كردستان العراق... علاقة ملتبسة ونوايا مستترة

 

شبكة النبأ: لايزال المشهد السياسي في العراق يعج بالكثير من المشاكل والخلافات السياسية القائمة بين الكتل والأحزاب العراقية والتي باتت تؤثر بشكل مباشر على حياة الشعب العراقي، ولعل من أهمها الخلافات المستمرة والأزمة الدائمة ما بين حكومة المركز وإقليم كردستان والتي أخذت بالاتساع في الفترة الأخيرة حتى أصبحت اقرب إلى النزاع العسكري بين أبناء الوطن الواحد بسبب اختلاف وجهات النظر بين الطرفين وتخوف الكرد المستمر من هيمنة العرب الذين كانوا في الأمس القريب شركاء السلاح في مواجهة النظام البائد على مركز القرار الذي يشاركون في صياغته باعتبارهم أهم المكونات في عراق ما بعد التغير، حيث يرى بعض المراقبين ان الصراع السياسي في العراق قد تحول الى صراع سلطوي وعداء شخصي بين بعض القادة والزعماء الهدف منة إضعاف الطرف المقابل من خلال فرض أراء شخصية او قرارات متفردة بعيدة عن النصوص الدستورية المتفق عليها، تلك القرارت قد تكون في بعض الأحيان مدعومة من جهات ودول خارجية تسعى الى إضعاف نفوذ العراق في المنطقة من خلال تأجيج وافتعال المشاكل والأزمات، مؤكدين في الوقت ذاته على وجود مخططات إقليمية لتقسيم العراق من خلال دعم  ومساندة الجانب الكردي الرافض والمتشكك بكل قرارات الحكومة المركزية والساعي الى تطوير قدراته العسكرية في سبيل السيطرة على بعض المدن العراقية المهمة وهو ما ترفضه أغلب فئات الشعب العراقي بما فيهم بعض الكرد.

وفي ما يخص الأزمة السياسية الأخيرة بين حكومة المركز وحكومة الإقليم والتي نجمت بسبب إقرار تشكيل عمليات دجلة التي عدها الكرد تشكيل لضربهم وهو ما دفعهم الى التصعيد العسكري واستخدام لهجة التهديد والوعيد، فقد اتهم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سلطات إقليم كردستان بتصعيد الأزمة محذرا من "مخاطر لا تحمد عقباها"، في وقت وصلت قوات كردية جديدة الى مشارف كركوك في خطوة قال مسؤولون أكراد أنها تهدف الى استبدال قوات أخرى. وذكر بيان صادر عن المكتب الإعلامي لنوري المالكي ان المسؤولين في إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي ينتهجون "نبرة التصعيد غير المسؤولة التي تعود بالضرر الكبير على الجميع وفي مقدمتهم الشعب الكردي".

واعتبر ان "تحريك القوات العسكرية والتحشيدات الجديدة والدفع بها الى هذه المناطق ومحاولات تهجير بعض العوائل من كركوك لا تدل على رغبة حقيقية في إيجاد الحلول". ودعا البيان "المسؤولين هناك الى الكف عن هذه التصرفات والانتباه لخطورة هذا المسلك وما يمكن ان يجلبه من مخاطر لا تحمد عقباها على الجميع".

وتشهد العلاقة بين بغداد وحكومة اقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي ازمة حادة بسبب خلافات عدة اخرها تشكيل بغداد "قيادة عمليات دجلة" لتتولى مسؤوليات امنية في مناطق متنازع عليها. وقد انعكس الخلاف توترا على الارض حيث قام كل من الطرفين بحشد قوات قرب مناطق متنازع عليها خصوصا في محافظة كركوك الغنية بالنفط شمال بغداد والتي يعيش فيها معظم مكونات الشعب العراقي. وكان المالكي حذر من تحول الازمة الى "صراع قومي".

ووصلت الى مشارف كركوك من الناحية الشمالية قوات خاصة كردية ذكر شهود عيان انها شملت مدرعات ودبابات واليات أخرى. وقال أمر لواء البشمركة في كركوك اللواء شيركو فاتح ان "الوضع الأمني في كركوك هادئ ومستقر وان هذه القوات التي وصلت جاءت لتغيير القوات المحتشدة هناك منذ ايام بما يضمن الراحة العسكرية للمقاتلين".

من جهتها وأعلنت سلطات الإقليم في بيان نشر على موقع الحكومة المحلية ان المفاوضات بين اربيل وبغداد وصلت الى طريق مسدود بسبب تمسك بغداد بنشر قواتها في المناطق المتنازع عليها. ودافع المالكي عن قرار حكومته بنشر القوات الحكومية، قائلا "اسمع (بانه) لماذا تحرك الجيش العراقي ؟ من حق هذا الجيش الاتحادي التواجد في اي بقعة من العراق".

واضاف "اذا كان تحريك الجيش داخليا ممنوع، فكيف بتحريك قوات دبابات ومدرعات ومدفعية من الاقليم على الحكومة الاتحادية؟"، في اشارة الى الحشود العسكرية الكردية مؤخرا قرب مناطق متنازع عليها. وعن احتمال اعادة انتشار قوات اميركية للسيطرة على الاوضاع، اكد المالكي ان "هذا غير ممكن (لان) الاتفاقية انهت وجود القوات الاجنبية"، مضيفا ان معالجة الازمة "مسؤولية الحكومة العراقية والاقليم، عليهما العمل على انهاء مشاكلهما دون الاستعانة بطرف ثالث". بحسب فرنس برس.

وسئل رئيس الوزراء عن قلق الاكراد من تسليح الجيش العراقي، فقال "عندما نشتري السلاح (فهو) ليس للكرد او الشيعة ولا السنة"، مشددا على ان "صفقات السلاح كلها دفاعية وهي ابسط احتياجات البلد".

مبادرة لإنهاء الأزمة

في السياق ذاته اعلن رئيس مجلس النواب العراقي (البرلمان) اسامة النجيفي إطلاق مبادرة تهدف لمعالجة الأزمة بهدف "تجنيب البلاد ويلات الحرب الأهلية". وجاء في بيان صادر عن مكتب النجيفي انه "في ظل ازدياد حدة التوتر بين حكومتي بغداد واقليم كردستان، اطلق رئيس مجلس النواب اسامة عبدالعزيز النجيفي مبادرة تهدف الى تقريب وجهات النظر بين الطرفين من اجل نزع فتيل الازمة، وتجنيب البلاد ويلات الحرب الأهلية".

واشار البيان بان النجيفي "بدأ سلسلة لقاءات مع القيادات السياسية في بغداد واربيل للتوصل الى حلول جذرية لانهاء الازمة وانقاذ البلاد من صراع داخلي قد يؤدي الى عواقب وخيمة". وتاتي هذه المبادرة على ضوء اجتماع رؤساء الكتل السياسية في مجلس النواب منح خلاله النجيفي تفويضا للقيام بسلسلة زيارات من اجل تهدئة الاوضاع وانهاء الخلاف، وفقا للبيان.

وتصاعدت حدة التوتر بين بغداد واربيل اثر مواجهات بين قوات الامن العراقية ومسلحين في قضاء طوزخورماتو ، وقامت حكومة الاقليم على اثرها بتحشيد الاف المقاتلين رغم تاكيد قائد عمليات دجلة الفريق عبد الامير الزيدي بان العملية كانت تهدف لاعتقال احد المشتبه بهم. وقام رئيس اقليم كردستان العراق باعلان حالة التاهب في صفوف قوات الامن (البشمركة) في المنطقة التي تتمتع بالحكم الذاتي بعد وقوع حادث مع جنود عراقيين.

التدخل التركي

في السياق ذاته اتهم رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالسعي الى اثارة حرب اهلية في العراق بعدما اشتد التوتر بين بغداد واقليم كردستان الخاضع لحكم ذاتي. وقال اردوغان للصحافيين قبل مغادرته الى باكستان "النظام (العراقي) يريد الاتجاه بالوضع نحو حرب اهلية".

واضاف "كنا نتخوف على الدوام من احتمال ان يتسبب بحرب طائفية، ومخاوفنا بدأت في هذا الوقت تتحقق شيئا فشيئا". وعبر اردوغان ايضا عن "قلقه" حيال "نزاع محتمل على النفط" في العراق. وتوترت العلاقات اكثر بين بغداد وانقرة بسبب رفض تركيا تسليم نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي المحكوم عليه بالاعدام غيابيا في بلاده. بحسب فرنس برس.

واحتجت بغداد رسميا في اب/اغسطس على زيارة وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو الى كركوك بشمال العراق بدون ابلاغ السلطة العراقية المركزية. واستبعد مجلس الوزراء العراقي الشركة الوطنية التركية للنفط والغاز (تباو) من عقد لاستكشاف النفط في الجنوب في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر.

على صعيد متصل قالت مؤسسة بحثية إن على تركيا أن توفر للأكراد حقوقا مساوية من حيث استخدام اللغة والحكم المحلي والهوية والتمثيل السياسي مع سعي جنوب شرق البلاد الذي يغلب على سكانه الأكراد الى تفادي تدهور الصراع الانفصالي بالمنطقة. وأضافت أن العنف بين الدولة ومتمردي حزب العمال الكردستاني وصل الى مستويات لم تحدث منذ التسعينات مما أدى الى مقتل ما لا يقل عن 870 شخصا منذ يونيو حزيران 2011.

وفي تقرير ركز على ديار بكر اكبر مدينة في الجنوب الشرقي أوصت مجموعة الأزمات الدولية الحكومة وزعماء الأكراد بتعزيز الثقة وحقوق اللغة الكردية وبمناقشة اللامركزية. وقال التقرير "الاعتراف الرسمي بالهوية الكردية والحق في التعليم والقضاء باللغات الأم أولوية." وأجرت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان مجموعة من الإصلاحات للغة والثقافة الكردية خلال عشر سنوات من الحكم لكن ساسة أكرادا يقولون إنها لا تكفي ويريدون حكما ذاتيا لمنطقتهم.

وقالت المجموعة الدولية للأزمات إن حكومة اردوغان فعلت أكثر مما فعلته أي حكومة سابقة للسماح باستخدام اللغة الكردية بما في ذلك مبادرة حالية بشأن فصول اختيارية لتعليم الكردية. لكن التقرير قال إن معظم الأكراد لا يرضون بأقل من الالتزام بالتعليم بلغتهم الأم الى جانب زيادة حقوقهم السياسية.

وأضاف "يريد الأكراد في المدينة تمثيلا سياسيا أكثر عدالة ولامركزية وإنهاء لكل أشكال التفرقة في القوانين والدستور." وذكر أن حظر استخدام الكردية في المحاكم ومكاتب الحكومة يقوض تقديم العدالة والخدمات للجميع بشكل منصف. وقال إن الأكراد يطالبون أيضا بإصلاح قانوني لوقف الاعتقالات الجماعية والاحتجاز لفترات طويلة قبل المحاكمة التي يتعرض لها نشطاء سلميون توجه إليهم اتهامات بالارهاب.

ومن بين التوصيات التي قدمها التقرير للزعماء المحليين دعوتهم لنبذ عنف حزب العمال الكردستاني والاقرار بخطوات الاصلاح الايجابية التي اتخذتها الحكومة والتعاون مع ممثليها. وصعد حزب العمال الكردستاني الذي يصنفه الاتحاد الاوروبي وتركيا والولايات المتحدة منظمة ارهابية من هجماته على الجيش التركي هذا العام. بحسب رويترز.

وقتل أكثر من 40 ألف شخص في الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني منذ أن حمل السلاح ضد الدولة التركية في عام 1984 بهدف إقامة وطن للأكراد في جنوب شرق تركيا. وأضر الصراع بالمنطقة من الناحية الاقتصادية. وأفادت المجموعة بأن ديار بكر كانت ثالث أفضل مركز اقتصادي في تركيا لكن المنطقة والاقليم المحيط بها تراجعا إلى المركز رقم 63 . وقال التقرير إن على الحكومة أن تضمن أن تحصل ديار بكر على نصيب عادل من الأموال العامة خاصة للتعليم ومنشآت المطار الدولي والسكك الحديدية والمناطق الصناعية.

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 8/كانون الأول/2012 - 23/محرم الحرام/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م