عيد الحب سلوك شكلي أم جوهري؟

علي حسين عبيد

 

شبكة النبأ: لنتوقف لحظة ونتصور الانسان كائنا لايعرف الحب، ولايفهم معناه، ولم يعش مشاعره قط، تُرى أي نوع من الكائنات سيكون، وأي نعمة يُحرَم منها؟ بالمقابل لابد أننا عايشنا إنسانا يفهم الحب ويعيشه في آن، ولنا الآن أن نلاحظ مدى الفارق الكبير بين الكائنين، أحدهما يخلو من الحب وامتيازاته النفسية والشعورية الهائلة، وآخر تراه كائنا قُدًّ من حب، فصار كيانه وسلوكه وأفكاره، كتلة حب تشع على الآخرين بمشاعر رهيفة وراقية، تنشر السعادة في أي مكان تحلّ فيه.

إذن لابد أن نتفق على أن الحب ذو طابع جوهري، ولايمكن أن يرضى أو يكتمل بالشكل فقط، أي أنه شعور سرعان ما يتحول الى جوهر مدرَك وقائم في آن، وجوهر الحب يظهر في أقوال الانسان وسلوكه، ناهيك عن تعابير الوجه، ونبرة الصوت، وحركة اصابع الكف وإشعاعة العينين، وباختصار فإن الكائن الذي يتميز بالحب الجوهري هو كتلة مشعّة بمشاعر الحب على الجميع، وهو الكائن الذي يشيع البهجة والفرح والثقة والسرور والتفاؤل أينما حل.

ولكن هل يمكن أن يصطنع الانسان مشاعر الحب، وهل يمكنه تزييفها، وهل يستطيع أن يطبع سلوكه وافكاره بالحب من دون أن يكون الحب شعورا حقيقيا نابعا من ذاته فعلا؟.

الجواب قد نجد هنا او هناك أناسا يحاولون اصطناع الحب، ويحاولون التمثيل والتشدق بمشاعر كاذبة على الآخرين، تدفعهم الى ذلك مطامع ومطامح مادية وسواها، ولكن غالبا ما يكون (حبل الكذب قصير) فينكشف المزيّف، ويظلّ الاصيل أصيلا ما بقي الانسان على قيد الحياة، ويبقى الحب شعورا انسانيا نبيلا يدفع حامله الى النجاح في علاقاته في محيط الفكر والعمل، فتراه محط إعجاب الآخرين، وجاذب للجميع بصدقه ونقاء سريرته وتعامله الانساني الجميل مع كل من يرتبط به في علاقة عمل او اي نشاط إنساني آخر.

ولا يمكن أن نحصر الحب بالجانب العاطفي، مع أهميته، لأن الحب يمتد ليمثل حب الجميع وليس الحبيبة فقط، إنه حب الله تعالى وحب الاب والام والخ والاخت والصديق والجار والفقراء والاطفال وكل من هو بحاجة الى نفحات الحب لكي يتقدم خطوة الى امام في حياته، وهناك فعلا من لا يستطيع الاستغناء عن مشاعر الحب لكي ينجح في حياته، بل لابد أن تتوافر مشاعر الحب بمفهومه الجوهري العام لكي يحقق الانسان توازنا مهما ومطلوبا في حياته العملية وغيرها.

لهذا ينبغي أن يفهم الشباب الحب العاطفي بطريقة مثلى، كونه الاشد ظهورا في مرحلتهم العمرية، وفهم الشباب للحب ينبغي أن يقترن بالمعرفة الدقيقة لجوهر الحب القائم على الصدق والإيثار ونكران الذات وتفضيل الآخرين على النفس، أو التعامل معهم وفق معايير الحب الذاتي، أي أن (تحب للآخر ما تحبه لنفسك) ولايصح مطلقا أن تضع نفسك في المقدمة وتترك الآخرين وراء ظهرك، ثم تقول وتدّعي بأنك تفهم الحب وتؤمن به وتتعامل مع الآخرين وفقا لفهمك للحب كجوهر أصيل.

لأن جوهر الحب الاصيل يعني بالدرجة الاولى أن تتحلى بالتضحية من اجل الآخر، وكثير من الفلاسفة والمصلحين، أكدوا على أن سعادة الانسان تكمن في إسعاده للاخرين، وكلما كان قادرا على اشاعة السعادة واالجمال في الآخر كلما كان أكثر سعادة من غيره، وهذا يتقاطع كليا مع الحب الشكلي.

فثمة من الشباب من يفهم الحب بالشكل فقط، إنه يفهمه كملبس جميل وتسريحة شعر مثيرة ومساحيق لامعة تغطي الوجه، وسلكويات تنم عن الحذاقة واللباقة المصطنعة، وتفضيل النفس على غيرها وما شابه ذلك من سمات وملامح تؤشر الشاب الذي لايفهم جوهر الحب على حقيقته لأنه لايؤمن به أصلا، وينظر الى الحياة على أنها سلسلة من المكاسب المتواصلة حتى لو تم ذلك على حساب الغير، ولا تنحصر هذه المكاسب بالمادة فقط، او بالعاطفة والجنس وما شابه، بل مثل هؤلاء (شبابا او غيرهم) لا يفهمون الحب إلا كونه وسيلة لتحقيق مطامحهم المادية والشهوية على حساب الآخرين، ومثل هؤلاء لن يكون النجاح حليفهم قط.

إذن الصحيح (في يوم الحب، وما بعده وقبله) أن نعرف الحب على حقيقته، وأن نلجأ الى جوهره قبل شكله، وأن يكون عنوان الانسان فكرا وسلوكا مع الآخرين، عند ذاك سيتحقق النجاح وسوف تحل السعادة وتكلل مسعى الانسان نحو اهدافه التي يراعي فيها حقوق الآخرين ومصالحهم قبل مكاسبه الشخصية.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 16/شباط/2011 - 12/ربيع الأول/1432

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م