الإحباط العلمي

أ.د. حسن منديل حسن العكيلي

وجّهت مجلة انجليزية سؤلا عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب، وخصّصت لمن يُحسن الجواب جائزة قيمة، وقد فازت كاتبة مشهورة بالجائزة القيمة لكونها أحسنت الجواب بأن التشجيع هو الذي ينمي العلوم والآداب.

 وعلى الرغم من أن التجربة السابقة علمتنا أن ما ننشره لم يقرأه المعنيون به، ناهيك عن عدم استجابة الصحف الرسمية لنشره، أضع أمام أنظار من يهمه أمر المشهد العلمي والآكاديمي العراقي بعضا من مظاهر الاحباط العلمي والشجون العلمية:

 إنّ أقسام الشؤون العلمية في بعض جامعاتنا. تكاد تكون ادارتها ادارة تقليدية روتينية تنأى عن روح الإبداع والتشجيع العلمي. مهما يراجعها عضو الهيئة التدريسية في شؤونه العلمية لم يجد تشجيعا علميا بل يسهم في زرع الاحباط العلمي بشكل مباشر. من خلال التعامل مع ذوي البحث العلمي تعاملا تقليديا روتينيا مهما تعددت الشؤون العلمية التي تهم التدريسيين: سواء كان تعضيدا أو مكافأة المدة الأصغرية، أو تأليف كتاب منهجي أو تقويما علميا أو شكرا لنشاط علمي أو مشروعا بحثيا... أو النشر في مجلات عالمية وعدم تزويد التدريسيين بأسماء المجلات المتخصصة التي تحوي عامل التأثير Impact factor. للذين يرغبون بنشر بحوثهم بالمجلات العالمية ذات عامل التأثير وغالبا ما يتضمن جوابهم لمن ينشر بحثا خارج العراق، بعدم احتواء المجلة عامل التأثير Impact factor من غير معايير واضحة لذلك. وكان على هذه الأقسام التفنن في التشجيع العلمي والمنافسة العلمية وابتكار النشاطات العلمية لتحفيز التدريسيين وتخصيص الجوائز العلمية.

 أما قسم الشؤون الإدارية فقد ضربت قوانينه وتعليماته أرقاما قياسية في التثبيط العلمي، لا يبالي للنشاطات العلمية العالية ولا يعرف التشجيع العلمي لا من بعيد ولا من قريب. من ذلك سلّم الرواتب الذي يبيح تسكين درجة الألقاب العلمية العالية (بروفسور) مدّة طويلة لكون حامل اللقب العلمي قد استفاد من قانون بريمر سابقا الذي كان يتيح للألقاب العلمية والشهادات العليا الترفيع كل خمس سنوات يمضيها على لقبه العلمي الأعلى، بل يمنح لقب استاذ الدرجة الأولى. أمّا القانون الحالي فيمنح لقب أستاذ الدرجة الثالثة أو الرابعة لاسترجاع ما منحه له قانون بريمر. ومهما حاز عضو الهيئة التدريسية على مرتبة علمية أعلى أو نال شهادات عليا، ومهما حاز على سنوات قدم بأوامر جامعية وادارية لغرض العلاوة والترفيع لمناسبات علمية وزمالات وشهادة الدكتوراه الثانية وشهادة فوق الدكتوراه، أو انتداب للتعليم في مديريات التربية. وغير ذلك. فلا ترفع تسكين درجته.

 أمّا مخالفة القوانين في الإدارات العلمية الروتينية فسمة غالبة فمن تجربتي الشخصية أذكر بعضا منها، وهي ليست أمورا شخصية ومنافع آنية بل غصّة في الصدور وحقوق تتجاوز عليها الادارات الروتينية، أذكر بعضا منها لتكون شاهدا على الروتين الاداري المقيت الذي يعدّ فسادا علميا خفيا لا محالة:

- عدم منح الأستاذ الأول على الكلية شكرا ولا تكريما، على الرغم من المطالبة واتباع سلسلة المراجع من العمادة فصاعدا.

- عدم تشجيع أعضاء الهيئة التدريسية بمنحهم شكرا للذين ينالون الشكر من وزراء لأسباب ونشاطات علمية يبذلها التدريسي تستفيد منها الوزارات الاخرى.

-  حجب مكافأة المدّة الأصغرية لمن ينهي دراسته العليا قبل انتهاء اجازته الدراسية على الرغم من نصّ القوانين والتعليمات على ذلك. وكذلك مكافأة الخبير العلمي واللغوي للكتب المنهجية.

- حجب تعضيد نشر البحوث وكتب أعضاء الهيئة التدريسية وايقاف تعليمات التعضيد وعرقلتها. وهو عامل من عوامل التثبيط العلمي.

- ردّ المشاريع البحثية من غير احالتها الى خبراء والتقليل من شأن العلوم الانسانية، لحساب العلوم الصرفة.

- تأليف الكتب المنهجية وحصرها بيد العمداء على الرغم من انشغالهم الشديد بادارة الكلية لامتلاكهم كل الصلاحيات ومصادرتها.

- عدم وجود ممثّل للتدريسيين في مجالس الكليات للدفاع عن حقوقهم العلمية والادارية.

- وكذلك اللجان العلمية المركزية الدائمية التي يبذل فيها التدريسيون من الجهد والمال الخاص سنوات من غير تشجيع بشكر كلّ سنة كلجنة صلاحية المرشحين للتدريس ومن غير عناية بمقرها ومستلزماتها وما تحتاج اليه.

- تقليص الدراسة المسائية أو الغائها لعدم تحّمل المسؤولية على الرغم من أنها تسهم في حلّ مشكلات الانسيابية والقبول المركزي والطاقة الاستيعابية.

-  تعطيل المادة التي تكّرم الاستاذ الجامعي بتخفيض جزء يسير من أجور الدراسة المسائية بوجهات نظر ومواقف شخصية.

- أما المؤسسات الثقافية والاعلامية الرسمية غير الأكاديمية فتمارس اقصاء الأكاديميين وعدم الاستفادة من خبراتهم الا ما ندر، وكذلك منظمات المجتمع المدني الخاصة بالأكاديميين والكفاءات الجامعية لم تأخذ دورها الحقيقي في خدمة الكفاءات خدمة حقيقية كما ينبغي ولم تتحمل مسؤوليتها اتجاه الكفاءات العراقية.

 فهذا غيض من فيض فلا بدّ اذن من الإصلاح. لذلك أدعو لجنة الاصلاح الى أن تولي التعليم العالي عنايتها الأكبر فثمة تحديات كثيرة يواجهها قطاع التعليم العالي والجامعات. فاذا قدمت المكاسب السياسية والحزبية. ولم يشمل الاصلاح الجامعة واستقلاليتها وكذلك القضاء فما الجدوى من الاصلاح اذن؟؟؟

 ولكن... هل من قارئ ؟ هل من مجيب؟ رحم الله المتنبي لو عاش عصرنا لأسمعت كلماته من به صممُ كما كانت كلماته تُسمع من به صمم. فها نحن نكتب عسى دائرة من الدوائر الاعلامية الكثيرة في مؤسساتنا العلمية تسمع أو تقرأ فتخبر المسؤولين فينظروا بعين المواساة والابداع من غير روتين تقليدي.

* جامعة بغداد/ كلية التربية للبنات

[email protected]

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 2/آب/2012 - 13/رمضان/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م