العملية الانتخابية تطويرها وترسيخها كثقافة

قراءات في النتائج (١)

نزار حيدر

 

أوّلاً، وقبل كل شيء، يجب التذكير بما يلي:

 الف: ان صوت الناخب اداة فعالة في عملية التغيير كلما حان الاستحقاق الدستوري للانتخابات، النيابية منها والمحلية، ولذلك ينبغي ان نلغي من قاموس ثقافتنا مفردة (ميفيد) اي لا ينفع، ولو كان المقاطعون للانتخابات قد أدلوا بأصواتهم لكان التغيير اكبر وأكثر فاعلية.

 طبعا، هذا لا يعني اننا ننتظر المعجزة كلما وقف الناخب امام عتبة صندوق الاقتراع، ابدا، فالتغيير لا يحصل مرة واحدة وإنما مع تكرار التجربة وتراكم الخبرة، فالذين يتوقعون تغييرا جذريا في ليلة وضحاها واهمون، كما ان من لا يعتقد بجدوائية صندوق الاقتراع، هو الاخر على خطا وفي وهم، اذ يجب ان نتعامل مع الامور بواقعية وبعقلية عملية وعلمية في آن بعيدا عن التوقعات الكبيرة التي لا تمت الى الواقع بصلة، وكذلك بعيدا عن الأوهام.

 ينتظر البعض ان تحمل لنا الانتخابات كل ما هو جديد، من اسماء وعناوين وخطط ومشاريع، وكأن الناخب مسؤول عن استيراد النواب من اليابان او الولايات المتحدة، او كأن صندوق الاقتراع مسؤول عن استيراد احزاب وكتل من القمر او المريخ، ابدا، فالناتج هو انعكاس للواقع، لا يختلف عنه ابدا، ولذلك نرى ان الشعوب المتعلمة والمتحضرة تنتج برلمانات متعلمة ومتحضرة، والعكس هو الصحيح، فالشعب الجاهل والمتخلف ينتج لنا برلمانا جاهلا ومتخلفا، ولذلك ورد في القول المأثور (كيفما تكونوا يولى عليكم) في إشارة واضحة الى هذه الحقيقة، اما القران الكريم فيقرر معادلة في غاية الأهمية بشان عمليات التغيير الاجتماعية التاريخية، فيقول {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} وقوله {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

 لقد اسقط صندوق الاقتراع، هذه المرة، الكثير من الوجوه (المعتّقة) والأبواق المبحوحة ومن مختلف الكتل والأحزاب، خاصة من الحزب الحاكم وائتلافه، فلو لم يكن لصندوق الاقتراع اثر او دور في عملية التغيير لما أسدل الستار عليهم.

 كما انه أعاد كثيرين منهم الى أحجامهم الطبيعية، فيما حمل آخرين الى واجهة العملية السياسية، كادوا ان يدخلوا في متاحف التاريخ (الطبيعي).

 انه اداة فاعلة في إنجاز الحراك السياسي في النظم الديمقراطية، فلماذا نهمله لازلنا نجد فيه طريقنا نحو التغيير، مهما كان هذا التغيير بطيئا؟.

 تعالوا، اذن، أيها العراقيون نؤمن بالعملية الانتخابية ونسعى لتطويرها وترسيخها كثقافة نحقق فيها وبها ومن خلالها التغيير المرجو.

 باء: ان ما يفرزه صندوق الاقتراع، هو نتاج الواقع العراقي حصرا، اي الناخب العراقي، فإذا كانت النتائج غير متوقعة، فلان الناخب أرادها كذلك، وإذا عادت بعض الوجوه الكالحة للواجهة مرة اخرى، فلان الناخب أعادها، وإذا حمل صندوق الاقتراع لصوصا محترفين مثلا او فاشلين معروفين او ما أشبه، فلأن الناخب أراد ذلك، وعلى هذا، ينبغي ان نحترم إرادة الناخب، ان خيرا فخير وان شرا فشر.

 لا نحمّل الآخرين مسؤولياتنا التي تصدينا لها طواعية، فندينهم اذا فشلنا، ونعلّق على شماعاتهم اخفاقاتنا اذا لم ننجح في انتاج برلمان مناسب للمرحلة القادمة.

 لنتحلى بالشجاعة الكافية، فنعترف بالمسؤولية ونتصدى لها عن وعي وإدراك وبصيرة، فالهرب منها لا يشفع لنا بشيء.

 جيم: ان الناخب سيتحمل مسؤولية خياره بشكل مباشر، لانه لم يجبر على شيء او يقهر على خيار.

 قد يقول قائل بان بعض المرشحين اشتروا أصوات الناخبين بمدفئة نفطية مثلا او ارض متجاوٓز عليها او بدعاية طائفية ممجوجة او بسند ارض لا أساس له من الصحة او ما الى ذلك، فكيف يتحمل المسؤولية؟ وأقول، نعم، صحيح كل ذلك، ولكن هذا وغيره لا يعفيه من المسؤولية، فمن قدم الصالح العام على الصالح الخاص يتحمل المسؤولية، كما ان من قدم الصالح الخاص على الصالح العام، هو الاخر يتحمل المسؤولية.

 لا احد بإمكانه ان يهرب من تحمل المسؤولية فلقد (حملها الناخب) بمجرد ادلائه بصوته، كما ان المواطن الذي لم يدل بصوته لأي سبب من الأسباب تحمل المسؤولية كذلك، فعدم المشاركة لا يعفيه من المسؤولية ابدا، لان المقاطعة موقف، والموقف مسؤولية كما هو معروف.

[email protected]

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 22/آيار/2014 - 21/رجب/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م