في بداياتي الأدبية، بدأتُ أتقرّب من أحد المبتدئين، كان يحب الشعر ويحفظ منه الكثير، ويكتبه، وكان يصغرني بسبع سنوات، وهذا الفارق كنتُ متعمدّا في اختياره، لكي أبدو أكثر نضوجا منه، تطورت علاقتنا وبدأتُ ألتقي عن طريقه بكتاب وأدباء مبتدئين آخرين، ومع الوقت وبالتدريج استطعت أن أجد لي مكانا واثقاً بينهم.

كنّا بحدود سبعة أدباء، يتوزعون على الشعر والقصة والمسرح، ذات جلسة قال أحدهم (إن الحقد يقود الإنسان إلى النجاح)، وأضاف (الإنسان النمّام هو أسرع الناس تحقيقاً لأهدافه!!) ثم قال: (أما الحسد فيجعل صاحبه في القمة)، صدمتني هذه الآراء، كأنها صفعة وُجِّهت لي، فأنا شاب في العشرين، لم يعتد مطلقاً ضرب الثوابت، وتربيتي كانت لا تسمح لي مجرد التفكير بمثل هذه الآراء الصادمة، فالحقود والنمام والحسود (هو الذي لا يسود)، كيف ينجح إذن؟؟

تذكرتُ أحداثاً حكاها لنا أبي ذات يوم حول رجل يجمع بين (الحقد والحسد والذمّ)، وطلبتُ من مجموعة الأدباء أن أقصَّ عليهم حكاية أبي، كانت ثقتي قد نمت وتطورت، ومكانتي بينهم تأصّلت، فبدأت أحكي لهم الحكاية:

أشيع عن رجل في إحدى القرى الكبيرة، أنّ حسدهُ يُؤتي أُكُلُه على الفور، أي أنه حين يحسد أحداً، فإن المحسود يتعرض للخطر بشكل فوري، ففي إحدى المرات، وكان الحسود يجلس بين عدد من أقرانه، مرّ بهم راعٍ ذاهب بأغنامه إلى المرعى، فطلب أحد الجالسين من الحسود أن يطلق رصاص حسده على الراعي، ولم يتوانَ الحسود فنظر إلى قطيع الأغنام نظرة ظامئة، فصرع على الفور نعجة حُبلى، ماتت هي وما تحمل في بطنها.

رأى أقرانه ما حدث بأعينهم، وبدأت القرية كلها تتحدث عن ذلك، وأخذ الفلاحون وشيوخ القرية الكبار يتودّدون للحسود، ويخشونه ويحابونه ويمتدحونه تحاشيا لسهام حسده الخارقة.

الحسود نفسهُ عُرف بحقده العجيب، فهو في مناسبة أو من دونها، ينظر لغيره من الناس على أنّهم منعّمون أثرياء، ومع أنه ثري ويمتلك أطيانا وأراضٍ وسيارات، لكن الحقد يملأ قلبه حتى على فقراء القرية، ويحسدهم على ممتلكاتهم البسيطة التي بالكاد تساعدهم على سد رمقهم كل يوم بيومه، فلا مدّخرات لديهم ولا ثروات كالثروة التي يمتلكها الحسود الحقود.

لم يكتفِ الرجل الحسود الحقود بما يمتلك من ثروة، ولم يكفِهِ حسده وحقده على الناس، فامتطى صفة ثالثة أشد فتكاً، حيث اعتاد النميمة، بل انشغل عن حسد الآخرين والحقد عليهم بهذه الصفة الفتّاكة، وصار يقضي يومه متنقّلا بين كبار شيوخ القرية، متجولاً بين القبيلة والأخرى، مقوِّلا إحداها على الأخرى، فأشعل الفتنة فيما بينهم، وتضاعفت الضغائن، واشتعل الاحتراب، وتحوّلت القرية إلى ساحة حروب في الليل والنهار.

الرجل النمّام كان هو الفائز الوحيد من بين الجميع، فهو يبدو حريصا على شيخ هذه القبيلة وتلك، ويحصد محبة هذا وذاك، وأكثر من ذلك يحصل على هدايا من الأطراف التي نمَّ فيما بينها، زاد ثراؤه، وتضخّمت أملاكه، فيما أهدر شيوخ القبائل المتحاربة أموالهم ورجالهم على معارك لا طائل منها سوى الخراب.

في أوج ازدهار النمّام ضربهُ مرض خبيث، طرحهُ في الفراش لشهور، فقد خلالها ثلث وزنه وأكثر من ربع ثروته، وخفتتْ نميمته، وخفَّ الاحتراب، وحصل الشيوخ على فرصة للقاء والتحاور والتفاهم وتم كشف أحابيل الرجل النمام وأكاذيبه التي أوقعت فيما بينهم، سارع الرجال الكبار إلى وأد الفتنة، وجففوا بؤر التعصّب، وحاصروا النميمة بوعي وتحسّب بعد التجربة المريرة التي عانوها بسبب الرجل النمّام.

مع الوقت بدأ الوئام يعود للقرية وقبائلها، فيما تراجعت صحة الرجل النمام وأخذ المرض الخبيث يأكل خلاياه الناصحة، وتوقّف لسانه عن النميمة ليس توبة، وإنما إجباراً، وحين عرف المتحاربون أن ما حدث بينهم بسبب الرجل النمّام، وهي أحابيل لا صحة لها في الواقع، قاطعوه جميعا، ونبذوه، لم يزره أحد حتى في أواخر أيامه، بل ذهب بعضهم إلى إقامة الحدّ عليه، فهو في نظرهم رجل يستحق القتل بسبب حقده وحسده ونميمته التي تسببت بمقتل رجال من كل القبائل في القرية.

تداولوا أمر عقاب الرجل الآيل إلى الموت، ثم قرروا الاكتفاء بنبذه، وتركه يموت وحيدا، بعد أن أكل جسده المرض الخبيث....

واحد من أقرانه فقط، قرر أن يزوره قبل الموت، فذهب إلى بيته، ودخل على غرفته وهو طريح الفراش، في وقتها لم يرَ الزائر إنسانا، بل كان شبحاً لا أكثر، أو كومة من عظام مسجّاة على فراش رثّ، يحفّ بها البراز والبول والرائحة النتنة من كل صوب....

بدا هيكله العظمي فاقدا للحركة، عيناه الخابيتان فقط، تحركتا حركة دائرية خائبة حزينة متسائلة حائرة، وحين سلّم عليه الزائر، لم يستطع أن يردّ السلام عليه، سأله، ما الذي خرجت به من الحقد والحسد والذمّ؟، لم يستطع تحريك لسانه، بالكاد فتح كفّهُ عن أصابع عظمية لا يكسوها لحم، وراحة يد سوداء ينهشها الفراغ والفقدان والمرض.

اضف تعليق