ثقافة تعدد القراءات

تاريخ الإسلام من منظور مختلف

د. عدنان عباس علي

 

 

عرض كتاب: ثقافة تعدد القراءات: تاريخ الإسلام من منظور مختلف

Die Kultur der Ambiguität:

Eine andere Geschichte des Islams

تأليف: توماس باور (Thomas Bauer)

إصدار: Verlag der Weltreligionen, Berlin 2011

 

إن كتاب "ثقافة تعدد القراءات: تاريخ الإسلام من منظور مختلف" ينطلق من التصورات السلبية السائدة في الغرب بشأن الإسلام ويسعى إلى دحض هذه التصورات وتفنيدها باعتبارها مواقف متحيزة ضد الإسلام، ووجهات نظر سطحية وإدعاءات باطلة.

وعموماً، يمكن إيجاز هذه التصورات بمقولات فحواها:

· أن الإسلام لا يفرق بين المناحي الدينية والمجالات الدنيوية، وأنه يحدد للأفراد أسلوب حياتهم من المهد إلى اللحد،

· وأنه لا يتفق لا مع العلمانية ولا مع الديمقراطية،

· وأن ثمة تعارض بين الإسلام وحقوق الإنسان،

· وإن التيارات الإسلاموية والحركات المتطرفة المعاصرة هي الحصيلة الحتمية التي ترتبت على التطور التاريخي الذي مرت به "الحضارة الإسلامية" والنتيجة التلقائية التي أفرزتها محاولة هذه الحضارة تقمص معالم "حداثة" تأصلت جذورها في المجتمعات الغربية،

· وأن المجتمعات الإسلامية لا يوجد فيها، ولا حتى علم واحد، لا تتدخل فيه المسائل الدينية،

· وأن الثقافة الإسلامية تعادي غرائز الجسد، وتتخذ موقفاً، صارماً، متزمتاً في مسائل الأخلاق الجنسية،

· وأن الإسلام يضطهد المرأة ويقمعها، ويسلبها حقوقها ولا يقر بأن لها ما للرجل من حقوق عامة.

يرفض باور - وهو مستشرق مرموق وأستاذ جامعي متبحر في مادته - هذه المواقف المتحيزة ضد الإسلام، والتي هي، في الواقع، غيض من فيض من المسائل التي تنسبها وسائل الإعلام الغربية وغالبية المستشرقين، عن قصد أو جهل، إلى الإسلام عامة وبلا تمييز بين حقبه الكثيرة وأقطاره المختلفة، مؤكدة على أن هذه المسائل من خصائص مجمل الثقافة الإسلامية.

ومن جملة الأمور التي تثير امتعاض المؤلف هو أن وسائل الإعلام الغربية تعزوا كل ما يرتكبه هذا "المسلم أو ذاك" من تصرفات فردية، إلى الإسلام وتُحَمِّلُه وزر هذه التصرفات. وهذا ليس بالشيء العجيب؛ بحسب ما يراه المؤلف، ففي العالم الغربي يسود الاعتقاد عادة بأن المسلمين شديدي التمسك بديانتهم وأن "الدين" يحدد مسيرة حياتهم من المهد إلى اللحد في الحالات العامة.

وهكذا، ففي حين نرى أن وسائل الإعلام الغربية وأغلبية المستشرقين قد أخذوا ينأون بأنفسها عن ترديد مصطلح "العالم المسيحي"، اعتقاداً منهم أن هذا المصطلح قد طواه النسيان وتخطاه الزمن وأن الدين ما عاد يلعب دوراً ذا شأن في حياة الغربيين، نراهم يستخدمون مصطلح "العالم الإسلامي" بلا أي تحفظ، وبلا تمييز بين حقب التاريخ الإسلامي المختلفة، اعتقاداً منهم أن المسلمين في أقطار العالم المختلفة يتصرفون، في أكثر الحالات وفي غالبية الأزمنة، وفق نمط واحد تقريباً، وبحسب ما يمليه عليهم الإسلام من سلوكيات.

ولتبيان الغلو السائد في هذه الآراء والتقييمات، ينتقى توماس باور - أستاذ علوم اللغة العربية والإسلام في جامعة مونستر Münster الألمانية – حقبة معينة من تاريخ الحضارة الإسلامية، أعني حقبة تألق الحضارة العربية-الإسلامية في سوريا ومصر بين القرن التاسع ونهاية القرن الخامس عشر ميلاديين.

ويستهل توماس باور دراسته بتقديم شرح موجز لمعنى "تعدد القراءات "(Die Kultur der Ambiguität) في العلوم السيكولوجية، مؤكداً على أن الاستعانة بهذا المصطلح أمر غاية في الأهمية وموضوع لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة تاريخ الحضارات المختلفة والثقافات المتعددة والعقليات المتباينة. فهذا المصطلح يشير إلى احتمال تعدد معاني الأقوال والرموز والتصرفات. ففي علم النفس (في العلوم السيكولوجية) يميز المرء عادة بين:

· أناس يتسامحون مع أولئك الذين يعتنقون رأياً يخالف رأيهم أو يتعارض مع رأيهم كلية، لا بل قد يذهبون إلى أكثر من هذا، قد يذهبون إلى الاعتقاد بأن اختلاف الآراء والقراءات ينطويان على إثراء حضاري،

· وأناس آخرين لا قدرة لهم على التسامح مع الرأي الآخر، ولا يعرفون غير المبالغة في المدح أو الإفراط في الذم، اعتقاداً منهم أن الرأي المخالف لرأيهم لا يحتمل الصواب أبداً ولا يمكن أن يكون إلا ضلالاً مجافياً للحقيقة، أي توجد حقيقة واحدة لا غير، الحقيقة التي يؤمنون بها هم أنفسهم.

يتبنى توماس باور هذا المنهج السيكولوجي في دراسته للتطور التاريخي، الذي مرت به الثقافة في البلدان التي طغت عليها الخصائص الإسلامية خلال الفترة الواقعة بين القرنين التاسع والتاسع عشر، راسماً للعالم الإسلامي، في عرضه لهذا التطور، صورة تشير إلى وجود تسامح لم يكن له وجود في أوربا، وفكر متنوع متعدد الألوان والاتجاهات، وحرية فكرية بعيدة المدى، أي أن توماس باور يرسم صورة تؤكد على أن الإسلام كان، في تلك الحقبة من تاريخ الإسلام، على عكس الصورة التي يرسمها له الغربيون في الزمن الحاضر.

وخصص توماس باور أكثر من 400 صفحة من مؤلفه لتوثيق تأكيده على أن المسلمين كانوا يرون في تنوع وجهات النظر واختلاف الآراء وتباين الاستدلالات والاستنباطات إثراءً لحضارتهم وتنميةً لثقافتهم وخدمةً جليلة يقدمونها للوقوف على مضامين دينهم. ويستشهد المؤلف هاهنا بالقراءات السبع للقرآن الكريم (الصفحة 46) مؤكداً على أن علماء الإسلام لم يرفضوا أية واحدة من هذه القراءات السبع، ولم يطرحوا مسألة ما إذا كانت هذه القراءة أو تلك هي وحدها الصواب الأكيد، لا بل ذهب المسلمون إلى أكثر من هذا: فقد رأوا في تعدد القراءات نعمة أنعمها الله على الأمة (من الصفحة 54 إلى الصفحة 156).

ولتوثيق استنتاجاته، يستشهد باور بالحافظ ابن الجزري (المتوفى عام 833 هجري) (46-47). فعن ابن الجزري يُنقل أنه رأى في تعدد القراءات فوائد كثيرة من جملتها: "بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيث تلقيهم لكتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظةٍ، والكشف عن صيغةٍ، وبيان صوابه، وبيان تصحيحه، وإتقان تجويده حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكاً ولا تسكيناً، ولا تفخيماً ولا ترقيقاً، حتى ضبطوا مقادير المدات وتفاوت الإمالات وميزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، ولا يُوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم".

على صعيد آخر، وبقدر تعلق الأمر بتفسير بعض آيات القرآن الكريم، ما كان المرء يصر على ضرورة اتفاق الآراء. وهكذا، لا غرو أن توجد، في كتب التفسير، شروح وتأويلات مختلفة للعديد من الآيات. فالمفسرون كانوا يعتقدون أن كل تفسير أو تأويل هو رأي واجتهاد، واحتمال وظن، وليس تفسيراً يقينياً، تفسيراً يحق له الإدعاء بأنه هو وحده الخبر اليقين (الصفحة 132).

وربما تذكرنا هذه التخريجات الفقهية، بمقولة أن القرآن حمال أوجه، أي ربما تذكرنا بقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لابن عباس، حين وجهه للاحتجاج على الخوراج: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً (نهج البلاغة 1/4، ص 405).

إن هذه المقولة لا علاقة لها – طبعاً – لا بتعدد القراءات ولا بالتخريجات المذكورة، وهي مثيرة للجدل والنقاش، وذلك لأن البعض لا ينظر إليها انطلاقاً من سياقها التاريخي. فالأئمة أنفسهم أوصوا العباد بأن يعرضوا ما يُنسب لهم من كلام على كتاب الله، فهو الأصل الأصيل، فإن وافق كتاب الله فإن عليهم أن يأخذوه، وإلا فعليهم أن يدعوه. من ناحية أخرى، يطالب الله تعالى العباد بالرجوع إلى كتاب الله حال التنازع والتخاصم (فإن تَنَازَعْتُمْ في شيءٍ فَرُدُّهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ).

بهذا المعنى، ليس من المعقول أن يوصي الإمام علي عليه السلام بما يخالف كتاب الله. فهو - بعد رسول الله (ص) - أعرف العارفين أن الله تعالى يطالب المؤمنين بالرجوع إلى كتاب الله حال التنازع والتخاصم (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله)، فكيف يعقل أن يرد التنازع إلى حكم لا يرفع التنازع، بل هو نفسه متنازع عليه؟ وإذا كان القرآن حمال أوجه، فهل السنة ليست حمالة أوجه أحياناً، حتى يوصي الإمام عليه السلام ابن عباس بالاحتجاج بها؟ أضف إلى هذا أن أمير المؤمنين نفسه، كما في نهج البلاغة (ص 260) يقول، فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه.

وتأسيساً على ما تقدم، يرى بعض علماء الإسلام أنه عليه السلام قالها ليس على نحو الإطلاق والعام، إنما خص بها الخوارج فقط، لأنه رأى منهم التأويل الحشوي الظاهري القشوري، كقولهم: إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين على أنه لا يُحّكم رجالاً.

ومن خلال دراسته المتعمقة لتاريخ الإسلام، لاحظ المؤلف أن ظاهرة تعدد الشروح والتفسيرات تسري على الأحاديث النبوية أيضاً. كما استنتج من تعدد المدارس الفقهية حقيقة تشير إلى احترام الرأي الآخر وتشهد على إقرار المفكرين المسلمين بأن الرأي المخالف يحتمل الصواب أيضاً. ويؤكد باور هاهنا على أن المسلمين ما كانوا متزمتين، متحيزين، في فهمهم للأحكام الفقهية. فالفقه من صنع الفقهاء وليس منزل من السماء. وبالتالي فإن حكمه هو حكم الأمور الدنيوية كلها، أي أن الحكم الفقهي يحتمل الصواب والخطأ.

ولا يشط المستشرق الألماني أبداً في استنتاجه هذا. فأئمة الفقه الإسلامي فهموا تمام الفهم حرية الرأي. ويمكننا أن نستشهد في هذا السياق برسالة الليث ابن سعد إلى الإمام مالك بن أنس. فبرغم ما كان بين الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة من اختلافات وانتقادات، إلا أن الإمام الشافعي يعترف طواعية أن "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة" ويقول مؤكداً: "مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب". على صعيد آخر، ينقل أحمد أمين في الجزء الثاني من ظهر الإسلام، الصفحة 45: أن عبيد الله بن الحسن الأنباري قد قال حين سئل عن الفقهاء من أهل القدر وأهل الجبر: كلٌ مصيب: هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله. وكذلك القول في الأسماء، فهو يرى أن من سمّى الزاني مؤمناً فقد أصاب، ومن سمّاه كافراً فقد أصاب. ومن سماه فاسقاً فقد أصاب، ومن سماه منافقاً فقد أصاب.

وكيفما اتفق، فبعد عرضه الموثق والمسهب للمسائل الدينية، ينتقل توماس باور صوب الموضوعات الدنيوية، علماً أن الفصل السادس الموسوم "أسلمة الإسلام" (islamization, islamination)، (الصفحة 192)، هو أهم فصول الكتاب، فهو يهدف إلى إثبات أنه ليس من حق المرء الزعم بأن الثقافة الإسلامية أكثر استغراقاً في التدين من ثقافات العالم الأخرى.

ويتطرق باور هاهنا إلى منهج المستشرقين الأوربيين وإصرارهم على إسباغ مصطلح "إسلامي" على كافة مناحي الحياة متجاهلين بذلك الاختلافات القائمة بين المجتمعات الإسلامية المختلفة. فعلى سبيل المثال، يتحدث هؤلاء المستشرقون عن "الفن الإسلامي"، بنحو إجمالي، حتى وإن خلت هذه الأعمال الفنية كلية من المعاني أو المضامين الدينية. كما يتحدثون عن "الطب الإسلامي"، متجاهلين الاختلافات بين المدارس المتعددة ومتناسين أن هذا الطب كان قد اعتمد نظريات الطبيب الوثني جالينوس (120- 216 ميلادي) والتزم بالقواعد الأخلاقية التي صاغها الطبيب الإغريقي أبُقراط، المتوفى عام 377 قبل الميلاد بحسب العديد من الروايات. ولا يفوت المؤلف أن ينوه هاهنا إلى أنه، وإلى جانب المدارس القائمة على الطبي اليوناني، كان هناك الطب النبوي المستقاة مصادره من الأحاديث النبوية.

ويبين كتاب "تعدد القراءات" أن الثنائية ديني/دنيوي لم تلعب دوراً يذكر في الشرق الأوسط، أي لا في العصر الأموي ولا في العصر العباسي، وذلك لأن العديد من المسائل الاجتماعية، أعني المسائل المتعلقة بالطب والسياسة، على سبيل المثال، قد تمت مناقشتها بحرية كبيرة ومن غير حاجة للرضوخ إلى وجهات نظر دينية أو تصورات مفروضة من قبل سلطان معين.

وتأسيساً على النتائج التي توصل إليها، يؤكد المؤلف أن غالبية وسائل الإعلام وأكثرية المؤرخين قد اصطنعوا "إسلاماً" يتفق وتخيلاتهم، وذلك لأنهم قد دأبوا على الإعلاء من شأن الموضوعات الدينية في حياة الشرق الأوسط معتقدين أن هذه الموضوعات كانت ولا تزال، هي الأمر الحاسم في حياة شعوب هذا الإقليم، ومصطنعين عالَماً إسلامياً يشبه "وحشاً دينياً" ديدنه قتل النفس البريئة وأسلوبه ممارسة الإرهاب (الصفحة 220).

وفي القسم الثاني من مؤلفه، يفند توماس باور هذه الآراء والتخريجات، مستعيناً بالشعر العربي وبإعلاء الشعراء العرب من شأن التعبيرات المجازية، أي التعبيرات المنطوية على معاني متعددة.

ويبين المؤلف، من خلال أمثلة كثيرة، أن العديد من فقهاء، ذلك الزمن، لم يروا حرجاً في نظم قصائد تطري محاسن النبيذ، وتتحدث عن شهوات الجسد الجنسية، وتتغزل بمفاتن الصبايا والصبيان. ومن وجهة نظر المؤلف، فإن هذا الخروج على المعايير الدينية، يعكس التسامح الذي اتسمت به الثقافة التي سادت في أقطار الإسلام في ذلك الزمن، ويشهد على أن الإسلام قد شهد مظاهر مختلفة للحياة (من الصفحة 268 إلى الصفحة 311).

وبعد هذه الإشادة بالثقافة التي سادت الشرق الأوسط خلال الفترة الواقعة بين القرن التاسع وأوائل القرن السادس عشر، يشير المؤلف إلى أن التسامح مع وجهات النظر المخالفة، قد ضعف بشكل كبير في المائة وخمسين عاماً الأخيرة. ويوعز هذا التراجع إلى تأثر الشرق الأوسط بالغرب، ورضوخه إلى المساعي الغربية الرامية إلى إخضاع الشعوب الأخرى إلى مضامين الخطاب الغربي المعادي لتعدد الآراء والقراءات. فالغرب كان ولا يزال، بحسب تأكيد المؤلف، يؤمن إيماناً راسخاً، بوجود حقيقة واحدة لا غير، وبأن قيمه تعبر عن هذه الحقيقة الواحدة وتصلح لكل العصور، وتسري على العالم أجمع، وأنه، أعني الغرب، يرى أن الواجب يحتم عليه نشر هذه القيم في كافة أنحاء المعمورة.

وتأسيساً على تفوقه تكنولوجياً وعسكرياً، تعزز لدى المستشرقين، الاعتقاد بأن قيم الغرب الاجتماعية والروحية تتصف، أيضاً، بالتفوق والسؤدد. ويرى المؤلف أن ثمة تناقضاً بين مواقف المستشرقين. فمن ناحية يندد المستشرقون بمواقف بلدان الشرق الأوسط الرافضة تبني الأساليب، التي ينتهجها الغرب في تحرير المرأة، ومن ناحية أخرى، نرى أن هؤلاء المستشرقين يرددون أن أسباب تدهور الشرق كانت تكمن في فوضى العلاقات الجنسية، واتسام هذه العلاقات بحرية واسعة. وهكذا، ففي حين يسعى الغرب، منذ القرن العشرين، إلى تصدير هذه العلاقات والممارسات إلى الشرق الأوسط، وحفز هذا البلد الإسلامي أو ذاك على سن تشريعات قانونية تُجيز ممارسة العلاقات الجنسية غير الشرعية إلى أوسع مدى ممكن، اعتقاداً منهم أن تشريعات من هذا القبيل، تلبي متطلبات التقدم الاجتماعي، نرى العديد من المستشرقين الأوربيين يؤكدون على أن هذه العلاقات والممارسات قد كانت من أسباب تخلف الشرق وانهيار الحضارة وتدهور الثقافة الإسلامية.

ومهما كانت الحال، فإذا كانت أوربا قد منعت، في يوم من الأيام، تداول كتاب مكيافللي الموسوم "الأمير"، كان العالم الإسلامي يناقش موضوعات السلطة والسلطان بحرية تامة. فلم يفكر أي سلطان في الشرق الأوسط بمنع تداول مؤلفات جمال الدين بن نُباتةَ المِصريُّ (1287-1366) أو "مقدمة" ابن خلدون (1332-1406) المخصصة لدراسة فلسفة التاريخ ومسائل السلطة والسلطان وأسباب ارتقاء الأمم وانحطاطها. فهذه المؤلفات كانت تحظى بشهرة واسعة وتقدير كبار الفقهاء. وفي سياق عرضها لمادتها، لم تتأثر هذه المؤلفات وما سواها من مؤلفات أخرى كثيرة، بالتصورات الدينية الواردة في القرآن الكريم كما يؤكد توماس باور.

وإذا كانت أوربا قد احتاجت في يوم من الأيام إلى حركة نهضة وتنوير، وذلك لتعبيد الطريق أمام الأفكار العلمانية، يرى توماس باور أن الشرق الأوسط ليس بحاجة إلى حركة نهضة وتنوير دينية. فلا تعارض، بحسب تصورات باور، بين الإسلام والعلمانية. وإذا كان هذا التعارض لا وجود له في الإسلام، فلن يكون هناك تعارض بين الإسلام والديمقراطية بأي حال من الأحوال، بحسب وجهة نظره.

لقد تراجعت، في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ثقافة تعدد القراءات واحترام الرأي الآخر، منذ منتصف القرن التاسع عشر، بحسب تصورات توماس باور، فمن الآن فصاعداً أخذ الشرق الأوسط يحاكي الغرب غير المتسامح مع تعدد القراءات. فالمثقفون المسلمون لم يعتبروا أن التسامح الفكري مع تعدد القراءات والآراء دليل ضعف وهوان فحسب، بل اعتقدوا، أيضاً، أن هذا التسامح هو العامل الذي تسبب في "تدهور العالم الإسلامي" خلال القرون الماضية. وهكذا، راح هؤلاء المثقفون المسلمون يدعون إلى ضرورة الإيمان بوجد حقيقة واحدة والتخلي عن التعبيرات المجازية وتعدد المعاني، وعلى ضرورة الالتزام باستخدام معان لا إبهام فيها ولا التباس، على غرار ما هو سائد في الفكر الغربي.

ويرى المؤلف أن هذا التأثر بالغرب هو السبب الذي نشأ عنه الإسلام السياسي ودفع الإسلاميين إلى الدعوة إلى ضرورة "أسلمة الإسلام"، إلى الدعوة إلى عدم التسامح مع الآراء المخالفة، أي الدعوة إلى إضفاء صبغة أيديولوجية على الإسلام، صبغة أيديولوجية تفرض وجهة نظر واحدة على الجميع، مثلها في ذلك مثل الصبغة الأيديولوجية التي سادت في الغرب في سابق الزمن، مع اختلاف المضامين والأهداف طبعاً.

ونود التنبيه إلى أن مصطلح Ambigutät يشير، أيضاً، إلى أن الموضوع المعني يتصف بالالتباس والإبهام والغموض. ولذا يجب الأخذ بالاعتبار أن الكاتب لم يستخدم هذا المصطلح بمعنى "تعدد القراءات" فقط، بل وبمعنى يفيد أيضاً أن ثمة مفردات عربية تتصف بالالتباس وتُجيز بالتالي تعدد المعاني. فبحسب تصورات توماس باور، لم يستطع شعب آخر بلوغ ما بلغه المسلمون، في الفترة الواقعة بين القرنين السابع والخامس عشر، من تفوق في امتلاك ناصية الأساليب الأدبية الرفيعة وولع في استخدام المجاز والكناية والتعمية والألغاز وسائر أساليب البديع (الصفحة 50)

إننا لا نشط أبداً إذا قلنا، إن المؤلف نجح نجاحاً باهراً في الوصول إلى الهدف الذي سعى إليه: تعزيز الوعي بأن الإسلام جسد دائماً التنوع والتسامح، وبالتالي فإن الإسلام الذي يتحدث عنه بعض المستشرقين وغالبية وسائل الإعلام الغربية، بنبرة شمولية، ظالمة في تحيزها، لا وجود له كما يؤكد توماس باور (الصفحة 14).

من خلال مؤلفه الموسوم "تعدد القراءات" [أو التباس المعاني وتعددها] يقدم لنا توماس باور دراسة مهمة فعلاً لتاريخ الإسلام، دراسة مغايرة كلية لما قدمه المستشرقون حتى الآن. ولسنا بحاجة للإشارة إلى أن الباحث قد وثق وجهات نظره من خلال الرجوع إلى أمهات المصادر والمراجع العربية. إننا إزاء دراسة قيمة، رصينة، جديرة بالحفاوة والتقدير.

وإذا كانت "تعدد القراءات" واختلاف وجهات النظر من محاسن الإسلام فعلاً، فعلى المسلمين أن يتقبلوا أيضاً إشارات المؤلف إلى أن الخطاب الإسلامي اتسم بشيء من الفوضى في حقب عديدة، وذلك لأنه أفرط في استخدام التعبيرات المجازية وتعدد المعاني، واستغرق في الإبهام والالتباس في الكثير من الحالات.

* كاتب عراقي

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 10/تموز/2014 - 11/رمضان/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م