حقوق لا مكرمات

حتى يغيروا (7)

نزار حيدر

    الثقافة الجديدة، هي التي نبني بها العراق الجديد.

   هذا ما اتفقنا عليه في الحلقات الماضية من هذه القراءة.

   وقلنا بان من الثقافات التي يحتاجها العراق الجديد، هي؛

  اولا: ثقافة الحياة

  ثانيا: ثقافة التعايش

  ثالثا: ثقافة المعرفة

  رابعا: ثقافة الحوار

  خامسا: ثقافة الجرأة

  سادسا: ثقافة الحب

  سابعا: ثقافة النقد

 

ثامنا: ثقافة الحقوق

   يولد الانسان، وتولد معه حقوقه، وتظل تنمو وتكبر كلما نما الانسان وكبر، حتى اذا مات وارتحل عن هذه الدنيا، وانتهى عنه ومنه كل شئ، ظلت له حقوقا يجب ان تحترم، فلا يجوز تجاهلها ابدا، لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية الاخلاقية.

   هذا يعني ان الله تعالى خلق حقوق الانسان قبل ان يخلق واجباته، ولذلك يجب ان تكون القاعدة الجديدة في العراق الجديد، هي، الحقوق اولا، اي، علينا ان نمنح المواطن حقوقه اولا قبل ان نساله عن واجباته، بالضبط كالطالب في المدرسة، اذ لا يحق للمعلم ان يساله عن اداء واجباته المدرسية قبل ان ينال قسطه من حق التعليم، اليس كذلك؟.

   لقد عاش العراقيون عقودا طويلة ضاعت فيها حقوقهم، بل ابسط حقوق المواطنة، فسحق النظام البائد حقوق المواطن كانسان، فظل يتعامل معه وكانه ليس بشرا، وفي احسن الفروض كان يتعامل معه كمواطن من الدرجة الثالثة فما فوق، وان اغلب العراقيين تعامل معهم النظام البائد كرعايا في وطنهم.

   وبسبب سياسة التمييز التي مارسها النظام البائد، ضاعت على المواطن بوصلة الحقوق، فلم يعد يعرف ما الذي له وما الذي عليه، لانه لا يسمع الا عن حقوق (القائد الضرورة) ولا يسمع الا عن واجباته ازاءه وازاء الاجهزة القمعية التي تعد عليه انفاسه.

   وفي تطور خطير، تحولت حقوق المواطن العراقي الى مكرمات يهبها (السيد الرئيس) على رعاياه، فان شاء وهب وان شاء منع.

   فالسلطة تعتقل من دون سبب، وليس من حق احد ان يسال لماذا؟ وقد تعدم المعتقل او تدفنه حيا في مقبرة جماعية، من دون ان يعرف احد لماذا؟ وكيف؟ واذا صادف ان اطلق سراحه بقدرة القادر العليم، فان ذلك مكرمة من (السيد الرئيس) والا فان من حقه ان يتركه في السجن ليخيس وينسى ذكره، او ان شاء الطاغية الصغير ان ينظف السجون فيامر بقتل المتبقين، كما حصل ذلك عدة مرات.

   اما في العراق الجديد، فليس هناك شئ اسمه مكرمة، وانما حقوق للمواطن يجب ان ينجزها الحاكم رغما عن انفه، لان مهمته في موقع المسؤولية، هي ان يصون حقوق الناس ويعطي المواطن حقوقه.

   لشد ما اهتز من اعماقي عندما اسمع مواطنا عراقيا يظهر على شاشة احدى الفضائيات العراقية، وهو يقدم الشكر والثناء واجل فروض الاحترام والاكبار لهذا المسؤول او ذاك، لانه تكرم على المواطنين واعطاهم قطعة ارض او نصب لهم اعمدة الكهرباء او نظف شارعا او اعاد ترميم مدرسة، وهكذا.

   ايها العراقيون، انسوا عبارة (مكرمة) ولا تذكرونها على السنتكم، ابدا، ارجوكم، لننسى عهد الظلم الذي ولى.

   امحوا عبارة (مكرمة) من قاموس كلماتكم، فليس في العراق الجديد مكرمات يهبها المسؤول للناس، بل واجبات عليه ان ينجزها ووحقوق عليه ان يصونها، والا فليرحل عن موقعه، وليتركه للاقدر على صيانة حقوق الرعية، وللاكفأ في تنفيذ الواجبات.

   تحدثوا عن حقوقكم، وليشكر متحدثكم المسؤول ليس لانه تكرم عليهم بالماء الصالح للشرب او بالكهرباء او بقنينة الغاز، لا، وانما لانه سعى من اجل ان يعطيهم بعض حقوقهم، وانما نشكره من باب {من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق} فنطالبه بالمزيد من حقوقنا وليس بالمزيد من المكرمات.

   ليس في العراق الجديد مكرمة، ولا اريد ان اسمع هذه العبارة على السن من يتحدث من العراقيين ابدا، ارجوكم.

   يجب ان نغير الثقافة التي تنتج عقلية المكرمة، هذه العقلية التي تنتج رعايا خانعين للاستبداد، قانعين به، وليس مواطنين بحقوق وواجبات.

   ان المسؤول كالشمعة، يجب ان يحرق نفسه من اجل اعطاء الناس حقهم في العيش الكريم والحياة الحرة، ومن اجل ان لا يهضم حق احد فيعيش المواطن بلا كرامة، وان من لا يقدر من المسؤولين على ذلك، فليرحل من مكانه وليترك موقعه لاهله، ممن يقدرون على اعطاء الناس حقوقهم.

   ان السلطة التي تفشل في تحصين حقوق المواطنين عليها ان ترحل، فكرامة المواطن بحقوقه، فاذا لم يحصل على حقوقه من الدولة فماذا بقي منها ومن مصداقيتها؟.

   نحن لا نريد السلطة لنصفق لها، ولا نريدها للفرجة، ولا نريدها لسرقة المال العام او العبث بارواح المواطنين او التمتع بخيرات البلاد دون الاخرين، وانما نريدها لتحمي حقوق الناس وتعطيهم ما لهم من حقوق، ثم بعد ذلك تسالهم عن واجباتهم.

   وان من حقوق الانسان، ان تكون كل اسباب الحياة الحرة الكريمة في متناول يده، اذ يجب ان يكون المواطن قادرا على ان يحصل على الفرصة المناسبة للتربية والتعليم والصحة والبيئة الممتازة والامن والفرص المتكافئة التي يجب ان تكون متاحة امام الجميع من دون تمييز على اساس العرق او الدين او الطائفة او الاتجاه الثقافي او الفكري او الانتماء السياسي.

   ان من حق المواطن، اي مواطن، ان يحصل على فرصته بالكامل، ليتعلم ويرتقي في مدارج التعليم ليصل الى اعلاها بكفاءته وقدراته العلمية، كما ان من حقه ان يعمل ويتاجر ويبيع ويشتري ويكسب المال الحلال بالطريقة التي تعجبه في اطار القانون والدستور، فلا تمنعه الحكومة بسبب اللون او الجنس او القومية او الحالة الاجتماعية او التمييز المناطقي او الانتماء السياسي، فطلب العلم شئ، والعمل السياسي شئ آخر، كما ان العمل والكسب وطلب الرزق شئ، والانخراط في الشان العام شئ آخر.

   ومن اجل ذلك:

   اولا: يجب ان يعرف المواطن حقوقه، حتى لا تختلط عليه المفاهيم، وذلك من خلال الاطلاع والتعرف عليها بكل الطرق والاساليب والوسائل.

   عليه ان يقرا حقوقه التي كفلها له الدستور والقانون، كما ان من واجبه ان يسال عن حقوقه حتى لا تضحك عليه الدولة او يسرقها لص او دجال.

   على كل مواطن عراقي ان يتثقف بثقافة الحقوق، من خلال القراءة والاطلاع والسؤال، لان من يجهل حقوقه يسهل على الاخرين هضمها وسحقها، او على الاقل اخفاءها عليه، فلنقرا لوائح حقوق الانسان التي نصت عليه رسالات السماء ومناهج البشر، فنقرا مثلا رسالة الحقوق للامام علي بن الحسين السجاد زين العابدين عليه السلام، والتي تشمل على (52) حقا في شتى المجالات ومختلف القضايا الاجتماعية والحياتية.

   لقد سعى الاسلام ورسوله الكريم وائمة اهل البيت عليهم السلام الى ان يعرفوا حقوق الانسان بالتفصيل، من اجل ان يتعلمها فلا يجهلها، لان القاعدة والحقيقة المطلقة تقول، ان من لا يتمتع بحقوقه لا يمكن ان يعيش بكرامة، فلا كرامة من دون حقوق، واذا تذكرنا بان هدف الرسالات السماوية الاسمى هو تحقيق كرامة الانسان {ولقد كرمنا بني آدم} عندها نعرف لماذا تصر الرسالات السماوية على تعريف الانسان بحقوقه، كما تصر على ان يتمتع بحقوقه كاملة غير منقوصة.

   ثانيا: عليه ان يطالب بها ليل نهار، ولا بد من تاسيس مختلف الاتحادات والجمعيات للمطالبة بحقوق المواطنين، ولنتذكر دائما بانه ليس في العراق من ليس له حقا، ابدا، فلكل مواطن حق، صغر ام كبر، المهم ان له حقا، فلا يجوز تجاهله او سحقه.

   حتى المجرم له حقوقا في العراق الجديد، فلا يهان عند الاعتقال، ولا يضرب او يعذب في السجن، ولا تنتهك كرامته في المعتقل، ولا يمنع عنه شئا من اموره الخاصة، وهكذا.

   ثالثا: على المواطن ان يعرف كيف يتصرف بحقوقه، فلا يفرط بها او يستهزئ بها او يتنازل عنها، الا لمصلحة اكبر واهم تتعلق بالمصلحة العليا للبلد، وهذه يجب ان تكون حالات نادرة وليست القاعدة، وان يكون ذلك بارادته وليس بارادة الغير(الدولة مثلا).

   ان حقوق الانسان واجب عليه، فلا يحق له ان يفرط بها، لان ذلك يشجع الجشعين على التصرف بحقوق غيرهم، وتاليا يشجعهم على التجاوز على حقوق الاخرين، ولقد سئل فرعون عن سبب تفرعنه، فاجاب، لان الناس لم يرفضوا باطلا، تمثل في اعتدائي على حقوقهم، او يستنكرون حقا هو لغيري تصرفت به لنفسي، ولذلك فان على كل مواطن ان يحترم حقوقه فلا يفرط او يستهين بها.

  رابعا: يجب ان نتذكر دائما بان مصلحة الوطن من مصلحة المواطنين والعكس هو الصحيح، وان من يحاول ان يخلط الاوراق فيتحدث عن الوطن بلا مواطن، او ان يحرص على حق الوطن من دون حق المواطن، فهو دجال يحاول ان يظلل الناس، ولو كان صادقا فليتنازل هو (المسؤول) عن حقوقه من اجل حق الوطن، ولا يطالب المواطنين بالتنازل عن حقوقهم.

   لقد كان الطاغية المقبور صدام حسين يحاول ان يتلاعب بمشاعر الناس، وكلنا يتذكر كيف انه كان يتباكى على حليب الاطفال ايام الحصار عندما كانت الامم المتحدة ترفض التوقيع على قوائم الغذاء والدواء مقابل النفط لانه كان يحشوها بسلع ممنوع عليه استيرادها، فكان يبادر الى قطع جزء من معاشات الناس المساكين والفقراء، بحجة التعويض عن النقص في الحليب الذي كان يقول بانه يشتريه من السوق السوداء، ولكنه لم يبادر، ولا مرة واحدة، الى التنازل عن احدى سياراته، مثلا، ليشتري بثمنها حليبا للاطفال، ما يعني انه كان كاذبا يحاول التلاعب بمشاعر الناس فقط، ولو كان صادقا وجادا بما يقول لبادر وتنازل عن بعض حقوقه، فلا يمنع الناس حقوقهم.

   ان كل مسؤول لا يتحدث عن حقوق المواطنين، ويقتصر بحديثه عن واجباتهم او حقوقه فقط، فهو دجال، يريد خداع الناس وايهامهم.

   وان النائب (في البرلمان) الذي يتهالك ويقاتل لتثبيت حقوقه في القانون قبل ان يثبت حقا واحدا من حقوق الرعية التي ائتمنته يوم ان انتخبته، فهو دجال.

   المسؤول الصادق هو الذي يتحدث عن حقوق الناس قبل حقوقه، وعن واجباته قبل ان يتحدث عن واجباتهم.

   فهذا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، عندما خطب بالرعية بعد انتخابه فورا، تحدث اول ما تحدث عن حقوق الناس وواجباته هو كراعي لهذه الامة، فقال عليه السلام {ايها الناس، ان لي عليكم حقا، ولكم علي حق، فاما حقكم علي، فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتاديبكم كيما تعلموا، واما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والاجابة حين ادعوكم، والطاعة حين آمركم}.

   نحن لا نريد ان ننفي واجبات الناس ازاء الحاكم، كما اننا لا نريد ان ننكر على المسؤول حقوقه، ابدا، فالامر بحاجة الى عملية موازنة دقيقة حتى لا يظلم احد وان القاعدة الفقهية تقول {لا تظلمون ولولا تظلمون} ولكن، وبسبب تراكم الظلم على العراقيين، لذلك يجب ان نتحدث عن حقوقهم مرة واخرى وثالثة، قبل ان نتحدث عن حقوق السلطة، وان نتحدث عن واجبات الاخيرة مرة وثانية وثالثة قبل ان نتحدث عن واجبات المواطن.

   اليس من المعيب حقا ان المواطن العراقي لا زال لم يحصل على معشار حقوقه من الحياة الحرة الكريمة، بالرغم من مرور اكثر من خمس سنوات على سقوط الصنم؟ واذا قال قائل بان الظروف لا زالت صعبة لم تسمح للحكومة ان تنجز واجباتها، فاقول، لماذا سمحت الظروف في ان يتمتع المسؤول بكامل حقوقه، ولم تسمح للمواطن ان يتمتع بابسطها؟ الا يعني ذلك بان الحكومة مهتمة بحقوقها اكثر من اهتمامها بحقوق الناس؟ ولكن لننظر الى امير المؤمنين عليه السلام ماذا يقول؟ انه يقول {ااقنع من نفسي بان يقال؛ هذا امير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، او اكون اسوة لهم في جشوبة العيش؟} لماذا؟ لانه كان مهتما بحقوق رعيته اكثر من اهتمامه بحقوقه، بل انه لم يفكر بحقوقه كراعي ومسؤول لا زالت الرعية والناس لم يتمتعوا بحقوقهم بعد.

   خامسا: ان على الانسان العراقي ان يتذكر بان ما يقدمه المسؤول له من انجاز انما هو واجبه الذي يؤديه ازاء الرعية، ولذلك فلا يحق للمسؤول، كائنا من كان، ان يمن على الناس اذا ما انجز لهم شيئا، لان ما ينجزه ليس ملكا لابيه او ارثا من امه، انما المال مال الله من حق الناس، كل الناس من دون تمييز.

   لقد اوصى الامام علي عليه السلام مالك الاشتر رضوان الله عليه، في ذلك بقوله {واياك والمن على رعيتك باحسانك، او التزيد فيما كان من فعلك، او ان تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فان المن يبطل الاحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله وعند الناس}.

   ان المسؤول الذي يمن على الناس، ويحسب حقوقهم فضلا منه عليهم، انما يتمثل بالنهج الاموي الذي قال فيه كبيرهم معاوية بن ابي سفيان مرة (الارض لله، وانا خليفة الله، فما اخذت فئ، وما تركته للناس فالفضل مني).

   ان لكل مواطن الحق في ان يتمتع بخيرات بلاده، وبالتساوي ومن دون تمييز، خاصة ما يدره النفط من خيرات والتي يجب ان يلمسها المواطن في شتى مجالات الحياة كالتربية والتعليم والصحة والرفاهية والخدمات الحياتية وتحسين المستوى المعاشي وتحسين البيئة ونظام التامين الاجتماعي ورعاية العجزة والمسنين والايتام والارامل وضحايا النظام البائد، والا بالله عليكم، هل يعقل ان نرى في العراق الذي فيه كل هذه الخيرات التي حباها به الله العزيز، ايتاما لا يجدون لقمة تسد رمقهم قبل ان يناموا في كل يوم؟ او ان نجد فيه المرضى والعجزة والارامل والمحتاجين الذين لا يجدون رعاية من احد؟ وهل يعقل ان نرى يوميا منظر امهاتنا وهن يحملن قناني الغاز الفارغة يجبن بها في شوارع المحلات بانتظار سيارة الغاز ليحصلن على قنينة مملوءة؟.

   شخصيا، فانا لم اجد للان ام مسؤول تحمل قنينتها الفارغة بحثا عمن يملاها لها، ولم ار اب احد المسؤولين يقف في الطابور ليحصل على رتيلات (تصغير لترات) من البانزين او النفط الابيض ليقضي بها حاجة عياله، ولم ار اخ او ابن او زوجة او بنت احدهم، يصطفون على خباز او بقال كبقية الناس الغلابة الاخرين، اتعرفون لماذا لم ار، او ترون، مثل هذه المناظر؟ ببساطة متناهية، لان جل عوائل المسؤولين العراقيين لا يعيشون في العراق، وانما في عواصم العالم وبكل رفاهية واطمئنان.

   لقد سمعت مرة احد المسؤولين (ممن تعيش عائلته في احدى عواصم العالم) ينصح العراقيين عبر احدى الفضائيات، بالتاقلم والتعايش مع الارهاب ومناظر القتل اليومي والدمار العشوائي، كما تعايش اليابانيون مع الزلازل، على حد وصفه، فتساءلت مع نفسي، وقلت، ترى، لو كانت عائلته في العراق الان تعيش وسط الابرياء الذين يتعرضون للقتل والدمار اليومي، هل كان سيتحدث بهذه الطريقة المضحكة المبكية، والتي استغرب منها حتى معد البرنامج الذي فتح فاه فاغرا لا يدري ما يقول؟.

   من جانب، ومن جانب آخر، فاذا كان المسؤول له حقوقا وامتيازات بسبب تصديه لموقع ما، فما علاقة عائلته بحقوقه؟ هل ان الحقوق تسري بالاستصحاب لتشمل عائلته وعشيرته؟ ام ماذا؟.

   لقد ظن عقيل بن ابي طالب مرة، ان من حقه ان يتمتع ببعض الامتيازات الخاصة لانه شقيق الخليفة علي بن ابي طالب، فذهب اليه يطلب منه بعضها، اتدرون ماذا كان جواب الامام عليه السلام؟ لقد احمى له حديدة ثم ادناها من جسمه ليعتبر بها، فضج عقيل ضجيج ذي دنف من المها، فقال له امير المؤمنين عليه السلام {ثكلتك الثواكل، يا عقيل، اتئن من حديدة احماها انسانها للعبه، وتجرني الى نار سجرها جبارها لغضبه؟ اتئن من الاذى ولا ائن من لظى؟}.

   هل علمتم الان لماذا لم يتحسس المسؤولون معاناة الرعية؟ وصدق من قال (الشبعان لا يتحسس بضور الجوعان).

   لنستمع الى الامام امير المؤمنين متحدثا عن حقوق وواجبات الراعي والرعية، بتوازن ونسق عادل قل نظيره، يقول عليه السلام {اما بعد، فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية امركم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق اوسع الاشياء في التواصف، واضيقها في التناصف، لا يجري لاحد الا جرى عليه، ولا يجري عليه الا جرى له، ولو كان لاحد ان يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه} ثم يقول عليه السلام {ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها الا ببعض، واعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم} ثم يضيف عليه السلام {فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه، وادى الوالي اليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على اذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الاعداء، واذا غلبت الرعية واليها، واجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الادغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الاحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد}.

   ومن اجل تحقيق هذه المعادلة الدقيقة والمتوازنة في حقوق وواجبات كلا الطرفين، الراعي والرعية، اي السلطة والناس، يوصي الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، بالتناصح والتعاون، فيقول عليه السلام {فعليكم بالتناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه} على اعتبار ان من مصلحة الجميع ان تتحقق هذه المعادلة المتوازنة، فهي من مصلحة الحاكم كما انها من مصلحة المحكوم، فلماذا لا يحرص الجميع على تحقيقها على ارض الواقع؟.

  يتبع...

[email protected]

شبكة النبأ المعلوماتية- الاحد 17 شباط/2008 - 9/صفر/1429