يُعد علم الأصول من العلوم الإسلامية الخالصة، وهو نتاج العقل الإسلامي من دون أن يشاركه فيه أحد، ولم يكن هذا العلم في بدايته علماً مستقلاً؛ بل كان متداخلاً مع علم الفقه، ثم تحول إلى علم مستقل بذاته، له مادته وموضوعه وقواعده ومنهجه.

وقد تطور مع تعاقب القرون استجابة لحاجات الفقيه في معرفة الأحكام الشرعية، نظراً لاتساع المجالات والمواضيع الفقهية المتجددة، وهو الأمر الذي يرتكز أساساً على منهج البحث العلمي الدقيق الذي يرسمه علم الأصول.

ويعتبر الإمام الباقر (عليه السلام) هو المؤسس لعلم الأصول، يقول الشيخ باقر شريف القرشي (رحمه الله): «من العلوم التي فتق أبوابها الإمام الباقر (عليه السلام) علم الأصول، وهو من أجَّل العلوم الإسلامية بعد علم الفقه، لأن الاجتهاد يتوقف عليه، فإنه لا يكون المجتهد قد حصل على ملكة الاجتهاد حتى يجتهد في بحوث هذا العلم.

وقد اتفق البحاث والعلماء على أن الإمام أبا جعفر (عليه السلام) هو أسبق من أسس هذا العلم، وأرسى قواعده»[1].

ويقول السيد حسن الصدر (رحمه الله): أول من فتح بابه وفتق مسائله هو باقر العلوم الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر، وبعده ابنه أبو عبد الله الصادق، وقد أمليا فيه على جماعة من تلامذتهما قواعده ومسائله، جمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب مباحثه ككتاب أصول آل الرسول وكتاب الفصول المهمة في أصول الأئمة وكتاب الأصول الأصلية، وكلها بروايات الثقات مسندة متصلة الإسناد إلى أهل البيت (عليهم السلام)[2].

ومع أنه لم ينشر ما أملاه الإمام الباقر (عليه السلام) في علم الأصول في كتاب مستقل، إلا أن علماء الإمامية قاموا بجمعها وترتيبها على مباحث علم الأصول على شكل روايات موثقة، ومسندة ومتصلة الإسناد بأئمة أهل البيت (عليهم السلام).

قواعد في علم الأصول

أسس الإمام الباقر (عليه السلام) مجموعة من القواعد الأصولية، أو نقلها عن آبائه الطاهرين، والتي يرجع إليها الفقهاء عند عدم توافر النص على الحكم الشرعي. وبعض هذه القواعد قواعد فقهية أو مشتركة بين الفقه والأصول؛ إلا أن علماء الأصول أدرجوها في علم الأصول. ومن أهم القواعد التي أرسى بنيانها الإمام الباقر (عليه السلام) ما يلي:

1- قاعدة الاستصحاب:

الاستصحاب هو حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العلمي.

ولأجل توضيحه بالمثال تقريباً إلى الأذهان نقول:

إذا كان المكلف على حالة معينة وكان متيقناً منها ثم شك في ارتفاعها، فإن الشارع المقدس -هنا- يحكم عليه بإلغاء الشك وعدم ترتيب أي أثر عليه، والقيام بترتيب آثار اليقين السابق في مجال العمل والامتثال.

كما إذا كان المكلف على وضوء وكان متيقناً من ذلك، ثم شك في انتقاض وضوئه هذا بنوم أو غيره، فإنه -هنا- يبني على وضوئه السابق ويرتب عليه آثار الشرعية من جواز الصلاة به وغيره ويلغي الشك الطارئ عليه، بمعنى أنه لا يرتب عليه أي أثر[3].

وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) العديد من الأخبار التي يفهم منها إرساء قاعدة الاستصحاب والتي تفيد بعدم نقض اليقين بالشك ومنها:

أ- ما رواه زرارة بن أعين في الصحيح أنه قال: قلت له: - أي للإمام الباقر (عليه السلام)- الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن، فإذا نامت العين والأذن والقلب وجب الوضوء.

قلت: فإن حرك في (على) جنبه شيء وهو لا (لم) يعلم به؟

قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجيء من ذلك أثر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض (تنقض) اليقين أبداً بالشك، ولكن (وإنما) ينقضه (تنقضه) بيقين آخر[4].

ب- ما رواه زرارة أيضاً المتضمنة أحكام شكوك الصلاة، قال: سألت الإمام أبا جعفر الباقر (عليه السلام): من لم يدر في أربع هو أو في اثنتين وقد أحرز الاثنتين؟

قال: يركع ركعتين وأربع سجدات -وهو قائم- بفاتحة الكتاب ويتشهد، ولا شيء عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها ركعة أخرى، ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك باليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنه ينقض الشك في اليقين، ويتم على اليقين فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات[5].

وتوجد روايات أخرى كثيرة عن الإمام الباقر (عليه السلام) تشير إلى حجية الاستصحاب، وبذلك يكون الإمام (عليه السلام) قد أرسى هذا الأصل العملي الذي يرجع إليه الشاك في مقام العمل. علماً بأن الاستصحاب لا يجري حتى يتوفر في المستصحب اليقين السابق والشك اللاحق.

2- قاعدة التجاوز:

وتعني هذه القاعدة الحكم بوجود الشيء المشكوك بعد الدخول في غيره مما هو مترتب عليه، كما إذا شك في القراءة وقد ركع، وقد تظافرت الأخبار عن الإمام الباقر (عليه السلام) وولده الإمام الصادق (عليه السلام) في عدم العناية بالشك والمضي في الصلاة[6].

وما يفيد في إثبات هذه القاعدة ما ورد في موثقة إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه»[7] فالرواية تدل على عدم اعتبار الشك بعد التجاوز عن محل الجزء المشكوك فيه.

3- قاعدة الفراغ:

وتفيد الحكم بصحة العمل المركب الذي شك في صحته بعد الفراغ منه، كالشك في صحة الصلاة (لاحتمال الخلل)، فيحكم بصحة الصلاة وتماميتها، ولا يترتب الأثر على الشك.

ولا تختص القاعدة بالطهارة والصلاة، بل تعم جميع العبادات بل المعاملات كافة[8].

وقد استفيدت هذه القاعدة مما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام)، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كلما شككت فيه بعد الفراغ من صلاتك فامضِ ولا تعد »[9] فالرواية تدل على أن كل صلاة شك في صحتها بعد الفراغ فيها يحكم بصحتها وتماميتها.

وفي موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كلما شككت فيه مما مضى فامضه كما هو »[10] دلت على الحكم بالصحة والتمامية بالنسبة إلى العمل الذي شك فيه بعد الفراغ عنه، أعم من أن يكون المشكوك هو جزء العمل أو تمامه؛ وذلك لعموم الأدلة، ومن الأدلة العامة قوله (عليه السلام): « كلما شككت » في هذه الرواية، فيشمل جميع أقسام المشكوك [11].

ونكتفي بهذه القواعد كنماذج لما ساهم به الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في علم الأصول، حيث استفاد الأصوليون مما ورد في مروياته الكثير من القواعد الفقهية والأصولية.

........................................
الهوامش:
[1] موسوعة سيرة أهل البيت: الإمام محمد الباقر، ياقر شريف القرشي، ج17، ص 238.
[2] الشيعة وفنون الإسلام، السيد حسن الصدر، ص 95.
[3] مبادىء أصول الفقه، د. عبد الهادي الفضلي، دار الغدير، بيروت، طبع عام 1427هـ - 2006م، ص 122.
[4] جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، ج2، ص 350، رقم 2328.
[5] الاستبصار، الشيخ الطوسي، ج1، ص 370 - 371، رقم 1417.
[6] موسوعة سيرة أهل البيت، الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، باقر شريف القرشي، ج17، ص 239.
[7] الاستبصار، الشيخ الطوسي، ج1، ص 357، رقم 1360.
[8] القواعد الفقهية، د. السيد كاظم المصطفوي، دار المصطفى العالمية، قم، الطبعة الأولى 1430هـ، ص42.
[9] الوسائل، الحر العاملي، ج8، ص246، رقم10551.
[10] الوسائل، الحر العاملي، ج8، ص238، رقم10526.
[11] القواعد الفقهية، د. السيد كاظم المصطفوي، دار المصطفى العالمية، قم، الطبعة الأولى 1430هـ، ص44-45.

اضف تعليق