حاكم تمييز العراق والسياسة وورق اللعب

صالح الطائي

شابان كنا ننظر إلى مياه مضيق البوسفور التي تمر أمامنا رقراقة، وثمة اثنين أو أكثر من الدلافين كانت تبحر سوية، وبين هنيهة وأخرى تقفز فوق الماء ثم تعود بانسياب وعذوبة لتسبح قرب سطح الماء فتبدوا ظهورها كخيط يمرر داخل الماء. الوقت كان عصرا والشمس مائلة إلى الغروب وصديقي الذي يجلس معي في صالة الفندق الفخم يبحث عن لهو يزيل بعض ضجره. سألني: ما رأيك لو نلعب الورق؟ قلت: لا أعرف. إذ لم يسبق لي حقا أن لعبت الورق، بل لم يسبق لي لمسه لأن عائلتي كانت تعده من آلات القمار المحرمة.

قال: أنا أعلمك فلنلهو قليلا.

وافقت ليس لأني كنت بعيدا عن مراقبة الأسرة وصرامتها ولكن حبا في المعرفة مادمنا لن نلعب قمارا، فنادى على النادل وطلب منه ورق اللعب وبدأ يعلمني أسماء الأوراق وأصول اللعبة، أتذكر أنه قال أن اسم اللعبة التي يعلمنيها هو (21) إذ تبين لي أن هناك الكثير من الألعاب الورقية وهذه أبسطها كما قال لي، وبعد تدريب أولي لدقائق لعبنا الدورة الأولى فانتصرت عليه والثانية فغلبته والثالثة خسر فيها والرابعة هزمته فيها.

ليس ببعيد عنا كان ثمة شيخ هرم يحمل بيده عصا يتكيء عليها ويلقي على كاهلها سنين الشيخوخة، كان يجلس وحيدا يستمع إلى قهقهتي العالية وأنا أهزم معلمي الذي طالما تبجح أمامي بانتصاراته الورقية وأرباحه الجنونية، فأنتبه لما يجري ووجدني أجلد صاحبي بعنف مرة تلو الأخرى، نهض من مجلسه وأتجه إلينا بتؤدة وهدوء وسلم علينا وأستأذن بالجلوس معنا، فأذنا له. وما إن ضمه المجلس حتى بادر قائلا: أنا عراقي مثلكم ولي تجربة صغيرة مع الورق أريد أن ارويها لكم لأني من خلال مراقبتكم عرفت بأن ولدي هذا ـ وأشار إلي بيده المرتعشة ـ لم يسبق له لعب الورق من قبل، فهل أنتم مستعدون لسماعها؟

ألقينا الورق من أيدينا احتراما له وتأدبا فبدأ بسرد روايته وكأنه حكيم بابلي. قال: أنا رئيس محكمة تمييز العراق، متقاعد حاليا، أزور تركيا  كل عام لأقضي أياما سعيدة بعيدا عن هموم العراق، بعد تخرجي من كلية القانون عينت "قائم مقام" في إحدى مدن الجنوب، وكعادتهم استقبلوني بالترحاب، في الليل كان نادي الموظفين يجمعنا وفيه التقيت بشلة رائعة من الموظفين الكبار في المدينة، وبعد أن توطدت أواصر المعرفة بيننا اقترحوا علي أن نلعب الورق برهان رمزي لا يزيد عن عشرة فلوس إحماء للعبة، فوافقت على أن يعلموني اللعبة لأني لا أعرفها. ومع مرور الأيام تحولت العشرة فلوس مبلغ الرهان الرمزي إلى عشرين والعشرين إلى درهم والدرهم إلى ربع دينار ثم دينار فخمسة فعشرة. ومع تصاعد حدة اللعب كانت روح التحدي عندنا تصعد إلى أعلى مدياتها لدرجة أني اضطررت أكثر من مرة أن أستدين لأصرف على نفسي بعد أن أخسر كامل مرتبي الشهري في اليوم الأول من الشهر، ومع الاستدانة كنت أحس بأمرين، خطرين، الأول أن حقدي بدا يكبر ويتحول إلى كره وعداء لمن يغلبني في اللعب من أصدقائي. والثاني أني بدأت أفقد كرامتي ومركزي كأعلى مسؤول في المدينة، فامتنعت في إحدى الليالي عن الذهاب إلى النادي، وجلست مع نفسي أفكر فيما أنا فيه، فوجدت أن لعب الورق سوف يسحق كرامتي ويهين مركزي، وأن الشيطان هو الذي سول لي اللعب الذي بدا في بدايته بريئا وأمدني بالقوة لأفوز في الأيام الأولى عليهم مرة تلو الأخرى لكي أتعلق باللعبة فأدمن عليها، وان خير ما يحفظ لي كرامتي ومركزي هو الامتناع عن اللعب نهائيا.

 فانقطعت عن الذهاب إلى النادي ومع شدة إلحاحهم كانت ممانعتي تشتد، ومنذ ذلك التاريخ إلى هذا اليوم لم أمسك الورق بيدي. فأعلم يا ولدي ـ وألتفت بوجهه إلي ـ أن الشيطان هو الذي يجعلك تفوز وتهزم معلمك الخبير لكي يغريك بحب اللعبة الملعونة، وإن كنت ترجو خيرا في حياتك أرى أن تفيدك تجربتي فلا تمر بمثلها.

لحظات مرت في خاطري وأنا أستمع لهذا الرجل الناصح وكأن كلمات من نور خطت حول عقلي وداخل فكري تحذرني من الاستمرار باللعب، مددت يدي من دون شعور لأجمع الورق وأعيده إلى علبته ومن فمي تتهادى كلمات الاعتذار للشيخ ووعدا بأن لا ألمس الورق ثانية أبدا. من يومها ولغاية هذا التاريخ، وبعد مرور أكثر من أربعين عاما على الحادثة وأنا كلما أسمع أن شخصا ما خسر مبلغا كبيرا بالقمار أترحم على ذلك الشيخ وأهدي لروحه سورة الفاتحة.

إن الحياة مدرسة، والخطأ فيها كما هو الصح محتمل مع كل خطوة يخطوها الإنسان، وقد تتحول أخطاؤنا إلى كوارث ومصائب يمتد أثرها إلى المجتمع كله، وهنا يأتي دور المصلحين الذين يعترضون الخطأ وهو في طريق صيرورته وقبل اكتماله ليوقفوه عند حده ويجنبون الناس الكوارث.

 ونحن لو قدر لنا أن نعثر مع كل خطوة مخطوءة نخطوها على مصلح نصوح مثل هذا الشيخ لما كانت الحياة لتكون كما هي عليه اليوم في عراقنا الذي دمرته أخطاؤنا فأوصلت أهله إلى حد التقاتل وسفك الدم من أجل لعبة سياسية!؟

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 11/حزيران/2012 - 20/رجب/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م