النزعة الإنسانية في التربية

أ.د.علي أسعد وطفة

شكلت النزعة الإنسانية في التربية أحد أهم تيارات عصر النهضة وأحد أبرز مكوناتها. وتعد هذه النزعة من أهم الحركات الفكرية والتربوية التي توّجت عصر النهضة الأوروبية وفجرت ينابيعه الفكرية والأدبية. وقد قدمت بأنساقها الفكرية رؤية جديدة حول طبيعة الإنسان تمثلت في التأكيد على جوهر الإنسان بما ينطوي عليه هذا الجوهر الإنساني من حرية وإرادة وقدرة على تحديد المصير. لقد أبدعت هذه الحركة رؤية فلسفية جديدة تتجه نحو الإنسان وتستلهمه، فشكلت في عصرها ثورة فكرية شاملة على المنظومات الفكرية التقليدية التي كانت سائدة في العصر الوسيط ولاسيما في القرنين الخامس والسادس عشر.

بدأت النزعة الإنسانية بداية أدبية تتمثل في إبداعات فكرية وفنية وأدبية غايتها النهوض بالروح الجمالية والفنية عند الإنسان، فأطلق المؤرخون على هذه الحركة تسمية " الهيومانيزم Humanisme" أي النزعة الإنسانية، ثم أطلقوا على روادها تسمية " الهيومانيست Les Humamnistes" أي الإنسانيين أو رواد النزعة الإنسانية. وقد أطلقت هذه التسمية لأن أصحاب هذه النزعة، الذين كانوا روادا للآداب والفنون واللغات القديمة، قد وجدوا في هذه الآداب والفنون المثال الأعلى للإنسانية، فآمنوا بأهمية إعادة بناء الإنسان في عصرهم وفقا لهذه الروح الأدبية الإنسانية الجديدة.

فالأدب القديم يبحث في ماهية الإنسان، ويحاول أن يرسم ويبلور قضاياه واهتماماته، وأن يرتفع به ويسمو روحيا ونفسيا وأخلاقيا. وكان ذلك حال الآداب القديمة التي كانت تبعث في النفس هذه الطاقة الإنسانية الملهمة فتحركها في اتجاه تجسيد قيم الحق والخير والجمال والفضيلة. فالفن والأدب كما يذهب أنصار هذا الاتجاه يسموان بالإنسان، وبالتالي فإن النزعة الإنسانية تسعى إلى تحقيق هذا السمو الجمالي والروحي بحثا في ماهية الإنسان واستجوابا لمعانيه الإنسانية، وسعيا إلى تحريره، وإعادة الاعتبار لإنسانيته المقهورة آخذة به إلى مراتب الكمال.

وكانت إيطاليا في بداية النهضة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مهد النهضة الفنية والأدبية لأصحاب النزعة الإنسانية في أوروبا. ومن أبرز رواد هذا الإبداع الإنساني يشار إلى ليناردو دافنتشي Leonardon Davinci ومايكل أنجلو Michel Angelo ورافاييل Raphael وهم من أبرز رواد النهضة الفنية في إيطاليا.

ويعد الأديب المشهور دانتي اليغايري Dante alighieri (1265-1321م) رائد حركة النهضة الإنسانية الأصيلة في إيطاليا. وهو مبدع الكوميديا التي أطلق عليها المعجبون بها "الكوميديا الإلهية". وتتضمن هذه الكوميديا وصفا أدبيا رائعا لأحوال العصر الذي عاش فيه. كان دانتي هذا شغوفا بآداب الأقدمين وكان تقديره وحبه للثقافة اليونانية يفوق كل حدود ووصف. وكانت أعمال دانتي تقع في دائرة ما يسمى بالنزعة الإنسانية الحقّة المبكرة التي كانت منطلقا جديدا للعناية بالإنسان كجوهر إنساني وإعادة النظر نقديا في التصورات السيكولائية الصرفة التي حرمت الإنسان من معانيه الخلاقة وجوانبه الإنسانية المشرقة.

ويعد الأديب المشهور بترارك Petrarch (1304-1374) من ابرز دعاة هذا الاتجاه الإنساني، وهو من أكثر أدباء الدنيا حبا وعشقا للأدب الكلاسيكي في إيطاليا وفي أوروبا قاطبة. وكان قد جمع مئات المخطوطات القديمة في الأدب الكلاسيكي ونسخها بنفسه. وكانت مكتبته من أنفس مكتبات الدنيا بالكتب اليونانية والمخطوطات الأصلية لأفلاطون وشيشرون وغيرهم.

لقد سميت التربية الجديدة التي تتمركز حول قضايا الإنسان عن طريق الأدب واللغة والفن بالتربية الإنسانية. وكان اهتمام هذه التربية موجهاً إلى توظيف الأدب والفن في تأكيد الفاعلية الإنسانية. وكانت آداب اليونان والرومان وسيلة في تفجير هذه الطاقة الإنسانية وتوجيهها نحو تحرير الإنسان وتأكيد إنسانيته. ولكن النزعة الإنسانية أخذت اتجاهين يتمثل الأول في النزعة الشكلية الشيشرونية الضيقة، ينما يتمثل الثاني في النزعة الإنسانية الواقعية في التربية.

صورة الإنسان في الفلسفة الإنسانية:

تقوم الفلسفة الإنسانية على منطلقات فلسفية تعلي من شأن الإنسان عبر التأكيد على قيم الحرية والعقلانية والإبداع. وتعد هذه الحركة الفكرية من أكثر الحركات النقدية في أوروبا في العصر الوسيط حيث استهدفت مختلف المؤسسات والمنظومات الفكرية التقليدية التي كانت سائدة فاستطاعت عبر ذلك أن تقدم صورة جديدة للإنسان تعبر عن الطموحات الكبرى للعصر الذي ازدهرت فيه.

ولا يمكننا فهم الأسس الفكرية للنزعة الإنسانية في الفكر والثقافة والتربية ما لم نقف مليّا عند أهم التصورات الفكرية التقليدية التي كانت سائدة في العصر الأوربي الكنسي الإقطاعي في العصر الوسيط، حيث فرضت الكنيسة في حينها منظومة فكرية أيديولوجية تعكس إلى حدّ كبير طبيعة العصر بتكويناته الاجتماعية الطبقية والسياسية التي تبلورت في وجود نظام إقطاعي يقوم على تحالف عميق وشامل بين الكنيسة، بوصفها أهم مؤسسة فكرية أيديولوجية في العصر الوسيط، وبين الإقطاعيين والأباطرة الذين كانوا يضعون مقدرات الإنسان والبلاد تحت رحمة جشعهم وتسلطهم الذي لا يرحم. وقد تمثلت هذه المنظومة الفكرية الأيديولوجية في ركائز أساسية ذات طابع تيولوجي يضع الإنسان في دائرة من السلبية المطلقة ويرى أن الإنسان محكوم بقدر نهائي محتوم لا يمكن تغيير مساره في رحلته عبر الكون. تلك هي النظرة التيولوجية التي كانت سائدة في العصر الوسيط حول الإنسان في علاقته بالكون.

وعلى خلاف هذه الرؤية التيولوجية للوجود قدمت النزعة الإنسانية تصورا فلسفيا مختلفا إلى حد كبير ينطلق من أهمية الإنسان بوصفه كائنا غائيا بذاته في مملكة الوجود. فالإنسان ليس مجرد ريشة في مهب الريح تتقاذفها الأقدار بل هو الإنسان الفاعل تاريخيا القادر على أن يصنع مصيره ويرسم قدره ببصيرة وعقلانية تحكمها إرادة إنسانية بالغة القوة والاقتدار.

يعبر الأديب والمفكر الفرنسي بيك دولا ميراندول De La Mirandole "(1463- 1494) عن الروح الفلسفية للنزعة الإنسانية في كتابه " أهلية الإنسان De La dignité Homme عام 1486 والذي أحدث ضجة علمية كبيرة في عصره في هذا الكتاب ينظر ميراندول إلى الإنسان بوصفه قادرا على تحديد حياته ومصيره بنفسه وهنا تكمن خصوصيته وجدارته الإنسانية. فالإنسان يمكنه أن يقرر ماهيته ويحدد أبعاد كينونته الإنسانية، فهو قادر عبر هذه الحرية أن ينحدر بقيمته إلى ما هو أدنى من مستواه الإنساني فيكون عبدا لأهوائه وميوله البدائية، ويمكنه في المقابل أن يتجاوز حدود إنسانيته الخلاقة وأن يسمو بها إلى مصاف عليا تضاهي مصاف الملائكة.

وقد تعددت الأعمال والأفكار المشكلة للنزعة الإنسانية في عصر النهضة وبدأت حالة من التحول الجديد في النظرة إلى الإنسان بوصفه جوهرا إنسانيا. وتستند هذه النظرة الجديدة إلى الإنسان إلى التصورات التالية:

 1- يشكل الإنسان غاية إنسانية متفردة بذاتها، فالإنسان يجب أن يكون في هذا التصور في مركز الوجود والعالم لأن الله سبحانه وتعالى منح الإنسان هذا الطابع الغائي.

2- يتميز الإنسان بتفوقه النوعي حيث يتميز بقدرته على الإبداع وامتلاكه على العقل والذكاء وهو فوق ذلك كله يدرك مدى تفوقه على مختلف الكائنات الحية.

3- الإنسان هو سيد مصيره ومهندس وجوده وهو يمتلك القدرة على أن يحدد الغاية التي يسعى إليها في معركة الوجود. والإنسان ليس محكوما بقدر نهائي وحتمية مصيرية تفرضها قوى عليا لأن الله سبحانه وتعالى حمل الإنسان مسؤولية الاختيار وتحديد المصير.

لقد تغير مفهوم الإنسان والرؤية التي كان يخضع لها في العصر الوسيط، فالإنسان وفقا لهذا التصور لا يخضع لأية حتمية اجتماعية أو سياسية أو كنسية مهما كان نوعها، وإذا كان هناك من خضوع فهو يخضع لحتمية الحرية وقدر الذكاء الإنساني الذي يتفرد به الإنسان عن بقية الكائنات الحية في مملكة الطبعية الإنسانية. وعلى هذا الأساس فإن الإنسان في هذه الرؤية لا يتحدد بطبيعة واحدة بل يستطيع أن يتجلى وفقا للحرية والإرادة في مختلف الطبائع التي يريدها ويسعى إليها. وهو وفقا لهذه الصورة المبدع الذاتي لوجوده، وبالتالي فإن الحياة الدنيا تفرض على الإنسان أن يغير عالمه وأن يكيفه لمتطلباته واحتياجاته، وهذا يعني أنه يجب عليه أن يؤنسن الطبيعة ويسمها بطابعه الإنساني المتفرد.

وفي دائرة هذا التصور الجديد للإنسان نجد هذا التقدير الذاتي الذي يتخذه الإنسان إزاء وجوده الإنساني. فاحترام الإنسان وتقديره لذاته يأخذ مكانة مركزية في منظومة اهتماماته. وهذا يعني أنه يجب أن يعامل معاملة غائية مفعمة برحابة الاتصال وعطاء الخير والحرية. هذه هي الصورة الجديدة للإنسان التي تتفرد في تعظيم الروح الإنسانية ولا تهمل مع ذلك أهمية الجسد حيث تعيد للجسد الإنساني اعتباره بعد مرحلة طويلة من الاحتقار الذي اخترق الجسد وأبلاه عبر ظلمات العصر الوسيط برمته. يقول إيراسموس "Erasmes" (1469-1536) " أحد زعماء هذا التيار: " الإنسان لا يولد إنسانا بل يصير كذلك". وفي هذا القول تأكيد على طبيعة الإنسان المتفرد وقدرته على تحديد المصائر عبر الفعل التربوي المدهش.

الروح التربوية الجديدة للنزعة الإنسانية:

لقد كانت التربية المسيحية السائدة في العصر الوسيط معادية لفطرة الإنسان وقواه الطبيعية، وكانت هذه التربية تربية صوفية تقشفية بالغت في احتقار الطبيعة الإنسانية ومقتضيات وجودها فاختزلت الإنسان إلى بعد واحد وأفرغته من مضامينه الإنسانية. لقد أسقطت هذه التربية من اعتباراتها متطلبات الجسد والعقل والعاطفة في تربية الإنسان.

لقد شكلت هذه الوضعية التربوية الاغترابية للإنسان بما تنطوي عليه من قهر وازدراء واختزال لمتطلبات الإنسان المقدمات الأساسية لتطور تربوي يدعو إلى احترام الإنسان وإعادة الاعتبار إلى جوهره الإنساني، وانطلق هذا التطور في تجليات نزعة إنسانية تأخذ في جوهرها الجوانب الخلاقة في الإنسان التي تتمثل في القلب والجسد والعاطفة والوجدان، وتنطلق من مبدأ إحياء هذه الجوانب الإنسانية وتلبية متطلباتها في اتجاه تحقيق الغاية الإنسانية من وجود الإنسان. لقد كان هذا الإحياء الجديد لإنسانية الإنسان والوقوف على متطلباته الإنسانية ورفض النظرة التي تختزل الإنسان إلى بعده الواحد يشكل منطلق وغاية ما يسمى بالنزعة الإنسانية في الحياة والتربية.

وتتمثل النزعة الإنسانية في التربية في إحياء فكرة التربية الحرة وفقا للتصورات اليونانية والرومانية القديمة. وكانت هذه الحركة الإحيائية تمثل الرغبة الكبرى في نمط متجدد من الحياة والتربية يختلف عن معايير وقيم التربية الترويضية السائدة في العصر الوسيط.

ولو راجعنا منظومة التصورات الإنسانوية التي نجدها عند أيراسموس ورابليه ومونتين وغيرهم لوجدنا لديهم خطابا تربويا إنسانيا يتصف بالجدة والأصالة ولو حاولنا أن نقدم تصنيفا لأهم الأفكار الجديدة التي يستندون إليها في منظومتهم التربوية لوجدناها مختزلة في الأفكار الرئيسة التالية:

 1- يؤكد الخطاب التربوي الإنساني أهمية العودة إلى كتب القدماء وحكمتهم ولاسيما في المرحلتين الإغريقية والرومانية. لقد شكل الأدب الكلاسيكي اللاتيني والإغريقي القديم مركز اهتمام الإنسانيين وشغفهم بلا حدود. وكان حبهم للعلوم العقلية والفلسفية وإعجابهم بها يفوق كل تصور وحدود.

2- عملت الحركة الإنسانية على تأكيد شخصية الطفل ومحبته واحترامه بوصفه كينونة إنسانية خيرة وأصيلة وهي بذلك تتخذ موقفا رافضا من النظرة السلبية التي أحاطت بالطفولة في العصر الوسيط. فالطفل ليس كائنا سلبيا وليست الطفولة مرحلة انتقالية بل هي كينونة إنسانية قائمة بذاتها ومؤثرة في تكوين الشخصية وبعثها في اتجاه الخلق والإبداع.

3- أكدت النزعة الإنسانية على أهمية بناء الجانب العقلي النقدي في الطفل وذلك على خلاف ما هو سائد في ذلك العصر حيث كان الطفل يتلقى تربية ترويضية تعتمد على الانطباعات التي تسجلها الذاكرة. ومن أجل هذه الغاية فإن التربية الإنسانية كانت تركز على أهمية بناء ملكة الحكم والتفكير عند الطفل عبر منهج الحوار النقدي المستمر بين المعلم والتلميذ.

4- الحياة التربوية تقتضي عنصر المنافسة في اتجاه تكوين العقول والإرادة وعلى هذا الأساس فإن النزعة الإنسانية في التربية كانت تؤكد روح المنافسة بين الأطفال والمتعلمين في سبيل الوصول إلى أعلى درجة من درجات النضج العقلي والإبداع الذهني عند الناشئة والأطفال.

5- وقد يكون موقف النزعة الإنسانية من مسألة التوازن بين الجسد والعقل والنفس أكثر القضايا أهمية وخطورة في النظام الفكري للنزعة الإنسانية في التربية. لقد رفع الإنسانيون شعار التوازن التربوي بين النفس والعقل والجسد. وهم بذلك كانوا يستلهمون الروح التربوية التي كانت سائدة في العهد الإغريقي التي نلمسها في التربية الأثينية والتي تتجلى في الفكر التربوي عند سقراط وأفلاطون وأرسطو. ومن هذا المنطلق كانت النزعة الإنسانية تعارض الموقف التربوي الكلاسيكي الذي أهمل مطالب الجسد والعقل في الطفولة والإنسان. لقد عبر الإنسانويون عن هاجسهم الإنساني هذا في إعادة الاعتبار للإنسان كجوهر لا ينفصم عراه بين الجسد والروح والعقل والنفس وهو مبدأ إنساني يؤكد مثال الإنسان الكامل روحا وجسدا وعقلا.

5- كان عصر الظلام يخيم على العقل بدياجيره الفكرية وكأن العالم قد اكتشف مرة واحدة وإلى الأبد فأسدل الستار على إمكانية العقل في الاكتشاف والبحث والإبداع !! وذلك لأن الحقائق الدينية قد وصلت إلى غاية الإنسانية في كشف مجاهل الطبيعة والإنسان. لقد اعترضت الكنيسة على محاولات العقل في الكشف عن العالم والإبداع في هتك الحجب التي وضعتها الكنيسة على عيون العلماء والفقهاء من الناس. فالحركة الإنسانية تريد أن تكتشف العالم من جديد وأن تكتشف فيه عناصر الجدة في مختلف تكويناته في الجغرافية والتاريخ والفلك والإنسان. فالروح التي سادت الحركة الإنسانية هي روح نزاعة إلى اكتشاف العالم والإنسان. وعلى هذا الأساس أطلق على عصر النهضة ولاسيما الحركة الإنسانية فيه بأنه عصر اكتشاف الإنسان حيث بدا العقل الإنساني يتفتق في الكشف عن مجاهل الطبيعة والإنسان كشفا لا ينقطع سعيه ولا ينفك طموحه.

النزعة الإنسانية الضيقة والمحدودة

إحياء الإنسان، وإعادة الاعتبار إلى الإنسانية المقهورة في العصر الوسيط، كان جوهر الحركة الإنسانية في التربية، وقد أسس لهذه الحركة مفكرون عمالقة عرفوا بقدرتهم العبقرية الهائلة في تحريك المشاعر الإنسانية واحترام متطلبات القلب والعاطفة والوجدان.

ولكن النزعة الإنسانية بأصالتها التي وجدناها عند دانتي وبترارك، تحولت مع الزمن إلى نزعة شكلية قوامها مجرد الاهتمام بلغات القدامى وآدابهم، وأصبح هدف التربية الاهتمام بمظاهر اللغة والأدب عوضاً عن الحياة. وهذا يعني أن الاهتمام بدأ يتجه نحو الشكل على حساب الجوهر والمضمون. وهذا التوجه الجديد بدا يأخذ ما يسمى بالتربية الإنسانية الضيقة وقد شاع هذا النوع من التربية في مدارس أوروبا من القرن السادس عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر.

لقد أهملت التربية الإنسانية الشكلية هذه مطالب الروح والجسد والاهتمام بقضايا الإنسان الحيوية من جديد، بل أصبحت تمرينا له على الشكليات وتهيئة لحياة شكلية كانت مقبولة في ذلك الحين. واقتصرت التربية مرة أخرى على ممارسات مشبعة بالشكلية القاصرة على اللغة والأدب. وحتى التذوق الأدبي لم يعد أمراً مهماً في هذه النزعة الإنسانية، لأن الأهمية انتقلت إلى الشكل. وقد شملت هذه النزعة الجامعات كما سادت في المدارس الثانوية. وما كاد القرن السابع عشر يطل حتى أصبحت شكلية هذا النوع من التربية لا تقل سخافة عن شكلية التربية المدرسية في العصور الوسطى. وهنا يمكن القول في وصف هذه الوضعية بأن هذه التربية لم تفعل أكثر من أنها " أنزلت سقراط عن العرش لتجلس عليه شيشرون".

 ولقد سميت هذه التربية الإنسانية الضيقة بالشيشرونية (نسبة إلى شيشرون). حيث كان هدف التربية مجرد تمكين الفرد من الإنشاء باللاتينية إنشاء صحيحاً. وكان شيشرون رائد هذا الاتجاه في العصر الروماني. وعلى هذا الأساس كانت مناهج المدرسة تقتصر على دراسة كتابات شيشرون ومقلديه وأن الحديث والكتابة يجب أن يكونا على طريقة شيشرون وبجمله.

وهكذا أصبحت التربية الإنسانية تقوم على استعراض الأدب الكلاسيكي. وأصبحت هذه التربية تقوم على تعليم الأطفال القواعد الشكلية للغة اللاتينية وبعض قواعد اليونانية وقليل من الحساب.

 أما الطرائق المتبعة فكانت شكلية لا تأخذ طبيعة الطفل بعين الاعتبار، حيث أقرت هذه الطرائق مبدأ أن الطفل راشد صغير (وليس صغير الراشد) حيث كان يطالب بتعلم اللغات الأجنبية وأن يتعلم لغته الأم. ناهيك عن أن هذا التعليم كان تعليما شكليا للنحو والبيان. ومن جديد أصبح الاستظهار والحفظ والتلقين الأصم هو عماد هذه التربية وديدنها. وقد اعتمدت هذه التربية العقاب البدني في أكثر صوره صرامة وصلفا. وهذا يعني في نهاية الأمر أن النزعة الإنسانية في التربية قد سقطت إلى مستوى التربية الوسيطية إن لم تزد عليها من حيث إهمالها للجوانب الإنسانية في الإنسان بعد أن كانت ممثلة لهذا التوجه الإنساني أي أنها انقلبت على مبادئها الأصلية وموجهاتها الفلسفية الأولى التي كانت إنسانية في حقيقية الأمر.

النزعة الإنسانية الواقعية:

بدأت النزعة الإنسانية الضيقة تضيق الخناق من جديد على الإنسان في بداية عصر النهضة. وكان البلاء الذي جاءت به أشد ويلا وثبورا من البلاء الذي ألحقته التربية المسيحية الوسيطة بالإنسان. ولم تكن التربية الإنسانية الشكلية الضيقة أكثر من مقصلة جديدة لإنسانية الإنسان في نهاية الأمر. لقد فقد الإنسان من جديد معالم إنسانيته وأسقط جوهره الإنساني من جديد. إنه يروض الآن بشدة أكبر وقسوة أكثر إنه يوضع في قفص الاغتراب من جديد. فالإنسان لم يعد أكثر من ذاكرة لا حياة فيها إنه ذاكرة للنصوص الأدبية القديمة وأريد له أن يصبح شيشرونيا في عصر لم يعد فيه شيشرون خطيبا مفوها.

هذا الواقع الاغترابي الجديد وهذه المحنة الإنسانية وجدت في اصل البحث عن طاقة جديدة للخروج بالإنسان من مآزقه الاغترابية الجديدة. وكان على كوكبة من المفكرين العمالقة أن يتحركوا لتفجير تصورات جديدة تستطيع أن تحرك المياه الراكدة وأن تدفع العصر إلى رؤية جديدة وتربية أكثر جدة. وهذه التصورات كانت تجسد رحلة الإنسان للبحث عن هويته الإنسانية وقد تمثلت هذه الحركة الجديدة في أعمال عدد من الرواد الإنسانيين الذين عرفوا بعبقريهم الفذة وثقافتهم الواسعة وإيمانهم المطلق بالإنسان كقيمة إنسانية. وهؤلاء الرواد كثر وأبرزهم إيراسموس ورابليه ومونتين. لقد أعلن هؤلاء الرواد ثورتهم ضد التربية الشكلية الضيقة وأعلنوا رفضهم المطلق لمختلف الأشكال التربوية الاغترابية السائدة في عصرهم وانطلقوا للتبشير بتربية إنسانية جديدة أقل ما يقال عنها بأنها كانت تبحث عن القيمة الجوهرية للإنسان وتعمل على إعادة الاعتبار للجوهر الإنساني. فالإنسان ليس قيمة شكلية ولا تكمن قيمته في صوغ شكلي للأدب والشعر والخطابة إنه إنسان يتدفق بالمعاني الإنسانية إنه إنسان يمتلك قلبا وعواطف وميول إنسانية، إنسان يفيض بقدرة على التأمل والتفكير إنه عقل يعقل، إنسان يحيا بجسد ينبض بالحس والحركة وبالتالي فإن تلبية مطالب الجسد والروح والحياة والعقل تمثل الجوهر الحقيقي لإنسانية الإنسان. وتلك هي الغاية التي كان يسعى إليها كل مفكر إنسانوي أصيل. لقد انتظمت جهود هؤلاء المفكرين في البحث عن الإنسان وتأكيد قيمته الإنسانية، فحددوا السبل والمضامين والغايات التربوية والأساليب التي تمكنهم من الوصول إلى الغاية التي تمكنهم من تحقيق التوافق بين الإنسان وقيمته الإنسانية من جهة وبين الإنسان والواقع الذي يعيش فيه من جهة ثانية.

نحو نزعة إنسانية عربية في التربية:

من ينظر اليوم إلى مؤسساتنا التربوية العربية يصاب بصدمة عنيفة لما آلت إليه من تصدع وانهيار. وتكون هذه الصدمة على أشدها عندما يقارن بين أوضاع التربية في العصر الوسيط الغربي الذي عرف بعصر الظلام وبين التربية التي تسود في مختلف المؤسسات التربوية العربية القائمة اليوم. فأوضاع التعليم لدينا اليوم شديدة التشابه مع أوضاع التعليم والتربية في العصر الوسيط. وهناك عوامل مشتركة بين المرحلتين تتمثل في شكلية التعليم ونصّيته وغياب البعد الإنساني في مختلف المظاهر التربوية في التربية الأسرية كما هو الحال في التربية المؤسساتية. فالأجيال العربية تعيش أكثر حالات الاغتراب التربوي التي تتمثل في إسقاط مطالب الروح والجوهر الإنساني. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ماذا تبقي من الإنسان العربي كجوهر إنساني؟ أين هي النزعة الإنسانية التي يمكن أن تعيد للإنسان العربي المقهور بعضا من إنسانيته المهدورة؟ ألسنا اليوم بحاجة إلى وميض إنساني جديد يبدد الظلام الذي تفرضه الأنظمة التربوية العربية على القلوب والعقول؟ أسئلة وأسئلة كثيرة يمكن لنا أن نطرحها في واقعنا التربوي والثقافي في ضوء النزعة الإنسانية وفي ضوء غيرها من الحركات الفكرية التي دفعت العالم إلى قمم حضارية شامخة؟

* جامعة الكويت – كلية التربية

................................

مراجع المقالة

[1]- Hubert Hannoun, Anthologie des penseurs de l’éducation, P.U.F., Paris, 1995, P.82.

2- Margolin G.C., L’humanisme en Europe au tempes de la renaissance , P.U.F., Paris , 1981.

3- Garin E, l’education de l’homme moderne : La pedagogie de la renaissance , 1400-1600, Fayard , Paris , 1968.

4- Vedrin H., Les philosophies de la renaissance , PUF, Paris , 1971.

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 26/نيسان/2012 - 4/جمادى الآخر/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م