دولة السلطة ام سلطة الدولة في العالم العربي

عدنان الصالحي/مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

كما انّ الجائع يخرج على مَن أجاعهُ بالإضراب والمظاهرة، كذلك من لا يُستشار يخرج على من أجاع فكرهُ...

الإمام الشيرازي

 

يؤدي غياب المرجعية الفكرية المنظمة للحياة السياسية في البلدان العربية عموما الى تردي واضح في إدارة هذه الدول ويؤثر سلبا على وضع شعوبها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بحيث أوصلها اليوم الى مراحل التفجر اللاشعوري ضد أنظمتها.

يشير آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه الموسوم (الشورى في الإسلام) الى نقطة بالغة الأهمية في بناء الدولة المدنية عموما حيث يركز سماحته على إن الاستشارية هي المرتكز الأول في وضع حجر الأساس بقوله: (كل شيء يرتبط بشؤون الأمـة لابـدّ مـن الاستشـارة فيه..) كون إن القيادة ملك الجميع لا تقتصر ولا تنحصر في جزء محدد من المجتمع ولم يخلق أحدا قائدا والآخر مقودا بل إن الجميع قد تكون له فرصة القيادة.

 (......وإنّ الاستشارية سواء في الحكومات الزمنيةـ مما تسمى - بالديمقراطيةـ أو في الحكومة الإسلامية هي صمام الأمان، وذلك لأنّ الناس كما يحتاجون إلى ملء بطونهم، يحتاجون إلى ملء أذهانهم، فكما انّ الجائع يخرج على مَن أجاعهُ بالإضراب والمظاهرة، كذلك من لا يُستشار يخرج على من أجاع فكرهُ، مهما فُرضَ نزاهة الحاكم، وكونه مطبّقاً لقوانين البلاد).

وعلى ما يبدو فان الكثير من الأخطاء التتابعية الناتجة من التفرد أدت الى تدهور خطير في بناء الدول العربية ولعل من أهم هذه الأخطاء، هو سوء الفهم والتداخل بين مفهومي (سلطة الدولة ودولة السلطة) لدى القيادات السياسية وشعوب عالمنا العربي، والذي كان من أهم الأسباب التي دفعت باتجاه سلوكيات خاطئة ومدمرة، كون اغلبها ارتبط مصيره بمصير ( القائد الضرورة) أو (جلالة الملك المفدى) أو (صاحب السمو) أو غيرها من المسميات التي حصرت وصف الدولة بشخص من يقود لا غير، وجعلت منه مخططا ومنفذا وقاضيا في كل الجوانب دون الرجوع الى أهل الخبرة والمشورة.

 فيما سخرت مؤسسات الدول لصالح السلطة وبنيت أركان (دولة السلطة الحاكمة) وهي في الحقيقة سلطة العشيرة او العائلة او الحزب، و نسفت بشكل أو بآخر سلطة المؤسسات (سلطة الدولة) في اغلب دولنا العربية التي بات هذا العنوان فيها للمظهر الخارجي وللتعامل الدولي.

استخدم البعض ركائز فكر تسلطي معتمدا فيه على إن لا( دولة مؤسسات) إلا (بدولة السلطة)، أي إننا إذا أردنا بناء دولة قوية، فعلينا أولا بناء سلطة قوية تفوق مؤسسات الدولة كي نستطيع تثبيت الاسس الأولى لذلك.

وهذا الشعار وان كان جميل المظهر غير انه مدمر المضمون بل ويخالف الهدف المنشود فكرا وشكلا كونه يمهد لدكتاتورية مبطنة ودولة مؤسساتية الشكل بوليسية الأصل، فكيف يمكن لدولة أن تبني مؤسساتها وهي ترتكز على اصل الفكر الواحد او الشخص الواحد الذي إن نطق نطقوا وان صمت صمتوا، ففي الحقيقة إن السلطات غالبا ما يسيطر عليها عنصر واحد سواء كان شخصا ام عائلة ام حزبا وفي النتيجة فهو يملك زمام الأمور بيده جميعها وهنا ضاعت وبشكل واضح فكرة المؤسسات ودورها.

نحن لا ننفي بان أي دولة يراد إنشاؤها لا يمكن أن تنهض الا بسلطة قوية وأجهزة تنفيذية ناجحة ومتمكنة ولكن يجب أن تبقى جميع هذه الأجهزة من قمة الهرم الى القاعدة خاضعة للحالة المؤسساتية التي ان غاب فيها شخص لا يؤثر على بناؤها بل هنالك من يديم المسير بعده ويحمل المسؤولية بالنيابة او الوكالة.

ولتوضيح الأمر أكثر فلنعرج على هذين المفهومين بشكل موجز:

1- سلطة الدولة:

 من (الناحية النظرية والعملية) تعني أن جميع أجهزة واليات الحكم في هذا النوع، من مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وقوانين، جميعها تعمل في منظومة واحدة متناسقة ومتكاملة تستهدف تحقيق عدة أهداف أهمها رفاهية وكرامة المجتمع وحفظ وحماية البلد، وتستند على مرتكزات ومبادئ فلسفية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، يكون النظام الديمقراطي التعددي أهم وسائله ومبدأ تداول السلطة واحترام الدستور ضمانته، وبالتالي فان رصيد الوطنية والمواطنة لدى الفرد في هذا النوع من الدول يكون عاليا جدا ولا يمكن التنازل عنه للترابط الوثيق بين الإنسان وبلده كونه يشعر بأنه جزء أساسي من بنائه الفكري والاقتصادي والسياسي، وبرز هذا النوع من الحكم في فترة النهضة والعصر الصناعي في أوروبا التي شكلت تغييرا في مسار العقل البشري وكان من أهم نتائجها، انتشار حركات الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي، تلك العوامل ساعدت علي تطور مفهوم سلطة دولة المؤسسات لدي معظم شعوب أوروبا وبعض الدول الأخرى.

2- دولة السلطة:

 ان أجهزة الحكم في دولة السلطة، من مؤسسات ودستور وقوانين وتشريعات تعمل في منظومة واحدة أيضا ولكن لتحقيق مصالح السلطة الحاكمة، ويصبح الوطن وثرواته ومواطنيه جميعها في خدمة هذا العنوان، وفي هذا النوع من الدول تنعدم مظاهر الديمقراطية الحقيقية حتى وان ادعت السلطة بوجودها فيما تقتصر مشاركة المواطنين على الممارسات والفعاليات التي تنظمها الحكومة، وبالتالي فان من الطبيعي أن لا يكترث الإنسان بما يدور في بلده بل قد يصبح جزء مخربا له لغياب حالة الترابط الفطري، وتختفي وتغيب مبادئ وقيم العمل الجمعي وتشخصن الأشياء وتصبح المصالح الضيقة فوق كل شيء ويعم الفساد أجهزة الدولة بل وباقي مستويات المجتمع، وظهر هذا النوع من الحكم في ظل الحضارات القديمة، تحت مسميات مختلفة مثل الحاكم المطلق والحاكم العادل والحاكم الديكتاتوري والحاكم الثيوقراطي وغيرها.

يرجع اغلب المحللين سبب نشوء هذا الفكر في دولنا العربية في عصرنا الحاضر الى عدة أسباب أهمها:

1- تأثر أحزابنا الحاكمة بالنموذج الاشتراكي السوفيتي وما نتج عنه من هيمنة موضوعات نظرية وسياسية جرى اعتمادها عند بناء الدولة السوفيتية ونظامها السياسي أهمها استلام السلطة السياسية عن طريق الثورة، وإحكام القبضة على السلطة لبناء الدولة.

2- غياب المرجعية الفكرية الناظمة للحياة السياسية لدى الأحزاب في البلدان العربية وسيادة المستوى الأيديولوجي وشعاراته المثالية التي تجانب الحياة الواقعية.

3- بحث الشعوب العربية عن رمز او صناعته في كل مرحلة كونها (أي الشعوب العربية) تتفاعل كثيرا مع شخصنة الأشياء لا عمومياتها وكونها ميالة الى صاحب الخطاب العالي والصوت المدوي الذي يجيد استخدام المفردات المناغمة لمشاعرها وملامسة احتياجاتها ولو بشكل نظري.

4- وجود خط دولي او عالمي لا يرغب في وجود دولة المؤسسات في هذه الدول كون الأخيرة ستكون موزعة السلطات مما يصعب التعامل المستقبلي معها وخصوصا في جانب الثروات والعلاقات الاقتصادية وحتى التبعية السياسية.

5- ضعف تيار المجتمع المدني او غيابه ورضوخ وخضوع لأغلب مفاصل السلطة في هذه البلدان.

6- فقدان الهوية الإنسانية وسيادة قيم الانتفاعية والمصالح على حساب الآخرين وحقوقهم وانتشار حالة التزلف والتملق للكسب غير المشروع.

قد يكون هنالك من الأسباب ما يزيد على ذلك ولكن ليس المهم هنا أن نحدد بلا فائدة فالأغلب يجمع على إن مرحلة الربيع العربي فرصة مؤاتية لتغيير هذا المسلك المدمر، وتأسيس بناء جديد لسلطة الدولة والمؤسسات.

فقد أثبتت الأيام والسنوات إن غياب الدولة المدنية والنهج الديمقراطي يجعل النظام السياسي مهددا بالسقوط في كل حين، بسبب تعارض طبيعة الحياة مع التسلط والقمع، وقد استشرف الإمام الشيرازي ما يحدث الآن في (الربيع العربي) وسقوط الحكومات المستبدة قبل عشرات السنين، وذلك بسبب ميولها الى الطغيان واحتكار الحكم وظلم الشعوب، حين قال في نفس الإطار(لهذا نجد إنّ الحكومات في العصر الحاضر، التي قامت باسم الإسلام لم يمض إلاّ زمان يسير حتى انفضَّ الناس من حولهم، ثم عملوا لتقويضهم، فبعضهم سقط وبعضهم قرُبَ سقوطه).

فحري بنا جميعا أن نستلهم الدروس مما جرى ويجري وان ندفع باتجاه مسلك الدولة المدنية ذات الرؤى الاستشارية الاستشرافية، وكلا من موقعه سياسيا وثقافيا واجتماعيا إعلاميا وحتى دينيا، كي نجنب شعوبنا الإسلامية والعربية عقود جديدة من التسلط والحرمان والسلب المنظم لثرواتها، حينها قد يكون ربيعنا، ربيعا مخضرا بدولة (الوطن والمواطن).

* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

http://shrsc.com

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 20/تشرين الأول/2012 - 4/ذو االحجة/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م