصة التي أجد فيها (قطرة عين زوجتي)، فشكرتُ الله على ذلك، وركنت السيارة مقابل الصيدلية، وركضتُ إليها وطلبتُ القطرة (الأصلية صنع بلجيكي)، فبحث الصيدلي في الرفوف وقال نعم موجودة، وعندما سألته عن السعر قال (20 ألف عراقي)، فوجئت بهذا التخفيض، وشكّكت بمفعول القطرة، ولاحظ الصيدلي تردّدي فقال: في الشهر الماضي كانت بـ (30 ألف عراقي)، لكن حدث تخفيض فيها، فأصبح سعرها من المصدر (20 ألفا)..

يقول صديقي رجل الخير: فكّرتُ أنّ العائلة هي التي قادتني إلى هذه الصيدلية، لأنني كنت ناسيا أصلا قطرة زوجتي، ثم جاء هذا التخفيض الكبير (10 آلاف دينار).. فعادت لي أجرة العائلة أضعافا من دون أن أفكر بها أو أسعى إليها...

افعلوا الخير تجدوه أمامكم.......

اضف تعليق