القوة الناعمة الألمانيّة

 

شبكة النبأ: دخل مفهوم "القوة الناعمة" قاموس العلاقات الدولية عام 1990، كمصطلح يطلق على قوة الجذب والإقناع المنتهجة من قبل بعض الدول في المنظومة الدولية. وعادة ما توضع ألمانيا في مصاف الدول ذات "القوة الناعمة"، فما الذي يجعلها كذلك؟.

يعود مصطلح "القوة الناعمة" إلى البروفيسور جوزيف ناي، مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون حين أفرد له كتابا يحمل الإسم ذاته "القوة الناعمة" صدر 2004. وفيه عرّف المنظر السياسي تلك القوة على أنها "القدرة على تحقيق الأهداف المنشودة عن طريق الجاذبية أو السحر أو الإقناع بدل الإرغام ودفع الأموال". وكنقيض للقوة الناعمة، طرح ناي مفاهيم "القوة الخشنة" التي تعتمد على قوة السلاح، إلى جانب مصطلح "القوة الذكية" التي تمزج بين القوتين الخشنة والناعمة في السياسات الدولية. بحسب الإذاعة الألمانية DW.DE.

وعلى ضوء هذه التقسيمات هناك من يرى أن ألمانيا "قوة ناعمة" لما تتوفر عليه من قوة روحية ومعنوية من خلال إرثها الفكري والثقافي والفني وما تقدمه دعما لحقوق الإنسان والمفاهيم الإنسانية.

الثقافة والقيم الإنسانية

طالما عُرفت ألمانيا بأنها "بلد الأفكار". فقد قدمت للبشرية إسهامات جليلة في شتى حقول الثقافة والعلوم الإنسانية. كما أنها تتمتع بثقل روحي- ديني بفضل مارتن لوثر، رائد الإصلاح الديني ومؤسس الكنيسة البروتستانتية. أما في مجال الموسيقى، فما تزال المقطوعات الكلاسيكية لكبار الموسيقيين الألمان تدخل القلوب بلا استئذان. كذلك الشأن في الحقل الأدبي، إذ قلما تخلو أي مدرسة أدبية من أسماء ألمانية، ويعتبر أديبها الكبير، غوته، سفيراً عابراً للأزمنة والحدود، ولذلك أطلق اسمه على مراكزها الثقافية الـ136 حول العالم.

وعن دور الثقافة يقول كريستوف موشر، المتحدث الإعلامي ورئيس قسم الاتصال بمعهد غوتة: "تلعب الثقافة دوراً كبيرا، إذ تعتبر رسمياً منذ سبيعنات القرن المنصرم، إلى جانب السياسة والاقتصاد، الركن الثالث في السياسة الخارجية الألمانية''. ويضيف موشر بأن ألمانيا "تعتمد على شبكة العلاقات الناتجة عن معهد غوتة ومؤسسة دويتشة فيله وغيرها من الفاعليين في هذا الحقل". بحسب الإذاعة الألمانية DW.DE.

الشخصية الألمانية منضبطة بالنظام والقانون ومُحبة للعمل لدرجة العبادة. ألمانيا خلية نحل لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً. شعب تضبط الساعة عقاربها على مواعيده، وحكومة تملك إحصائية لكل شاردة وواردة. بالإضافة لما سبق، تعتبر قيم الحكم الرشيد والحرية والعدالة مصانة دستورياً ومطبقة ومعاشة في الحياة اليومية. بعكس النظام الرأسمالي "المتوحش"، يقوم "اقتصاد السوق الاجتماعي" على تكافؤ الفرص، والتكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي والصحي للموطنين جميعا. الدولة هي الأب الحنون للجميع؛ تكافئ المجد وفي الوقت عينه لا تترك طبقتها السفلى المعدمة تنام على أرصفة الشوارع. حقوق النبات والحيوان مصانة، وحقوق الإنسان مقدسة. خارجياً، تعمل الدولة على تعزيز ثقافة السلام ودعم عملياته، لاعبةً أحيانا دور الوسيط في حل النزاعات، فضلاً عن الدفع باتجاه الحوار بين الحضارات وخصوصا بين الغرب والعالم الإسلامي.

صُنع في ألمانيا

مساحة ألمانيا الصغيرة نسبياً وقلة الموارد الطبيعية حتّم عليها الاعتماد وبشكل شبه كلّي على "الرأسمال البشري" وعلى الاستثمار في البشر قبل الحجر. ويبلغ عدد منشئات التعليم العالي 423 بين جامعة ومعهد عالي فني وتطبيقي وتربوي. من وجهة نظر البرفيسورة كارولا رشتر، أستاذة الاتصال الدولي في جامعة برلين الحرة، فإن "حاجز اللغة يشكل عقبة أمام قوة جذب النظام التعليمي الألماني (بالنسبة للطلبة الأجانب)، إذ أن الكثير يفضل البلاد الناطقة بالإنكليزية". ومع ذلك فإن الجامعات الألمانية تحتل مراكز متقدمة على المستوى الدولي. بلغ عدد الطلاب الأجانب في السنوات العشر الأخيرة حوالي ربع مليون. هؤلاء هم سفراء غير معتمدين لألمانيا عند عودتهم إلى بلادهم. وفي هذا الصدد، تقدم "الهيئة الألمانية للتبادل الطلابي" (DAAD)، بميزانيتها التي بلغت العام الفائت 400 مليون يورو، المنح للطلاب والباحثين الأجانب. بحسب الإذاعة الألمانية DW.DE.

حصد العلماء والمفكرين الألمان حتى الآن حوالي 80 جائزة نوبل. وسجلت ألمانيا باسمها اختراعات قلبت التاريخ الإنساني رأساً على عقب. بدءاً من غوتنبرغ ومطبعته، التي كسرت احتكار الكنيسة للاهوت والمعرفة ووضعتها في متناول العامة، وصولاً إلى محرك الديزل والسيارة، في ما أضحت عبارة "صُنع في ألمانيا" شهادة ضمان موثقة. ''جودة الصناعة'' تعقب البرفيسورة رشتر ''هي أهم الركائز في القوة الناعمة لألمانيا''. كما أنه وفي السنوات الأخيرة أصبحت ألمانيا رائدة في مجال الصناعات الصديقة للبيئة والطاقات المتجددة.

الرياضة والسياحة

الشعب الألماني شغوف بالرياضة ويمارسها بانتظام؛ ما لا يقل عن ثلث عدد سكانها هم أعضاء في نوادي رياضية، البالغة 91 ألفاً. استضافت ألمانيا الألعاب الأولمبية ثلاث مرات، وحصدت حوالي ثلث عدد الميداليات في تاريخ هذه الألعاب. اليوم أضحت أسماء كشومخر معروفة للقاصي والداني. علاوة على ذلك، استضافت نهائيات كأس العالم لكرة القدم مرتين وأحرزت اللقب ثلاث مرات ولقب بطولة الأمم الأوربية ثلاث مرات. تقيّم البرفيسورة رشتر أهمية الرياضة: ''تتساوى الرياضة وخصوصا كرة القدم مع كل من جودة المنتج الألماني والثقافة من حيث اعتبارها دعامة أساسية في هذا المضمار''. ويستحوذ الدوري الألماني لكرة القدم على متابعة عالمية. ولاعبو المنتخب يتوفرون على مهارة ولياقة عالية؛ ومستوى أداء لا يتراجع من الدقيقة الأولى من عمر المباراة إلى صافرة النهاية. إنها الماكينة الألمانية، حتّى في الملعب. بحسب الإذاعة الألمانية DW.DE.

تتمتع ألمانيا بمعظم مقومات صناعة السياحة: طبيعة خلابة متنوعة، فعاليات ثقافية ومعارض على مدار العام، بنية تحتية متطورة، وتاريخ غني ومنشآت أثرية ومتاحف. هناك 38 موقعاً من أصل 936 على "قائمة التراث الإنساني". كل ما سبق جعل ألمانيا تحتل المركز السابع عالمياً، حسب تصنيف "منظمة السياحة العالمية"، وقد زارها 30 مليون سائح العام المنصرم.

قوة ناعمة

وحسب البرفيسورة رشتر فإن ألمانيا "تمتلك إمكانيات كبيرة في مجال القوة الناعمة ولكن ينقصها وجود مظلة مشتركة واستراتيجية موحدة لتسويق هذه القوة للعالم الخارجي." وعند سؤاله عما إذا كانت ألمانيا قوة عظمى، فضل المتحدث الإعلامي بمعهد غوتة عدم استخدام مصطلح العظمى، لأنه مصطلح يستخدم لوصف القوى الخشنة في العلاقات الدول، أما ألمانيا فيجدها بلد بـ"قوة ناعمة" بامتياز.

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 5/تموز/2014 - 6/رمضان/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م