حق التظاهر السلمي اين يبدأ واين ينتهي؟

حيدر الجراح

 

شبكة النبأ: من البديهيات القول ان حق التظاهر مكفول للجميع.. من خلال شرعة حقوق الانسان العالمية ومن خلال الدساتير الوطنية لمعظم بلدان العالم.

وحتى في البعض من النظم الدكتاتورية والتي لديها دساتير مكتوبة حسب مقاسات الحاكم الاوحد يوجد ذلك الحق ولكنه حق التظاهر للهتاف بالروح بالدم نفديك يا زعيم.

بدأ التوجه لحق التظاهر من خلال الفيلسوف البريطاني (جون لوك)، الذي أكد في مؤلفه الثاني عن الحكومة (فكرة الحكومة بالتوافق أو الاتفاق)، وأن الكائن البشري يتمتع بحقوق طبيعية منها حق التعبير؛ وبالتالي حق التظاهر والاعتصام.

ومن خلال النظريات المتلاحقة التي تبنتها الكثير من القوانين في اوبا وامريكا والتي تكرست نتيجة الحروب والانتفاضات الشعبية، ولاسيما حروب الاستقلال، تم الوصول إلى اكتساب هذا الحق ـ حق التظاهر ـ ففي بريطانيا؛ تم وضع الميثاق الكبير عام 1215م، الذي قيد من صلاحيات الملكية المستبدة، تبعه إعلان الاستقلال، لجمهورية الداتش (هولندا ـ ألمانيا) لعام 1581م، ومن بعدهما إعلان الاستقلال للولايات المتحدة الثلاثة عشرة، الذي جرى التصديق عليه في (الكونجرس) بتاريخ الرابع من شهر تموز 1776م، الذي لحظ التمثيل الصحيح في السلطة التشريعية كحق ثابت، ومقاومة الحاكم الظالم المستبد، غير القادر وغير المؤهل لحكم شعب حر.

ونتيجة لإلغاء الإقطاع في فرنسا خلال الأحداث التي ترافقت مع انطلاق الثورة الفرنسية عام 1789م؛ فُرِض مبدأ التساوي بين المواطنين، وأطلق كلٌّ من (ميرابو) و(سياياس) إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي عدد الحقوق الطبيعية غير القابلة للتنازل عنها أو المساومة بشأنها، وأهمها حرية الفرد، الملكية الفردية، والأمن ومقاومة الظلم أو القهر أو الاستبداد.

حق التظاهر هو أحد حقوق الإنسان الذي يظهر نتيجة عدد من حقوق الإنسان المعترف بها. إن حق حرية التجمع قد يتضمن حق التظاهر. لا توجد أي آلية لحقوق الإنسان أو دستور يمنح الحق المطلق للتظاهر، إلا أن العديد من لوائح حقوق الإنسان والدساتير تنسب حق التظاهر إلى حرية التجمع أو حرية التنظيم وحرية الكلام والتي ينص عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدساتير في الكثير من الدول.

في العراق وفي دستوره الجديد كفلت المادة الثامنة والثلاثين في الفقرة الرابعة حق التظاهر السلمي ويجب ان تنظم هذه المظاهرات بقانون.

ولاننا حديثو عهد في الممارسات الديمقراطية لم نمارس شيئا من جملة حقوق الانسان غير حق الاقتراع وهو حق مدار اشكالات عديدة قانونية وسياسية لامجال للتطرق اليها.

اما حق التظاهر فقد مارسه العراقيون بصورة متقطعة خلال السنوات الماضية تحت عناوين عديدة لعل ابرزها مظاهرات التيار الصدري لاطلاق سراح المعتقلين او مظاهراته ضد الوجود الامريكي.. وكذلك بعض المظاهرات وباعداد صغيرة حول مطالب تتعلق بالحريات العامة وغيرها من العناوين.

اما التظاهر ضد الفساد والبطالة وتردي الخدمات فقد سبقت محافظة البصرة الجميع الى ذلك في العام الماضي للمطالبة بتحسين امدادات الطاقة الكهربائية حين كان صيف العراق برعاية جهنم نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الى معدلات غير مسبوقة.

المظاهرات الاخيرة خرجت تحت نفس العنوان السابق الا انها هذه المرة سبقتها حملة تحشيد واسعة على الفيس بوك وغيره من وسائل الاعلام واستأثرت باحاديث الشارع العراقي.

نقطتان احب الاشارة اليهما:

الاولى تتعلق باحراق بعض مباني المحافظات والمجالس البلدية ومراكز الشرطة من قبل المتظاهرين.

الثانية وتتعلق بمحاصرة المتظاهرين لمركز شرطة الحويجة في كركوك ومطالبتهم بتسليم احد عناصر الشرطة الذي اطلق النار عليهم.

دائما ما تقترن كلمة التظاهر بكلمة اخرى وهي (سلمي) الا ان الجميع يحاول تجييرها لفريق واحد وهو حماية المتظاهرين من قمع السلطة، ويفوت الاخرين ارتباط الكلمة الجوهري بالتظاهر والتي تعني التزام المتظاهرين بالقوانين والقواعد العامة وخاصة ما يتعلق منها بالحفاظ على الممتلكات والاموال العامة من التخريب او الاحراق او السرقة، وبعكسه تتحول اي مظاهرة الى اعمال شغب تستدعي ردودا عنيفة من السلطة.

التظاهرات العراقية في بعض مراحلها ابتعدت عن سلميتها باحراقها للكثير من المباني العامة التي ثاروا لأجل ان تقدم لهم خدماتها من خلالها.

فيما يتعلق بالنقطة الثانية ومطالبة المتظاهرين بتسليمهم لاحد افراد الشرطة.. ترى ما الذي يمكن ان يفعلوه بهذا الشرطي وهم في ثورة غضبهم ؟ ليس اقلها التنكيل به وقتله شر قتلة.

النقطتان تثيران معضلة اخلاقية كبيرة، وهي افلات من قام بالتعدي على الاملاك العامة من العقاب وكذلك ارساء شريعة الاقتصاص الفردي من قبل المتظاهرين لكل رجل يحمل صفة امنية.

حق التظاهر السلمي وفي كل الديمقراطيات، هو تقديم المتظاهرين الذين يمارسون التخريب مع قوات الامن التي تطلق النار الى المحاكمة وتطبيق القانون على الحالتين.. لان السكوت عن اي منهما او كليهما هو دعوة متواصلة لاستعداء كل طرف ضد الاخر.. وسوف تتكرر تلك الحوادث وربما تقود الى ما لا يحمد عقباه.

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 28/شباط/2011 - 24/ربيع الأول/1432

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م