الأفعى التي تلدغ نفسها

هادي جلو مرعي

 

أسس المجتمع الإنساني لهذه الفكرة منذ الأزل، فحين يختلف الأخيار تبدأ الحرب، وقد أعجبني كثيرا أحد المخرجين اللبنانيين وهو يدافع عن مهمته في صناعة فيلم عن الضحايا المنسيين في لبنان والذين لايريد أحد الخروج عن صمته المطبق لينصفهم بعد مرور أكثر من عقدين على نهاية الحرب الأهلية المروعة التي فقد فيها الناس أحبتهم، ومنهم من لايعرف مصير البعض من أقربائه وأحبائه.

لكن هل أسس المسلمون لهذه العقيدة قبلا؟ ربما. ففي كثير من روايات المسلمين عن صراعات حصلت بين المسلمين أنفسهم لكنهم وصموا الطرفين المتنازعين بالخير وإن فعلهم لايخرج عن الخير والصلاح ! ويبقى السؤال، إذا كان الطرفان المتنازعان كلاهما على الجادة السوية فلماذا تنازعا وتقاتلا، وسقط الآلاف منهم ضحايا، وأعيق ضعفهم وجرح أكثر من ذلك ويتم أطفال، وثكلت نساء، ودمرت حقول، ومصانع ودور وإنتهكت حرمات؟

لايمكن أن يتقاتل الخير مع نفسه فهو ليس محبطا لهذه الدرجة وليس ممكنا أن يحتوي النقيضين لأنه خير محض لايعتريه الشر، والشر نقيضه ولايلتقيان ولايتفاهمان. ويعترض البعض، وهو محق حينما يسمع لأحدهم يقول : أعوذ بالله من شر الشيطان، ويتساءل، وهل في الشيطان خير لأعوذ من شره فقط؟ فهو شر كامل؟ يكون الناس أخيارا لكنهم يتحاربون ويصنعون فعل الشر وتتوفر كميات كبيرة من نتاج ذلك الشر، الموت وخراب العمران والأنفس وضياع فرص المستقبل، وقيل كثيرا عن إرادة الخير لدى خصوم تنازعوا من أجل عقيدة، أو فكرة، أو مساحة من الأرض، أو طمعا في مكاسب هنا أو هناك، لكنهم كانوا في حقيقتهم أشرارا لاخير فيهم، فالخير هو رفض العنف والموت والدمار وتغليب مصلحة المجموع وصناعة المجتمع الحر المتكافل، والشر نقيض ذلك، ولايمكن أن نجمع النقيضين ونتقدم بهما الى الناس لنحكمهم بالموت والحياة والخراب والعمران في آن واحد، ولابد من نهاية الحرب ليتم تحقيق السلام وتامين مستقبل النساء والأطفال الذين يبحثون عن فرص الحياة الطيبة لا تلك الموصومة بالدمار والرعب والخشية من الظلام.

هل كانت الحرب بين الأمة الألمانية وأمم الأرض الأخرى حربا نظيفة وقد أهلكت عشرات الملايين من البشر وحطمت دولا عامرة بأهلها وإقتصادها وصناعاتها وحقولها وأجوائها؟ وتركت ملايين الأطفال بلا آباء ولا أمهات، ونتيجتها اغتصبت ملايين من النساء وأعيق عن الحركة ملايين أخرون؟ نحن نعرف إن كثيرا من مروجي الحروب وتجارها يسوقون لفكرة الخير كمقدمة للصراع لكن مصانعهم تحتوي صنوف الشر، وهم يصنعون السلاح لتسويقه الى ساحات في أنحاء من العالم تسحق الملايين من الحمقى، أو المكرهين، أو الراغبين في صناعة الكارثة والترويج لها.

الحقيقة هي إن الإنسان في كل عصر هو صانع آلة الشر ومحركها والمنتفع منها فهو الأفعى التي تلدغ نفسها.

http://www.annabaa.org/news/maqalat/writeres/hadijalomarei.htm

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 11/تشرين الثاني/2013 - 7/محرم الحرام/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م