مخاطر إهدار الحقوق المدنية

علي حسين عبيد

 

شبكة النبأ: ضمان الحقوق المدنية من أهم سمات الامم والشعوب المتمدنة، وعلى العكس من ذلك، غيابها أو ضعفها دليل قاطع على تخلف الامة او الشعب، فمرعاة الحقوق المدنية تتطلب تنفيذا دقيقا لمعيار العدالة الاجتماعية، بالتشريع والقانون، وبنشر ثقافة إحترام الحريات الفردية والجماعية حتى تغدو سلوكا شائعا بين الجميع، ويبدو أن الامر يتعلق على نحو مباشر بالعدل والانصاف الرسمي والعرفي او الاجتماعي، العدل بمفهومه العام، يؤكد عدم التجاوز على حقوق وحدود الآخر وخصوصياته وأفكاره، وكل ما يتعلق بحياته، بمعنى خلق نوع حقيقي من المساواة بين الجميع، والامتناع التام عن تفضيل فئة أو جهة أو فرد على آخر في جميع الامور.

العدالة الاجتماعية لها أهميتها القصوى في حياة الفرد والمجتمع، فهي تعني تكافؤ الفرص بين الجميع، وتعني شمول الجميع بالنظرة الانسانية والسلوك السليم، فالمرأة على سبيل المثال هي الحلقة الأضعف في المجتمع، لاسيما المجتمعات المتخلفة او المتأخرة عن الركب العالمي المتطور، ولا يمكن ضمان حقوق المرأة المتعارف عليها، ما لم يتحقق مبدأ العدالة الاجتماعية ويشمل الجميع في بنوده وخطواته، بمن فيهم المرأة.

ولا يتحقق هذا الجانب من دون سعي منظّم، ومخطط له من لدن الجهات المعنية بتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، والسعي الى الاصلاح ونشره بين الجميع، بسبب أهمية الوعي والثقافة والايمان الحقيقي بالتساوي في فرص الحياة كافة واتاحتها للجميع كل حسب قدراته ومواهبه وكفاءته، على أن يُمنَع الانتهازيون من التدخل في صناعة حاضر ومستقبل الاجيال، لاسيما فيما يتعلق بالبناء المجتمعي وفقا لمبدأ العدالة.

هنا يتأكد لنا أن هناك نوعا من الصراع بين من يؤمن بتحقيق العدالة الاجتماعية، وشمولها للجميع وجعلها حالة سلوك شائعة، تعم شرائح ومكونات المجتمع كافة، وبين من تتضارب مصالحهم مع تحقيق هذا المبدأ، وهم في الغالب الجهات التي ترى في العدالة تهديدا لمصالحها، ومنافعها التي تتأسس اصلا على حساب وحقوق الآخرين. لذا لابد أن يسعى الجميع لتحقيق هذا المبدأ، وأولهم النخب المثقفة ورجال الدين والمفكرين، وغيرهم ممن يسعون لبناء مجتمع مدني متطور، وقادر على حماية حقوق الجميع، من خلال انتهاج وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية.

على أننا يجب أن نفهم ونؤمن بالدور الريادي للثقافة والوعي والتطور الفكري أولا، بمعنى اذا تحقق التطور المادي (الصناعي الزراعي وسواهما)، قد لا يعني هذا حدوث قفزة باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن الامر يرتبط على نحو وثيق بدرجة الوعي الفكري العام، وخصوصا وعي النخب التي تقود المجتمع، وقد يشمل هذا عموم المجتمع العالمي، لذا ينبغي أن يكون ثمة ترابط وثيق بين التطور المادي والسمو الفكري للمجتمع عموما، هذا الرأي يدلل على أن الحياة البشرية السعيدة، ليست مرهونة بالتطور المادي وحده، بل لابد أن تتحقق درجة جيدة من العدالة الاجتماعية التي تسود المجتمعات كافة، فالبون شاسع بين مجتمعات التطور المادي الهائل، وبين المجتمعات المتأخرة، التي تعاني من العوز المادي المتضخم مع مرور الزمن.

وينطبق هذا الرأي على مكونات المجتمع الواحد أيضا، فقد تكون هناك طبقية واضحة، توزع المجتمع الواحد على طبقات تبعا لقدرتهم المالية وطبيعة عيشهم وحياتهم، على الرغم من انتمائهم لدولة واحدة ومجتمع واحد، هذا الامر يؤكد غياب العدالة الاجتماعية، ويتطلب سعيا حثيثا للقضاء على الفوارق الاجتماعية، من خلال تحقيق العدالة بين الجميع عبر العديد من الخطوات العملية، وأولها تكافؤ الفرص واتاحتها أمام الجميع ضمن معايير ثابتة وعادلة ايضا.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 22/شباط/2012 - 29/ربيع الأول/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2011م