الصحوة الإسلامية... الحرية والعدل وخطاب السلام

د. أحمد راسم النفيس

لماذا يفتقر المسلمون إلى خطاب تأسيس واضح إزاء قضية العدالة الاجتماعية والحرية الفكرية يؤصل لهذه المبادئ ويربط بينها وبين الثورات التي عمت العالم العربي وأدت لإسقاط رموز الظلم ورغم ذلك فقد ظل خطاب بعض الثوريين المفترضين يراوح مكانه ولا يختلف اختلافا جذريا عن خطاب الاستبداد التسلطي الذي ساد في حقبة الطغيان المباركي؟!.

لماذا يصر بعض (الإسلاميين القدماء) على إبقاء الحالة الفكرية والعقلية للأمة العربية والإسلامية داخل نفس الصندوق الموروث عن أجدادهم الأمويين والعباسيين، كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر؟!.

ماهو الارتباط بين الثورات العربية وخطاب العدالة والتحرر ولماذا سارع هؤلاء للارتماء في أحضان الهيمنة الغربية والقبول بشروط وقواعد اللعبة الاستكبارية مقابل تثبيت مواقعهم في السلطة وهل يعقل أن تنتفض الشعوب طلبا لحريتها في الداخل لتسلم إرادتها لشياطين الخارج؟!.

كيف نصدق أن الاستكبار العالمي الذي ساند الطغاة طيلة العقود الماضية يمكن له أن يسند نظما ترعى حرية الفكر والاعتقاد وتوفر الظروف الملائمة لنهضة الأمة العقلية والحضارية وهل كانت النظم الاستبدادية تفعل ما تفعله في شعوبها رغم أنف رعاتهم الغربيين، أم أنها كانت تستند إلى دعمهم ومباركتهم؟!.

لماذا غاب الخطاب التحرري القومي والإسلامي عن ساحة الثورة وحل محله خطاب طائفي متعفن ينتمي إلى عصر الظلام ولماذا تقلصت طموحات بعض الثوار وتلخصت في إقامة نظام سياسي يكرس تلك الكانتونات الطائفية في تماه واضح مع خطط الاستكبار العالمي وكأن مصلحة الطائفة تعلو مصلحة الأمة وكأننا لم نشبع تقسيما وتشرذما واحترابا داخليا؟!.

لماذا يفتقر المسلمون إلى خطاب تأسيسي فكري يوضح حقيقة موقفهم من قضية السلام العالمي وهل هم طلاب حرب متواصلة رغم الحقيقة الواضحة التي تؤكد أن عالمنا الإسلامي يتعرض ومنذ قرون لهجوم خارجي متواصل في نفس الوقت الذي نرى فيه أن هناك من يسعى بدأب وإصرار لا تخطئه عين لإشغالهم بنزاعات وحروب داخلية ليبدد قوتهم ويفرق ما تبقى من جمعهم؟!.

المخجل أن بعض القوى (الثورية) سارعت لإعلان تمسكها بكامب ديفيد وكأنه نص قرآني محكم ولم يصدر عنها أي موقف يشير لإمكانية تقاربها مع قوى المقاومة العربية والإسلامية بل صدر عكس ذلك وكان كل ما طالب به هؤلاء هو رفع أسعار الغاز المصدر للكيان الصهيوني باعتباره جارا طبيعيا لم يقم يوما ما بغزو واحتلال أرض عربية ولا يمتلك آلة حربية تتزود بالوقود لمواصلة قصف المقاومين في لبنان وغزة وربما في سوريا وإيران.

نفس هذه القوى التي تؤجج النزاعات العرقية والمذهبية بين أبناء الأمة الواحدة هي التي تسعى لإبرام تحالف مع القوى الخارجية التي تهيمن على الأمة وثرواتها ومصيرها وعلى مناطق واسعة من جغرافيتها.

للغرب التحية والسلام ولنا الحروب والصراعات!!.

ازدواجية الخطاب الفكري بين الداخل والخارج

عندما يجلس رموز وقادة التنظيمات أمام كاميرات الإعلام الغربي تسمع خطابا يفيض رقة وعذوبة وتسامحا وإيمان بحرية الرأي والمعتقد وإيمان جازما بحق الكيان الصهيوني في البقاء وعندما يدير هؤلاء وجوههم نحو الإعلام العربي تدور رؤوسهم من نشوة الغرور وتسمع طرقعة السياط المعدة للاستخدام ضد خصوم المعتقد والرأي ولا بأس ببعض الكلمات الخجولة عن الرغبة في تعديل بعض نصوص معاهدة كامب ديفيد (هذا لو طالب الشعب بهذا)!!.

المعضلة الكبرى من وجهة نظرنا أن الخطاب الفكري الموجه للداخل الإسلامي ما زال خطابا استئصاليا يقوم على الكراهية المؤسسة وعلى الأثرة والاستئثار ورغبة فريق معين في الاستحواذ على الشرعية كل الشرعية وإقصاء كل من يختلف معهم في الرأي أو المذهب من ساحة الفعل ويرى في ذلك أولوية قصوى تهون من أجلها كل التنازلات والتضحيات ولو أدى ذلك إلى تفكيك الكيان الإسلامي قطعة قطعة ولا عجب أن يتماهى دعاة الخطاب الاستئصالي مع ما يطرحه الغرب من مشاريع ترمي لإقامة شرق أوسط جديد على أساس التقسيم المذهبي والعرقي.

لم ترد في القرآن الكريم كلمة (حرية) كمفهوم مفرد ومستقل عن سائر المفاهيم التأسيسية ومن أهمها مفهوم العدل الذي ورد في القرآن الكريم مرارا وتكرارا بهذه الصيغة أو بصيغ أخرى مشابهة.

العدل مفهوم إلهي يشمل كل المجالات بدءا من الحياة الخاصة مرورا بالفصل بين المتنازعين وصولا لتأسيس الحياة السياسية والاجتماعية على هذه القيمة الركيزة التي تضمن استمرار الحياة وازدهارها.

حينما يصبح العدل مجرد شعار معلق فوق رأس القضاة في حين لا يكترث النظام السياسي بتحقيق العدالة بل يسعى جاهدا للفتك بمن لا يرضى عنهم عبر التحايل والإيقاع وتلفيق التهم وحرمانهم من أبسط الحقوق والفرص يصبح الحديث عن الحرية نوعا من الدجل والتلفيق.

العدل يقابل الظلم وكلاهما يشكلان أداة لإيصال الحقوق أو الحرمان منها ومن ثم تشكيل العلاقة بين الأطراف المختلفة سواء بين أبناء المجتمع الواحد أو المجتمعات المختلفة: دولا كانت أم قبائل أو حتى تحالفات.

أول مراتب إقامة العدل هو إنصاف الذات (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، وصولا لإنصاف الآخر ولو كان عدوا (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

الذات في القرآن الكريم لا تعني بالضرورة الذات الفردية بل تعني الذات الجمعية التي يتعين الحفاظ على وجودها وتماسكها خاصة عندما تتمثل في دولة تحفظ حقوق مواطنيها وتمنع عدوان القوي على الضعيف بل وتحول دون استضعاف أي طائفة من طوائف المجتمع وتعمل على حشد كل القوى من أجل إقامة دولة قوية ومتماسكة تمنح الخير للجميع.

التمسك بالعدل كقيمة حاكمة لبناء النظام السياسي والتمسك به في منظومة العلاقات الدولية يعني حرمة الاعتداء على حقوق الآخرين ويعني التمسك بالحقوق الثابتة والمشروعة للأمة وعدم التخلي عنها والتفريط فيها في بازار السياسة العالمية من أجل تحصيل بعض المكاسب على حساب الحق القديم الذي لا يغيره شيء.

يتعين علينا إذا أن نسعى لترسيخ مفهوم العدالة وفضح مفاهيم الظلم والاستئثار والتصميم على إقامة العدل لاستعادة الحقوق المغصوبة والمنتهكة فهذا وحده كفيل بجمع الأمة على كلمة سواء.

في هذا الإطار يمكن تأصيل معنى الحرية وهو امتلاك الحق في الاختيار الصائب واتخاذ القرار وتنفيذه دون خوف أو تهديد في إطار الضوابط الشرعية والأخلاقية التي تضمن عدم تحول هذا الفعل إلى عدوان وانتهاك حقوق العباد و(بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ).

الحرية ليست مفهوما مستقلا قائما بذاته بل هي طريق الباحثين عن الحق والعدل وهي ليست مجرد خيار بل هي مسار إجباري لا بد من سلوكه وصولا لتحقيق العدل في مواجهة المطففين والذين يكيلون بمكيالين و(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).

الحرية بهذا المفهوم هي نقيض لمفهوم الهيمنة والسيطرة (hegemony ) الركيزة الحاكمة للسياسات الدولية في عالمنا القديم والمعاصر على حد سواء.

المجتمعات كالأفراد لا بد أن تسعى للحفاظ على حريتها وإبقاء قرارها بيدها حفاظا على هويتها وكرامتها فضلا عن حقوقها المادية والمعنوية في مواجهة من يرغبون دوما في مصادرة هذا القرار وتحويل المجتمع كله أو بعضه (يستضعف طائفة منهم) إلى عبيد يعملون ويكدحون من أجل تحقيق مصالح الدول أو الجماعات المهيمنة على مصادر الثروة ومنابع القوة (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[1].

الحرية في القرآن هي امتلاك القدرة على قول الحق وفعل الخير والإنفاق في سبيل الله سرا وجهرا استنادا لامتلاك قدرة العقل والفكر مقابل السقوط في العبودية والأغلال الاجتماعية التي تخرس المرء وتفقده القدرة على النطق وتجعل منه عالة على غيره بل ويزداد الأمر سوءا حينما تقود العبودية المتواصلة إلى افتقاد القدرة على القيام بأي فعل مستقل حيث يصبح المرء كلا على سيده وتابعه أينما يوجهه لا يأت بخير.

الحرية الفكرية لا يمكن أن تتحقق من دون عدالة اجتماعية لأن (الفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ)[2] ولهذا السبب فإن الحديث عن الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق يمتلك فيه (20%من الناس 80% من جميع الدخول) هو خيانة واستهزاء بدماء الثوار المحرومين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل عالم أفضل يعم فيه العدل ويتلاشى فيه الظلم والاستئثار.

صحوة إسلامية أم ربيع عربي؟!

يحلو للبعض تسمية ثورة الشعب المصري يوم 25 يناير 2011 بالربيع العربي مقارنة لها بالثورات الملونة التي دعمها الغرب في أوربا الشرقية في حين تؤكد كل الدلائل على أنها كانت ولا زالت ثورة شعبية على الظلم والطغيان وأن أي قوة منظمة لم يزد دورها على إشعال عود للثقاب في كومة من القش سرعان ما احترقت.

لقد كشفت الأزمة الأخيرة المثارة حول منظمات المجتمع المدني أن الولايات المتحدة لم يتجاوز تمويلها لهذه المنظمات مليون دولار سنويا قبل اندلاع الثورة ليقفز هذا الرقم إلى 160 مليون دولار في عام واحد من أجل قطف ثمار الثورة والهيمنة على مسارها.

يعرف المصريون أن وقود هذه الثورة وحطبها كانت جماهير الشعب المصري من مسلمين ومسيحيين ولأن أغلب هؤلاء لا ينتمون لأحزاب أو جماعات فقد بقيت أسماؤهم مجهولة ولم تسلط عليهم أضواء الإعلام ولكنهم ما زالوا حاضرين ومستعدين لتلبية نداء الثورة مرة ثانية وثالثة إن لزم الأمر.

جيل لا يكره أمريكا ولا إسرائيل!!

تكشف المعلومات المتاحة لدينا من داخل إحدى هذه الحركات الممولة أمريكيا أن الهدف الأساس لتلقيها الدعم هو إنتاج جيل جديد من الناشطين السياسيين لا يكره أمريكا ولا يتخذ موقفا (عدائيا) من الكيان الصهيوني.

لم تكن هذه الحركة صناعة أمريكية في الأساس ولكنها حركة سياسية اجتمع ضمنها عدد من الشباب المناهض للديكتاتورية ونظرا لافتقارها للإمكانات المالية فقد ابتلعت الطعم وتوجهت نحو الغرب طلبا للدعم فكان الدعم المشروط والتدريب على أعمال بعينها من ضمنها أعمال يمكن وصفها بالتجسسية.

كان ولا زال عدد الناشطين في هذه الحركة لا يتجاوز العشرات ولكنها احتلت مكانة سياسية تتجاوز حجمها العددي بسبب قدرتها التنظيمية واحتفاء الإعلام المتهم هو الآخر بنفس الارتباط بدور هذه المجموعة.

لم يكن الأمر قاصرا على تلك الحركة (الحركات) فقد امتد الأمر لشراء الصحافة ووسائل الإعلام من خلال 75 مليون دولار عدا ونقدا أنفقتها الإدارة الأمريكية لشراء الصحافة المصرية في الفترة بين عام 2007 حتى 2009 كما تذكر إحدى وثائق ويكيليكس التي جرى تسريبها في الفترة الأخيرة.

75 مليون دولار أنفقتها هذه الإدارة من أجل إبراز من تسميهم بالقيادات الشابة والمفكرين الإصلاحيين، تأسس من خلالها عدة صحف تدعي كلها الليبرالية واحترام الرأي والرأي الآخر.

صحيفة أخرى، تكشف أخيرا وعبر تلك الوثائق أن رئيس تحريرها كان واحدا ممن يتلقون الهبات والأعطيات من رب الدولار والقلم!!.

ليست أمريكا وحدها التي دخلت على خط سرقة الثورة وإبعادها عن تحقيق أهدافها فهناك قوى إقليمية أخرى كانت ولا زالت تواصل الاضطلاع بهذه المهمة وتعمل على إنتاج جيل جديد لا يكره أمريكا ولا إسرائيل ولكنه يكره فريقا معينا من المسلمين ويكرر دوما أنه أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من اليهود ومن بينها تلك الدولة النفطية التي تنفق بسخاء على أغلب المرشحين الرئاسيين إلا أن قمة سخائها وباذخ عطائها كان من نصيب المرشح السلفي النصف الأمريكي الذي يتندر الرأي العام بكثرة ملصقاته التي لم تترك جدارا إلا وشوهته والتي اضيفت إلى عجائب الدنيا السبع بل ويقال أنها الآن هرم مصر الرابع!!.

يحرمون التماثيل والصور في بلادهم ويزرعونها بديلا عن الأرز والقمح طعام البسطاء والمحرومين في مصرنا المنكوبة بأناس لا عقل ولا ضمير لهم.

ثار المصريون المحرومون من أبسط حقوقهم ومن أهمها حرية الفكر والرأي والمعتقد وأملوا خيرا في قوى سياسية تضمن لهم هذه الحقوق خاصة وقد أمطرت السماء أحزابا ترفع شعار الحرية وتتشدق بالعدالة تارة والتنمية تارة أخرى ولا ترى في نفس الوقت تناقضا بين شعار الحرية المرفوع وحملات الهجوم اليومية على ما يسمونه بالتبشير الشيعي ومن ضمن هؤلاء المرشحين (إسلامي مستنير) لا يكف عن إطلاق الإنذارات والتهديد والوعيد معلنا أنه (رغم كونه صديقا لدولة إيران، ورغم علاقته الطيبة بالشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله الشيعي فإنه لا يقبل بحال من الأحوال قيام حزب شيعي في مصر على الإطلاق) مضيفا بلهجة صفيقة (أنا ضد الحزب الشيعي و"اللي خلفوه كمان"، وذلك تعقيبا على ما تردد في الأيام الماضية من عزم بعض الشيعة إنشاء حزب لهم في مصر).

ليت هذا (المستنير) قد وقف عند حد إعلانه التصدي (للحزب الشيعي) المزعوم بل لقد تجاوز الأمر للدعوة العلنية لتكميم الأفواه ومطاردة من خلقهم الله أحرارا ولم يخلقهم عبيدا لهذا الشيخ أو لذاك المرشد حيث أعلن السيد مستنير (الذي منه نستجير) وغيره أنهم لن يسمحوا بما يسمى بالتبشير الشيعي وسيتصدون له بكل حزم وعزم!!.

مرشح رئاسي آخر وفي إطار خدمة نفس الهدف وهو (إنتاج جيل جديد لا يكره أمريكا وإسرائيل) وصف في حديث متلفز (كلا من إسرائيل وإيران بالخطيرتين على أمن المنطقة العربية، حيث قال إن دور إيران في المنطقة يشكل تهديداً لها في بعض مناحيه، وساق (تحريض الإيرانيين للطوائف في العراق) على سبيل المثال، ومع ذلك يبقى التهديد الإسرائيلي في المرتبة الأولى، وفقا لما ذهب إليه).

صحيح أن المرشح الرئاسي يرى أن التهديد الإسرائيلي يقع في المرتبة الأولى إلا أن (الاعتبارات الواقعية) يمكن أن تدفع لمواجهة العدو الأقل خطرا حتى يفرغ هو وجماعته لمواجهة العدو الأخطر وهو نوع أخطر من الخبث والدهاء لا يختلف عن (ورطة صدام حسين) الذي سار على نفس هذا المسار لكنه لم يخرج منه ومعه العراق إلا جثة هامدة وأشلاء مبعثرة حتى الآن!!.

يبدو الآن واضحا ومن خلال تسلسل الأحداث في مصر ما بعد ثورة 25 يناير أن الصحوة الإسلامية تقع بعيدا عن المسار السلطوي الذي اختطه بعض قدامى (الإسلاميين) الذين يتحلون بنظرة قاصرة وسوء مزمن في التقدير وتخبط في التدبير وكان عليهم أن ينتبهوا لئلا يقعوا في نفس الأخطاء التي وقعوا فيها في أعقاب انقلاب 1952 عندما هللوا ورحبوا بالقرار الذي اتخذه شركاؤهم العسكر آنئذ بحل جميع الأحزاب السياسية والإبقاء عليهم ليعودوا بعد هذا ليجهزوا عليهم.

وقع (الإسلاميون القدماء) أصحاب التفكير المتحجر كأسلافهم من (المصريين القدماء) في ذات الخطأ عندما تصوروا أن مصلحة مصر هي مصلحتهم وأن هذا يقتضي إقصاء بقية الفصائل الثورية والانفراد بالساحة السياسية وهو ما تمثل في انفرادهم بتشكيل لجنة صياغة الدستور حيث حرص هؤلاء على التهام أقصى ما يمكنهم التهامه من الكعكة الدستورية والنتيجة في الحالتين واحدة.

فالعسكر هم العسكر قديما وحديثا لا يريدون بدورهم من ينغص عليهم متعة الانفراد بالسلطة وقد قدم لهم (الإسلاميون القدماء) هدية مجانية عندما قاموا بإقصاء كل من عداهم أو منحوا لهم حصة شكلية لا تمكنهم من التأثير على صياغة الدستور (بمن فيهم الأزهر الذي طالما قال فيه القوم شعرا ونثرا) ولا حتى طرح مطالبهم والمحصلة أن هؤلاء أصبحوا بمفردهم في مواجهة الهجوم العسكري المضاد.

من ناحية أخرى فالهجوم المضاد يستند هذه المرة إلى حالة من السخط الشعبي المتزايد يوما بعد يوم على هؤلاء (الإسلاميين) بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها محدثو السلطة والنعمة ومن أخطرها فضيحة النائب السلفي الذي أجرى جراحة تجميلية في أنفه ثم أقام الدنيا ولم يقعدها مدعيا أنه تعرض لاعتداء من اللصوص وقطاع الطرق وأنهم قاموا بتهشيم وجهه قبل أن تنكشف الحقيقة ويتحول الأمر إلى فضيحة من العيار الثقيل.

الأهم من هذا أن (الإسلاميين القدماء) وبسبب طول انتظارهم لاستلام السلطة ذهبوا بعيدا في تحالفهم مع الغرب ومنحوه كومة من الوعود والالتزامات دفعة واحدة مقدما خصما من رصيد مصر بأسرها وليس خصما من حسابهم الخاص.

يرصد الباحث المصري أحمد عز الدين أداء (الإسلاميين القدماء) إزاء بعض القضايا المصيرية في مصر بعد الثورة فيقول: يكفي التوقف عند بعض البنود التي رفضوها وأصرّوا على شطبها عندما تحلّقوا حول مشروع وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور قبل شهور.

فيما يتعلق بالإعلام والصحافة، رفضوا نص البند الذي يقول "حرية الصحافة والإعلام مكفولة " وفي البند 14من الوثيقة في السياق ذاته، شطبوا نصا محددا هو (حظر مصادرة أو وقف وسائل الإعلام إلا بحكم قضائي ولفترة محدودة).

وفيما يتعلق بالحقوق والحريات العامة، أصروا على حذف المادة 23 كاملة من الوثيقة والتي تنص على أن (المبادئ الأساسية والحقوق والحريات العامة الواردة في الوثيقة، لصيقة بالمواطن ولا تقبل وقفا أو تعطيلا أو انتقاصا، ولا يجوز لأي من سلطة الدولة أو مؤسساتها أو لأي جماعات أو أفراد الإتيان بعمل يهدف أو يؤدي إلى إهدارها أو الانتقاص منها، أو الإخلال بها).

 إن الذين يتصورون لأنهم سيتواجدون في صفوف المعارضة، أو خارج السيطرة على الحكم، أيا كان فكرهم أو منهجهم الداخلي، من الطبيعي أن يتشبّثوا بهذا النص، الذي سيمثّل حارسا على الحقوق والحريات العامة، التي يتمتعون بها في ظل السلطة الحاكمة، ولذلك فإن الذين يرفضون وجود هذا النص، إما أنهم يمتلكون السلطة فعليا، وإما أن لديهم مخططا وقناعة بل وضمانات للاستحواذ عليها، ويريدون بالتالي حرمان معارضيهم المستقبليين من حقوقهم وحرياتهم العامة .[3]

أما من الناحية الاقتصادية وحسب نفس الباحث:

لقد كتب موقع "صالون" الإخباري الأمريكي، تحت عنوان "الإخوان الجمهوريون في مصر" اجتهد في إيجاد صلات نسب وتماثل، في التوجه الاقتصادي الاجتماعي، بين الإخوان في مصر والجمهوريين في أمريكا ولعل هذا ما أوحى به مستخلص لقاء "ماكين الشاطر" فقد أكد الموقع الأمريكي، "أن حزب الإخوان تقوده مجموعة من رجال الأعمال شديدي الثراء، يؤمنون بمفاهيم السوق الحرة والخصخصة، ويكرهون فكرة إعادة توزيع الثروة، مفضلين بدلا عنها التصدُق على أتباعهم من الفقراء بالبر والإحسان" أما صورة السيد "خيرت الشاطر" كما رسمها المقال، فأبرز ملامحها أنه، "أخطبوط بزنس، يمتلك الملايين، يستثمر أمواله في مشروعات متشعبة، داعية متحمسا للخصخصة[4] ".

اختار الإسلاميون القدماء السير على خطين متناقضين يبعدان عن بعضيهما بعد المشرقين: ليبرالية اقتصاد الأقوياء في التعامل مع الخارج وشمولية العصر الحجري في التعامل مع الداخل.

أما من ناحية التحالفات الدولية فقد اختاروا التوافق مع مخططات الغرب لتفتيت المنطقة من منطلقات طائفية بائسة لا تقيم للعدالة واحترام حقوق الإنسان وزنا ويكفي الاطلاع على تصريحات رئيس البرلمان المصري المنتمي لهؤلاء الإخوة ونصها: (قالت وكالة الأنباء البحرينية الرسمية إن الدكتور سعد الكتاتني، رئيس مجلس الشعب، أشاد بملك البحرين قائلاً: «إن حكمة الملك حمد، عاهل البحرين والإصلاحات التي قادها مع حكومته الرشيدة والمبادرات الشجاعة، التي أقدم عليها، وسرعة التفاعل والتجاوب المسؤول في احتواء الأزمة، التي مرت بها مملكته، ساهمت في القضاء على المؤامرة ومعالجة الأزمة بكل حنكة وخبرة ودراية».[5]

إلى أين؟!

لو صفت النوايا وخلصت من الأهواء فالصحوة الإسلامية المرجوة تنطلق بالأفراد والمجتمعات نحو الرقي والتكامل ولا تسير على نفس الطريق الذي سار عليه النفعيون الانتهازيون الذين لم يكن يعنيهم إلا مصالحهم الشخصية أو الحزبية الضيقة التي أوردت من قبلهم دار البوار.

لو تأمل القوم في سيرة المخلوع الذي ذهب ومعه نظامه ضحية الحرص على التفرد واستبقاء السلطة بيده ويد وريثه وحرمان كل من عداه من فرص التعبير عن الذات ولا نرى فارقا بين حرمان الناس من حقوقهم ضمانا لصعود الوريث وحرمانهم من حقوقهم ضمانا لصعود وبقاء مجموعة من الأفراد تجمعوا في صورة حزب أو تنظيم أو جماعة!!.

لو تأمل القوم في سياسات المخلوع وحرصه على تجفيف منابع وروافد السياسة والفكر في المجتمع وحرص جماعات الإسلاميين القدماء على تجفيف منابع السياسة والفكر أيضا تارة باسم محاربة باسم محاربة الحزب أو التبشير الشيعي لاكتشفنا ألا فارق بين هؤلاء وهؤلاء والنتيجة هو الاستفراد بهم وضرب وتصفية كل فريق على حدة ويومها لا ينفع الندم.

الإسلاميون وتطبيق الشريعة الإسلامية

كلنا مسلمون ننتمي لأمة لا إله إلا الله ولا نفهم معنى كلمة (إسلاميين) التي يزين بها البعض صدورهم ويعتبرونها حقا طبيعيا لهم لا يجوز لأحد من عامة المسلمين ان يشاركهم فيه.

يزعم هؤلاء التكنوقراط أنهم سيؤسسون دولة إسلامية مرجعيتها الأزهر الشريف والواقع يقول أن النموذج الأوحد المتاح لديهم هو النموذج الطالباني، إذ لو صح ادعاءهم لمنحوا الأزهر حصة تزيد على 1% في تأسيسية الدستور وهو ما لم يحدث ولن يحدث.

كيف نصدق ادعاءهم الالتزام بمرجعية الأزهر في مجال التشريع في حين لم تزد مرجعيته في الشأن الدستوري على 1%. الشيء الثابت أن (الإسلاميين) في حقيقتهم ليسوا سوى حفنة من الوهابيين المزاجيين وأن توجههم في الأغلب هو توجه نحو ترسيخ سلطة الطائفة ودليلنا على ذلك أن ذلك المرشح (المستنير) لم يحصل على ما يكفي من دعم من هؤلاء لأنه يعتقد بأهمية التقريب بين المذاهب وأن هذا الموقف كلفه امتناع هؤلاء عن تأييده ودعمه في نفس الوقت الذي خسر فيه تأييد القوى (المدنية) ولم يشفع له صراخه المتواصل (امسك تبشير شيعي... امسك حزب شيعي) فكان كمن رقص على السلم فلم يره من هو أسفل منه ولا سمع به سكان الأدوار العليا.

وهذا جزاء من خذل الباطل ولم ينصر الحق الواضح والصريح الذي يكفل لكل امرئ حرية المعتقد والضمير.

الشريعة الإسلامية في جانبها الأهم هي الالتزام بمفاهيم الدين التي أشرنا لها في بداية هذا البحث تحقيقا للعدل والحرية وكرامة الإنسان وفي جانب آخر هي مجموع الأحكام الفقهية التي يسطرها فقهاء القانون والدستور المجتهدون العالمون الذين لم يكونوا يوما ما خداما للسلطان أو أعوان الشيطان والذين لم يقبلوا يوما ما بالرشاوى النفطية ومن ثم فحديث هؤلاء عن الشريعة هو محاولة لحرث البحر وهي للأسف ليست محاولة جديدة فلطالما سعت الحكومات الظالمة للتمسح بالدين ولكن سعيها هذا لم ينتج دينا ولا خلقا ولا عدلا بل أنتج حالة شوهاء كانت فيها النصوص الدينية مجرد أداة للتنكيل بالضعفاء والتستر على جرائم وارتكابات الأقوياء.

نحن أمام حفنة من التكنوقراط تدعي الأفضلية والتميز على سائر البشر من دون عدل أفشوه فينا ولا نرى مفرا من مواجهة هؤلاء بالحقيقة المرة علهم يعيدون النظر في غرورهم وتبجحهم غير المنطقي وغير المبرر ولسنا مستعدين لمنحهم مزيدا من الفرص ليجربوا عقاقيرهم الفاشلة في جسد الأمة المنهك منذ عديد القرون.

نصيحة وعبرة

يبدو المشهد معقدا للغاية داخل ساحة الثورة المصرية نظرا لتضارب الرؤى والأهداف بين دعاة الدولة المدنية التي تقوم على احترام الدستور والقانون ودعاة الدولة (الدينية) التي لا تستند لمرجعية واضحة ولا محددة اللهم قدرة خطباء الشارع على إثارة عواطف الجمهور الباحث عن حق وعدل لا يعرف كيف يصل إليه؟!.

يبدو للمتأمل حجم التباين بين القدرات والإمكانات والشعارات المرفوعة التي تحلق برافعيها إلى عنان السماء!!.

كما يبدو واضحا حجم الصراع بين من يسمون أنفسهم إسلاميين حتى داخل المجموعة الواحدة فجماعة الإخوان على سبيل المثال لها أربعة أو خمسة مرشحين اختار أحدهم التحالف الواضح مع التيار السلفي وكلهم يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك.

الضحية الوحيدة لهذا التنازع بين الإسلاميين وقطاع عريض واسع من الشعب المصري (لو افترضنا أنهم يشكلون أغلبية) هو مصر المهددة الآن بالدخول إلى فوضى مدمرة فضلا عن تراجع مكانتها بصورة متواصلة منذ عهد المخلوع.

(إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ وَبِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ). علي بن أبي طالب عليه السلام.

www.elnafis.net

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 30/نيسان/2012 - 8/جمادى الآخر/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م