مقالات عابرة للحدود

غدوّها عَبرة ورواحُها عِبرة

نضير الخزرجي

 

من المفروغ منه أن الذي يترك أثراً في مسيرة الإنسانية في السلب، والإيجاب في الخير والشر، لابد وأن يقع تحت الأضواء وتلازمه العدسات في حلِّه وترحاله، لأن الإنسان بطبيعته شغوف لمعرفة المشهورين رغبة في تمثّلهم والتعلم منهم والاعتبار بهم أو منهم، وقد يلجأ المشاهير إلى كتابة مذكراتهم لتكون تحت متناول الآخرين وربما رغبة شخصية من صاحب المذكرات لخلق تيار يتبعه في حياته وبعد مماته، وربما لشعور داخلي بأهمية نقل تجاربه من باب الاعتبار والإتعاظ، ولاسيما لدى المشاهير الذين تشعر من خلال قراءة مذكراتهم صدقهم في نقل التجارب الشخصية، السلبية منها والإيجابية، وعدم الإقتصار على الجانب المضيء من الحياة اليومية، أي سعي حثيث في إشراك الآخرين على طريق تقويم المسيرة وأخذ العبرة من الهفوات والكبوات، باعتبار أن: "في التجارب علم مستحدث" كما يقول أمير البيان والقلم علي بن أبي طالب(ع)، والكبوة هي بحد ذاتها تجربة وعلم مستحدث لمن تلافاها وتعلم منها وإلا صارت وبالا متجدداً لمن دخل شرنقتها وأعاد كرَّتها.

ومن يعمل جرداً بسيطاً للمؤلفات باللغات المختلفة على طول الحياة البشرية، سيجد بلا أدنى تعقيد الكتابات وكثرتها عن شخصيات بعينها تركت معالمها على خارطة الإنسانية، ثبت بعضها في ساحة الخير وتوزع كثيرها في ميدان الشر، فهناك علماء في الفيزياء والكيمياء والفلسفة والإجتماع وغيرها من العلوم أضافوا للبشرية الشيء الكثير، وهناك قادة وجبابرة وحكام قطفوا من رؤوس البشرية الملايين، فكلٌ له حضوره في الذاكرة البشرية عبر المؤلفات والكتابات فضلا عن الآثار والمنجزات الجارية على صعيدي الخير والشر، كما أن لكل منهما حضوره الميداني اليومي عبر التمثّلات الشخصانية في أناس تعرفهم من أثر السجود تنشد قربهم، أو من شرر الجحود ترجو بعدهم، أو ثقافات وسلوكيات مجتمعية أو تكتلات حزبية وفئوية، تدعو إلى الخير وما أقلها، وتنفخ في بوق الشيطان وما أكثرها، وكل في عين الحياة يدلو بدلوه، فبعض يسقي الأمة عذباً أجاجا وكثيرون يدلقون في جوفها ماءً صديداً، والعاقل مَن يتخذ الخير سبيلاً حتى وإن لم يؤمن بجنة أو نار، ويتحرى لبني قومه الخير ودفع الشر عنهم وإن تطلب ذلك تقديم التضحيات الجسيمة.

عظيم التضحيات كثيرها

أما إذا كان العَلَمُ عَلَماً في الفداء والتضحية من أجل نجاة الأمة وإصلاح أمرها في حاضرها ومستقبلها في دنياها وأخراها، فإن إشعاعه يفوق الجميع، والأضواء لا تبتعد عنه تضيء فيه كل الزوايا القريبة والبعيدة، ومن الطبيعي أن تأتي الكتابات والمؤلفات عن مثل هذه الشخصية أكثر من غيره وبخاصة إذا برزت في ساحته كل مفردات التضحية التي عرفتها البشرية، ولا أظن أن القلم سيختار على الحسين بن علي(ع) بديلاً وهو الذي قال فيه مَن شارك في معرك كربلاء من الصف الآخر: (والله ما رأيت مكسورا قط قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جاشا ولا أمضى جنانا، ولا أجرأ مقدما منه والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله)، ولأنه كذلك وهو سبط النبي محمد(ص) وسيد شباب أهل الجنّة وسيد الشهداء من الأولين والآخرين من الأنبياء والأولياء والصالحين، فإن الكتابات عنه ليست بقليلة، وكلما تعرَّفت الأمم والأقوام غير المسلمة على شخصيته زادت إعجاباً به وتعددت الأقلام لغة ومعتقداً ومذهباً، وهذا ما نلحظه عند تصفح الجزء الثالث من "معجم المقالات الحسينية" للفقيه المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي الصادر عام 2013م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 620 صفحة من القطع الوزيري.

والكتاب في واقعه قراءة مقتضبة للمقالات الخاصة بالإمام الحسين(ع) ونهضته المباركة من خلال بيان عنوان المقالة وكاتبها وتاريخ نشرها والناشر وموضوعها، قد وضعت حسب الحروف الهجائية، بيد أن الإنتهاء من حرف الألف أو الباء لا يعني عند المؤلف انتهاء المقالات برمتها والتي تبدأ بحرف الألف أو الباء، وإنما لكثرة المقالات الحسينية وهي بالآلاف بل بعشرات الآلاف وبلغات مختلفة حتّم على المحقق الكرباسي اختيار مجموعة مقالات من كل حرف، لأنه لو اعتمد التسلسل الأبجدي بشكل عام بغض النظر عن كل جزء فإن حرف الألف ربما استغرق من الكاتب مجلدات كثيرة حتى يصل إلى حرف الباء وهكذا، وهي طريقة لم يجدها مناسبة لاسيما وأن باب معجم المقالات الحسينية يضم العشرات من المجلدات، وهذا ما جرى عليه السياق في الجزء الأول الصادر عام 2010م والجزء الثاني الصادر عام 2011م، فضلا عن أن المقالات الحسينية هي في حالة ازدياد من حيث النشر وباللغات المختلفة، ساهمت وسائل الإتصال الحديثة في إظهارها بشكل كبير، ناهيك عن أنَّ القضية الحسينية لم تعد قاصرة على الموالين والمحبين، بل طافت أنحاء العالم، ويكاد يكون تقصي المقالات الحسينية في اللغات المختلفة أمر على غاية من الصعوبة، عمد المحقق الكرباسي إلى تقصيها ما أسعفه البحث والتنقيب وباللغات المختلفة، وهذا هو الظاهر في هذا الجزء والجزئين السابقين والأجزاء الأخرى التي هي تحت الطبع، ولهذا نجد في المعجم مقالات باللغات العربية والأردوية والفارسية والپشتوية والانكليزية وغيرها، على أن اللغة العربية تستأثر بالكثير من المقالات.

وضم المعجم في قسم الألف 157 عنواناً، وفي الباء 12 عنواناً، وفي التاء 37 عنواناً، وفي الثاء 27 عنواناً، وفي الجيم 14 عنواناً، وفي الحاء 131 عنواناً، وفي الخاء 13 عنواناً، وفي الدال 26 عنواناً، وفي الذال 18 عنواناً، وفي الراء 26 عنواناً، وفي الزاي 7 عناوين، وفي السين 27 عنواناً، وفي الشين 26 عنواناً، وفي الصاد 11 عنواناً، وفي الضاد عنوانين، وفي الطاء 11 عنواناً، وفي الظاء عنوان واحد، وفي العين 107 عناوين، وفي الغين عنوانين، وفي الفاء 41 عنواناً، وفي القاف 25 عنواناً، وفي الكاف 14 عنواناً، وفي اللام 11 عنواناً، وفي الميم 6 عناوين، وفي النون 10 عناوين، وفي الهاء 7 عناوين، وفي الواو 6 عناوين، وفي الياء 6 عناوين، ومجموع العناوين هي 790 عنواناً توزعت على عشرات وسائل الإعلام المقرؤة خطها المئات من الكتاب، أوضح المؤلف في سطرين أو ثلاثة معالم المقالة وفحواها.

كنّا في لاهور

عالمية النهضة الحسينية هي التي ساقتنا في رحلة عمل مع وفد دائرة المعارف الحسينية إلى الباكستان في الفترة 12-22 حزيران يونيو 2013م لحضور المؤتمر الدولي الأول الذي انعقد في العاصمة الدينية لاهور للتعريف بالموسوعة الحسينية تحت عنوان "مؤتمر الإمام الحسين الدولي على ضوء دائرة المعارف الحسينية" حاضر فيه وتحدث وعلى مدى يومين أكثر من خمسين شخصية علمية وعلمائية من جنسيات مختلفة وبلغات متنوعة بين العربية والأردوية والتركية والإنكليزية والپشتویة والفارسية وغيرها، وقف الحضور لأول مرة على 80 جزءاً من الموسوعة الحسينية هي عدد المطبوع من مجموع 750 جزءاً.

ومن الطبيعي أن تثير الموسوعة الحسينية بهذا الحجم وسائل الإعلام الباكستانية التي كانت موجودة في جلسات المؤتمر الصباحية والمسائية، ولم تكتف بالمؤتمر فعمدت إلى استقبالنا في مكاتبها قبل المؤتمر وبعده حرصاً منها على اطلاع قرائها على موسوعة الكرباسي التي فاقت الموسوعات كلها حجماً وعدداً وتحقيقاً، ومن الإعلاميين الباكستانيين البارزين هو الأديب شهزاد علي ذو القرنين المحرر في صحيفة جنگ التي تعتبر الصحيفة الأولى في باكستان ولها فروع في أوروبا والأميركيتين، والناشط في إذاعة الپنجاب التی تبث من لاهور، وقد سألني في حوار صحفي عن الغاية من زيارتنا لباكستان حيث أهلها يتكلمون اللغات الأردوية والپشتوية والسرائيكية وغيرها في حين أن الموسوعة الحسينية ناطقة باللغة العربية، لم يكن الجواب بعسير عن موسوعة تمحورت أبوابها في شخصية عابرة للحدود، ولكني أجبته من خلال كتاب "معجم المقالات الحسينية" وأرجعته إلى الصفحة 53 من الجزء الأول والصفحة 24 من الجزء الثالث منه وفيهما شرح مفصل عن جريدة جنگ في طبعتها الدوليَّة والمحلية، وزاد استغرابه من الأمر، فتفرعت في الجواب، وقلت له: صحيح أنَّ الموسوعة الحسينية لسانها الأول اللغة العربية، ولكنها تتحرى النتاجات الحسينية في اللغات الأخرى، ومنها اللغة الأردوية، وقد عمد المحقق الكرباسي في معجم المقالات إلى وضع فصل مستقل يقدم فيه للقارئ معلومات وافية عن المطبوعة التي نُشرت فيها المقالة، ويكون بذلك قد وثّق للمقالة وكاتبها وناشرها، ومن المقالات الحسينية تلك المنشورة في الصحف الباكستانية ومنها صحيفة جنگ، وقد زاد جوابي تلهفه لرؤية المجلدين، وبالفعل وفّرت له الجزئين ووعد متحمِّساً لإجراء تحقيق مستقل عن العلاقة بين النهضة الحسينية والصحافة الباكستانية متخذاً من صحيفة جنگ وما كتب عنها الدكتور الكرباسي نموذجاً، وحتى أرفع لديه من منسوب دهشته أطلعته على شروحات وبيانات لصحف ومجلات باكستانية أخرى وردت في الأجزاء الثلاثة المطبوعة من معجم المقالات الحسينية من قبيل صحيفة "دن" التي هي الأخرى أجرى الصحافيان فيها حافظ نعيم أحمد وتصوّر حسين شهزاد حواراً صحفيا مع وفد الموسوعة الحسينية والوارد بيانها في الصفحة 23 من الجزء الثالث، ومجلة پیام زينب الشهرية الوارد ذكرها في الصحفة 16 من الجزء الثالث، التي استضافنا مؤسسها السيد افتخار حسين النقوي في مكتبه بلاهور يوم 20/6/2013م، وكانت قناته الفضائية "سچ" فاعلة في جلسات المؤتمر الدولي، وهكذا الأمر مع جريدة باكستان پوست، ومجلة ترجمان حق، وغيرهما.

فما أتى به الكرباسي من شروحات للمصادر الإعلامية التي وردت فيها المقالات الحسينية، يدخل في إطار العمل التحقيقي والتوثيقي، حيث يسهل على القارئ معرفة التفاصيل التي قد لا يجدها في مكان آخر، إلى جانب بيان حياة المؤسسين ورؤساء التحرير، حيث ينسى الإعلاميون في زحمة العمل الصحافي توثيق أنفسهم، وقلّما يقوم الآخرون بترجمة سيرتهم وتوثيقها لأسباب كثيرة يعرفها الإعلاميون أنفسهم في مقدمتها حسد المهنة والإبداع، ولأن الكرباسي ديدنه التوثيق بغض النظر عن شخصية المؤسس أو رئيس التحرير أو المحرر، إن كانت شخصية إسلامية أو علمانية أو ليبرالية أو مسلمة أو غير مسلمة، فالأهم عنده المعلومة، وقد ورد في الجزء الثالث شروحات لـ (78) وسيلة إعلامية بلغات وجنسيات مختلفة مع تجاوز شروحات وسائل الأعلام المذكورة في الجزئين الأول (92 وسيلة) والثاني (71 وسيلة) والتي وردت في الجزء الثالث.

وجاءت وسائل الإعلام كالتالى حسب الحروف الهجائية: الأحرار (مجلة- كربلاء)، إسلام أون لاين (موقع- الدوحة)، إطلالة النور (مجلة- كربلاء)، أنوار كربلاء (جريدة- كربلاء)، إيران (جريدة- طهران)، بازياب (موقع- فارسي)، البرهان (موقع- لغات عدة)، البلاد (مجلة- بيروت)، پاكستان پوست (جريدة- نيويورك)، پيام زينب (مجلة- لاهور)، پيام قرآن (مجلة- قم)، پيغام نجات (مجلة- برلين)، تربية نت (موقع- المنامة)، ترجمان حق (مجلة- كراچي)، جريدة البصرة الإلكترونية (موقع- البصرة)، الجمعة (نشرة- باريس)، الجنائن (جريدة- الحلة)، الحب والحياة (نشرة- الكويت)، حديث قزوين (جريدة- قزوين)، دار السلام (مجلة- ليدز- بغداد)، دار الولاية للثقافة والإعلام (موقع- قم)، دِن (جريدة- لاهور)، جنگ (جريدة- لندن)، ذي نيشن (جريدة- لندن)، الرسالة (نشرة- لندن)، رسالة الجامعة الإسلامية (مجلة- لندن)، الرصد (مجلة- بيروت)، الروضة الحسينية (مجلة- كربلاء)، الزوراء (جريدة- بغداد)، سازمان تبلغات إسلامي (موقع- فارسي)، سفير (مجلة- نيوجيرسي)، السيدة نرجس (نشرة- الكويت)، شاهد (جريدة- لندن)، شبكة أخبار الناصرية (موقع- الناصرية)، شبكة أنباء العراق (موقع- بغداد)، شبكة سفينة النجاة (موقع- هامبورغ)، شبكة فجر الثقافية (موقع- المنطقة الشرقية)، الشراع (مجلة- بيروت)، صداقت (جريدة- الپنجاب)، صدى الروضتين (جريدة- كربلاء)، صوت آل البيت (جريدة- القاهرة)، صوت الإسلام (مجلة- كربلاء)، صوت الأكراد الفيلية (نشرة- لندن)، صوت الطلبة (مجلة- بغداد)، صوت المغتربين (موقع- أريزونا)، عبير المودة (نشرة- هولندا)، عراق الأمل (موقع- استانبول)، العمارة (موقع- ميسان)، العواصف (جريدة- بيروت)، الغدير (مجلة- لندن)، الفرات (جريدة- النجف)، القصب (مجلة- بيروت)، قناة الفيحاء (موقع- السليمانية)، الكاتب (مجلة- القاهرة)، الكوثر (مجلة- قم)، لواء الصدر (جريدة- طهران)، مؤسسة الأبرار الإسلامية (موقع- لندن)، مؤسسة الرسول الأعظم (موقع- القطيف)، مؤسسة فرهنگي قرآن وعترت صابرة (موقع- طهران)، المجلة الحسينية المصورة (مجلة- الكويت)، مرآة الكتب (مجلة- قم)، مشرق (جريدة- پيشاور)، معهد الإمامين الحسنين (موقع- قم)، المنار (مجلة- كربلاء)، المنبر (جريدة- لندن)، المنبر (مجلة- الكويت)، المواطن (جريدة- بغداد)، موسوعة صحف الطيبين (موقع- قم)، النافذة (مجلة- قم)، النبأ (مجلة- بيروت، كربلاء)، النخلة (نشرة- دمشق)، الهدى (جريدة- كربلاء)، الوسط (جريدة- المنامة)، وكالة أنباء براثا (موقع- بغداد)، وكالة أنباء التقريب (موقع- طهران)، الوطن (جريدة- الكويت)، الوطن (موقع- أميركا)، ويوم زينب (مجلة- لاهور).

ويُلاحظ من خلال نظرة بسيطة إلى وسائل الإعلام في هذا الجزء والجزئين السابقين، توزعها على بقاع مختلفة من الكرة الأرضية وبلغات مختلفة، مما يعكس حجم التأثير الذي راحت النهضة الحسينية تتركه على مسار حياة الشعوب في داخل المحيط الإسلامي وخارجه.

دكّا على الخط

ولأننا دخلنا باكستان من بوابة "كنا في لاهور" نخرج منها عبر البوابة نفسها حيث استوقفني خلال قراءتي للمعجم مقالة باللغة الأردوية بعنوان "آداب محرم" بقلم العلامة الفقيد صفدر حسين النقوي النجفي المتوفى عام 1410هـ، فاستذكرت زيارتنا للاهور وتفقدنا لحوزة المنتظر التي أسسها الفقيد وقراءة سورة الفاتحة عند مرقده في الحوزة نفسها التي تعد واحدة من معالم لاهور وتضم نحو مائتي غرفة تستوعب طلبة العلوم الدينية الذين قدموا من بلدان باكستان المختلفة لينهلوا من علوم أهل البيت(ع) ، وتخرَّج منها عدد من أعلام باكستان، ولها مجلة شهرية بالإسم نفسه تسعى لتنوير المجتمع الباكستاني بتراث أهل البيت(ع) وتعمل من خلال ترجمة مقالات ودراسات لأعلام الأمة من العراق وإيران ولبنان وغيرها على ربط المجتمع الباكستاني بالمجتمعات العربية والمسلمة وتجسير العلاقات بين الناطقين باللغة الأردوية وبغيرها.

وإذا كان مقال الفقيد النقوي النجفي في المعجم أعاد بالذاكرة إلى لاهور، فإنَّ وقوفنا على مرقده وفي مدرسته العلمية وبين أساتذته وطلبته ومصلاه ومكتبته يقدم الدلالة تلو الأخرى أنَّ الإنسان حيٌّ بعلمه وقلمه، ومداد العلماء ماء حياة في أولاهم وأخراهم، وأن الذي يضع حجر الأساس لمعلم علم أو ديني أو ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي وغير ذلك، فيه مصلحة الأمة، فإن سنّة الحياة تقضي بحياة صاحب المعلم في حياته وبعدها.

 وإذا كانت لاهور شاهدة بحاضرتها العلمية فإنه في الجنوب الشرقي منها وعلى بعد أكثر من ألفي كيلو متر تقع دكا عاصمة البنغلاديش الشاهدة بمساجدها وحسينياتها، ولاسيما حسينية دالان التي وثقها المحقق الكرباسي في الجزء الأول من مجلد "معجم المشاريع الحسينية" كواحدة من أقدم وأجمل الحسينيات التي لازالت قائمة إلى يومنا ويعود بناؤها إلى منتصف القرن الحادي عشر الهجري، فرغم مضي أربعة قرون على بنائها فإنها عامرة ما يؤكد حيوية وحياة ما هو حياة للأمة، ومن قلب هذه المدينة التي حكمتها على فترات أسرة النواب الملكية، قلّب السياسي البنغالي - عضو مجلس النواب البنغلاديشي المستشار القانوني علي عباس نواب خان الذي يعود نسبه إلى هذه الأسرة- الجزء الثالث من معجم المقالات الحسينية، وكتب مقدمة باللغة البنغالية قال فيها: "وهذا هو الجزء الثالث من معجم المقالات من دائرة المعارف الحسينية بين يديَّ والذي يهتم بما كُتب عن الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه في مجمل الصحف والمجلات والوسائل الإعلامية مما يُعدُّ عملاً رائعاً يقدمه سماحة العلامة الكبير الدكتور محمد صادق الكرباسي في هذا المجال، حيث لم أجد مَن سبقه إلى ذلك إذ يوثِّق للتاريخ مدى اهتمام الأمة الإسلامية وغيرها في الكتابة عن نهضة الإمام الحسين(ع)، وبهذا سيُخلَّد كلُّ مَن كتب في الإمام الحسين(ع) كما يُخلَّد مَن اهتم بتأريخ هذه المقولات في سائر اللغات من القِدَم وإلى يومنا هذا".

ورأى النائب البنغالي من خلال قراءته للنهضة الحسينية: "إن الحسين بشهادته حفظ الإسلام"، بل: "إن تضحيات الإمام الحسين(ع) على طريق العدالة وبناء الإنسان صارت معروفة وأصبح عليه السلام مثالاً للمظلومين، ولهذا فإنَّ كل الأمم اليوم تنادي يا حسين"، وعليه يحق لنا القول: "إن تضحيات الإمام الحسين ليست خاصة بزمن معين أو أناس بعينهم، بل هو للبشرية جمعاء". وهي قراءة مسّت الواقع، عبر تصفحه للمعجم وما فيه من مقالات متنوعة ومختلفة من حيث اللغات والأقوام والبلدان.

 وما خطه يراع النائب علي عباس نواب خان المولود عام 1958م في قرية پريتهيمپاسا (prithimpassa) من توابع مدينة مولوي بازار (Moulvibazar) شمال شرق البنغلاديش، عن الموسوعة الحسينية ومؤلفها وراعيها هي قراءة نابعة من جولة ميدانية لدائرة المعارف الحسينية وقف على المطبوع منها والمخطوط المستشار نواب خان في زيارته للمركز الحسيني للدراسات بلندن نهاية العام 2012م ولقائه بالمؤلف، لتضيف له الرؤية العيّانية الكثير مما كان قد أخذه من أفكار عامة في لقاء جمعنى وإياه في مدينة كربلاء المقدسة في شعبان عام 2012م في فندق الشرق الأوسط.

* الرأي الآخر للدراسات- لندن

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 8/آب/2013 - 30/رمضان/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م