المبادرة العربية، بين التحديث والتعديل!

د. عادل محمد عايش الأسطل

علاوةً على الأوضاع المضطربة، والتي أحاطت بعامة الدول العربية منذ السنوات الأولى من استقلالها وحتى الأن،  فإن هناك ظاهرتين تعتبران من أشد الظواهر، التي من شأنها أن تعمل على إدخال المرء في الحرج أمام نفسه أولاً، ثم أمام الآخرين بعد ذلك، إن لم تُجبراه على الخروج عن الوعي أحياناً، إحداهما: متابعة أحداث المأساة السورية، والثانية، متابعة مساعي وأفعال الجامعة العربية، وخاصةً فيما يتعلق بجملة الأمور الموكلة إليها، وسواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وغيرها من الأمور الحياتية، التي تهم شعوبها وفي أماكن تواجدهم.

فالمتابع للأحداث السورية، فإن أقل ما يكون، سيشعر أي حرٍّ عربيٍ، أيّاً كان موطنه، بالنكوص والانكماش، والخزي والعار أمام نفسه، وبشكلٍ أعمق تأثيراً، أمام أعداء العرب وعامة المسلمين. بسبب أن ما يحدث وإلى الآن،- إذا ما نظرنا إلى الفئات المتحاربة بأنها من ملة واحدة - لم يحدث مثله قط، حتى أثناء حرب الشمال والجنوب الأمريكية التي حدثت خلال الأعوام 1861-1865.

أمّا بالنسبة للجامعة العربية، فإن مجرّد سماع اسمها يثير السخط والتمرد، والدوار والغثيان من ناحيةٍ أخرى، لا سيما وأن أقل ما يميزها عن الاتحادات الأخرى المنتشرة والفاعلة حول العالم، أنها بلا إيجابيات ولا إنجازات، بل وتعتبر صاحبة الرقم القياسي في جملة الإخفاقات في مساعيها حول الأزمات التي تغلّف العالم العربي منذ الأزل بشكلٍ عام. ومثّلت عبئاّ على كرامة المواطن العربي لحساب الغير والأعداء – الولايات المتحدة وإسرائيل - على وجه الخصوص، قبل أن تمثّل إسرافاً وإهداراً للمال والاقتصاد العربي، ناهيك عن حيازتها السمعة السيئة أمام الدول والشعوب المتحررة الأخرى.

صحيح أن الجامعة العربية أكبر سنّاً من كل الاتحادات الإقليمية والدولية، بما فيها الاتحاد الأوروبي، لكنها أقل شأناً وأوضع قدراً منها، وكأنها أُنشئت على مبادئ وأسس مخالفة، تقوم على خدمة الغير فقط. فطوال عمرها المديد، لم يُسجل التاريخ لصالحها أيّاً من الإنجازات أو الأعمال وإن صغرت، بل وكانت مساعيها نحو كل مسألة من المسائل أو أزمة من الأزمات، لا تزيدها  إلاّ بِلة، وتراءى ذلك بوضوح في أكثر من أزمة، وسواء كانت حاصلة بين دولتين عربيتين أو كانت داخل القطر الواحد، وهي لا تزال على المنوال صامدة إلى الآن.

صحيح أن الاستعمار الأجنبي كانت له اليد الطولى، في تأسيس الجامعة العربية على شكل خاص يقوم على خدمة مصالحه، من خلال زرع بذور الفتنة بين أعضائها، انتشرت في إثرها تخوفات وشكوك مختلفة، وتواجدت نزعات مثيرة للحذر والتفرقة، بقدرٍ زائد، طغى على ما من شأنه العمل نحو الألفة والاتحاد، حيث رافقت الجامعة طوال تواجدها على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وتوضحت من خلال ترسيخ مفاهيم ومسلّمات، أن هناك دولاً قومية وأخرى محافظة، ودولٍ ملكيّة وأخرى جمهورية، وآسيوية وأفريقية، وأخرى غنيّة لا تهتم بجارتها الفقيرة، وغير ذلك. وتلك ما انعكست آثارها بوضوح في الصراعات العربية- العربية المزمنة وعلى اختلافها، منذ نشأة هذه الجامعة وإلى الآن.

في آخر تحديث لمبادرتها السلمية بخصوص القضية الفلسطينية، التي كانت أنجزتها بحضور الملوك والقادة والزعماء العرب خلال قمة بيروت عام 2002، قامت الجامعة من خلال الوفد الوزاري المكلّف، وفي خطوة جريئة، بالإعلان عن تعديلات (جوهرية) على مبادرتها السياسية، التي لا زالت (مُهملة) على الطاولة، بهدف بعث الروح فيها، أملاً في حلحلة القضية الفلسطينية، حيث أجازت فيها رسمياً، مبدأ تبادل الأراضي المختلف عليها بين الإسرائيليين والفلسطينيين. حيث أكّد رئيس الوفد، رئيس الوزراء القطري "حمد بن جاسم" دعمه لمقترحات الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" حول تبادل متماثل ومحدود للأراضي يتفق عليه، بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ويعكس الواقع على الارض. الأمر الذي أشاع نوعاً من راحة البال لدى الأمريكيين عموماً، وهذا ما عبّر عنه المضيف "جون كيري" وزير الخارجية الأمريكي، والمخرّب الجديد في ساحة الشرق الأوسط، عندما رحب بذلك أبلغ ترحيب، وأشاد بهذه الخطوة الكبيرة جداً، باعتبارها خطوة إلى الأمام".

من جهتها إسرائيل، فقد احتفلت بالإنجاز المجاني، ودخلت الاحتفالات نطاق كل بيت إسرائيلي، ليس لأنهم وقعوا على تنازلٍ مهمٍ من العرب من غير ثمن فقط، بل لأن تلك الخطوة  باعتبارها مقدمة للمزيد من التنازلات في المستقبل، مقابل مداومة عكوف إسرائيل على ممارسات الحرب والاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين عموماً.

هذه الخطوة أعطت درجة النجاح الكافية لرئيس الوزراء "بييامين نتانياهو" ليقوى بها أمام مواطنيه والولايات المتحدة والغرب عموماً، نحو إثبات صحة سياساته باتجاه الفلسطينيين، وقد عبّر عن ترحابه الشديد بذلك الدعم، له وللمسيرة السياسية، من خلال استعداده دائماً للمفاوضات وفي أي زمان ومكان ولكن دون شروط مسبقة، بالرغم من أهمية تلك الخطوة لديه، بمبرر أنه لا يمكن للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، أن يعرضا مواقفهما إلاّ من خلال المفاوضات فقط". وعلى أن الجانبين سيكون بإمكانهما تقديم مواقفهما حين تبدأ المفاوضات"، وفي نفس الوقت رفض ضمناً طلب الفلسطينيين وضع مرجعية للتفاوض بخصوص حدود 1967.

أمّا وزيرة العدل الاسرائيلية "تسيبي ليفني" التي وظِّفها "نتانياهو" لإدارة ملف المفاوضات مع الفلسطينيين، فقد ضحكت حتى استلقت خلفها، وكشفت عن ساقيها، واعتبرت الخطوة بالمهمة ودعت للتحدث عن ذلك فوراً، داخل غرفة (المفاوضات) المغلقة وتقديم التنازلات اللازمة".

أمّا بالنسبة لموقف السلطة الفلسطينية، الذي اتسم بالصمت أو التحفّظ على خطوة الجامعة، بادئ الأمر، وكأنها على غير معرفةٍ وعلمٍ مسبقين، فإن ذلك لم يستمر طويلاً، باعتبارها أحد أعضاء الجامعة العربية، وصاحبة القضية الرئيسية، إذ من غير الممكن للوفد العربي هذا، أن يطير ويسقط في واشنطن بمعزل عن استشارتها والاتفاق معها بهذا الشأن، بعد أن أفصح الرئيس "محمود عباس" على أن أيّة تعديلات (طفيفة) مقترحة لحل الدولتين على حدود عام 1967، ستدرس خلال المفاوضات، حول تنفيذ رؤية حل الدولتين. ومن جانبه اعتبر كبير المفاوضين الفلسطينيين "صائب عريقات" تعديلات الجامعة بأنها ليست بالجديدة، وأنها تعكس الموقف الفلسطيني الرسمي". على اعتبار أن "أبومازن" كان قد اتفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك "أيهود أولمرت" منذ العام 2008، على تبادل الأراضي، وطالب في مناسبات عدّة "نتانياهو" بضرورة التزامه بما تم الاتفاق عليه مع "أولمرت".

بغض النظر عن موجة الرفض الشديدة من قِبل مختلف الحركات والقوى والأحزاب الفلسطينية، للخطوة العربية (التنازلية) وعلى رأسها حركتي (حماس– الجهاد الإسلامي)، فإن إسرائيل بالمقابل لن تلقي لها بالاً، وستمرّ عليها مر الكرام، ليس لمدة عشر سنواتٍ هو عُمر المبادرة العربية فقط، بل وستنساها لضعف تلك المدّة، لأنها ببساطة، ليست معنية إلاّ بخضّ الماء وطحن الهواء، إلى ما لا نهاية، وستظل الجامعة العربية على طريق السلام، طريق التنازلات، إلى حين تأتي اللحظة، وينتصر فيها الشعب الفلسطيني ويسترد كل ما كان ضائعاً.

* خانيونس/فلسطين

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 6/آيار/2013 - 25/جمادى الآخرة/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م