الفساد البيروقراطي والسياسي

شبكة النبأ: ان الماكنة الإدارية العزوم التي تسحب القوى المتنوعة من النشاطات والفعاليات الحكومية ليست بسيطة كما يبدو للفرد الذي لم يدخل في دواليبها ودهاليزها وممراتها المعقدة، انما هي في حقيقة الامر تراكم من الاجراءات والاحترازات حصل خلال الاف السنين ربما منذ العهد الفرعوني لدى الفراعنة ومعاصريهم من البابليين والآشوريين والميديين والكلدانيين وغيرهم.

وظلت هذه الادارة تتلقى طبقات اخرى من الذي ندعوه اليوم بالروتين الاداري. فالادارة في اي زمن انما هي سلطة في داخل سلطة بالنسبة للاشخاص الاداريين وان كانوا لا يتمتعون بقيادة سياسية او حزبية فان سياستهم وحزبيتهم الوحيدة هي الادارة بكل تفاصيلها الروتينية وتعقيداتها واحترازاتها واوراقها الكثيرة.

فكلما بدت تلك الادارة سهلة وغير ممتنعة كلما صار ضعفها بالنسبة للاداريين واضحا ومهددا لكيانهم الشخصي، وكلما كان معقدا احتاج الى الخبير الاداري ورصن موقعه وثبت ركائزه في عمق ارضها الصلدة.

وهذا التقديم وان بدى منطويا على تحامل بدرجة ما على الادارة البيروقراطية والغمز عليها بالتقصير او الاتهام غير المبرر الا ان الادارة وعلى مدى التاريخ كانت تنوء بمهمة تنظيمية مهمة وخطيرة على شتى الاصعدة ولعل مفهوم الدولة كفكرة رائعة توصل اليها الانسان تجد مصداقها من خلال الادارة فليس هناك دولة بدون ادارة ذات اسس ومبادئ بل ان الدولة هي الادارة بعينها.

ويعزى تطور الدولة القديمة والحديثة الى التفاعل الاداري ومدى تصديه الى القرارات الصعبة والحلول الذكية باتجاه المعضلات والانعطافات التاريخية.

والادارة كعمل وكمفهوم انما يستخدم ادوات واساليب هي في صالح الانسان وتنظيم تعاملاته مع الدولة. اذا فهي التوصيلات الضرورية بين طرفي المعادلة الواقعية بين الحاكم والمحكوم،بين الواجبات والحقوق، بين العمل والامل، وقد ثبت عمليا ان الركون الى الادارة المتخصصة اي بمعنى البيروقراط هو افضل بكثير من الادارة السياسية التي تاتي بادوات غير الادوات الاصيلة التي اعتيد عليها منذ ازمان بعيدة.

ويكمن الفساد للادارة السياسية من تجارب كثيرة، كانت محبطة حتى على مستوى قمم الاحزاب التي تصدت لادارة الدولة من نسق حزبي على طريقة الحصة السياسية في العراق.

ويرى ماركس ان هناك انفصالا بين الدولة والمجتمع وان اجهزة الدولة لا تمثل المجتمع كما ان البيروقراطية كتجسيد للمصلحة العامة تقابل المصلحة الشخصية للافراد هو تعارض وهمي يستخدمه البيروقراطيون لخدمة اوضاعهم الشخصية.

أكد لينين على حاجة الحزب الثوري لقواعد بيروقراطية رسمية لضرورة وجود ضبط مركزي كمبدأمية لضرورة وجود ضبط مركزي كمبدا تنظيمي، وقد ادى ذلك الى انتقادات ادت الى انتخاب افراد ليشغلوا المناصب الادارية سنة 1912.

واعتبر جون ستيورات مل: ان البيروقراطية اخذت دلالات متعددة لا تقتصر على الجهاز الاداري في الدولة شانها شان الديمقراطية او الارستقراطية او ما تدعوه اليوم بحكم التكنوقراط.

وتتاثر ادارات الدولة بالوضع السياسي، واذا ما كانت فرصة للفساد فان وقعها يكون على ارض المؤسسة الادارية اولا وبصورة مضاعفة وكبيرة جدا، بكونها تمسك جميع الخيوط للاستثمار والمشاريع وجميع الانشطة فيما يستشري هذا الفساد الى القطاعات الاخرى ويصنف كقاعدة عامة غير مصرح بها.

ومظاهر الفساد والانحرافات الادارية والوظيفية او التنظيمية والمخالفات التي تصدر عن الموظف العام اثناء تاديته للمهام في منظومة التشريعات والقيم الفردية التي لا ترقى الى الاصلاح يغتنم الفرصة للاستفادة من الثغرات وتبدا بعدم احترام الوقت وافشاء اسرار الادارة من اجل المنفعة الشخصية، وذلك لان السر الاداري عملة ذهبية له من يشتريه من المضاربين والمقاولين ومهندسي مشاريع ومنشآت وبنى متنوعة، سواء في القطاع الانتاجي او الخدمي.

ولعل السباق والتنافس على الفساد بين الادارة التقليدية للدولة وبين الادارة السياسية التي تشاطر الادارة القديمة المكان او البناية الواحدة، فيما ياخذ كل طرف بتنسيق غير معلن حصته

 من الاموال العامة ويغض الطرف عن شريكه الافتراضي وقد يتعاطيا اسماء النزيهين من الاداريين في ذات المؤسسة، وقد يتبادلا معلومات استباقية عن اوقات التفتيش او عن لجان التدقيق.

وقد حصلت كثير من الاداءات الادارية الفاسدة في بنية القطاعات العراقية التي بوشر بتنميتها او اعادة اعمارها او الانشاءات الجديدة منذ 2003 ،وكانت النتائج التي تمخض عنها ذلك العمل نتائج محبطة كون المنجز كان اقل من المواصفات القياسية والفنية.

ان الادارة الحكومية لا يمكن نهوضها ما لم تتوفر لها الامور التالية:

1ـ اعادة النظر في الاصلاح الاداري.

2ـ تفعيل القانون العام وتنظيم التفتيش المحاسبي.

3ـ اعادة النظر في الرقابة المالية.

4ـ تحديث هيئات النزاهة وإبعاد الإدارة السياسية عن الادارة المهنية او على الاقل يقتصر عملها في الجوانب التفتيشية.

5ـ توزيع السلطات وتوزيعها بشكل انسب.

6ـ اعادة النظر برواتب الموظفين ومستحقاتهم المالية.

7ـ تبسيط وسائل العمل.

8ـ اجراء تنقلات دورية بين الموظفين.

9ـ تحديث ادوات العمل بانظمة معتمدة عالميا.

10ـ العمل بمبدأ الشفافية.

11ـ اشاعة المدركات الحضارية والاخلاقية والدينية بين عموم الموظفين.

والقضاء على الفساد الاداري لن  يكون شاملا ما لم تكون الحلول شاملة لكل مرتكزات الادارة وبنيتها وهيكلتها الى العنصر البشري الى اساليب العمل السائدة فيها.

.......................................................................

المصادر/

معن حمدان علي/ ياسر خالد الوائلي

مجلة النبأ العدد 80

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 13آب/2007 -29/رجب/1428