الغـرور

علي اسماعيل حمة الجاف

معنى الغرور:

علينا إن نقوم أولا، بإلقاء الضوء على معنى الغرور، حتى يتسنى لنا بعد ذلك، ان نستكشف صلته بعقدة النقص، فنجد إن الغرور يتضمن المعاني الفرعية التالية:

أولا: الشعور بالتفوق على الآخرين:

الواقع إن الناس بعامة، تتوزع عليهم المواهب والمزايا بالتساوي تقريبا، فما يكون لدى المرء من تلك المواهب والمزايا قد لا يتوفر عند أخيه، ولكن ذلك الأخ يكون حائزا مواهب ومزايا، لا تتوفر له. بيد إن المغرور لا ينظر إلا من زاوية واحدة، هي الزاوية التي يمتاز فيها، ويتفوق بإزائها على اقرأنه.

ثانيا: احتقار الآخرين:

 ولان المغرور يركز فكره في الزاوية التي يتفوق بإزائها عن غيره، ويغضي عن الزوايا الكثيرة التي يتفوق الآخرين بإزائها عليه، فانه ينحو إلى التعاظم والتعالي عليهم واحتقاره لهم.

ثالثا: انتحال المرء لنفسه مزايا ليست فيه:

والشخص المغرور يتخيل مزايا وهمية، ينسبها إلى نفسه، كما انه يتخيل إحداثا ووقائع ومغامرات زائفة، يزعم انه ابلي فيها بلاء عظيما، مما يبرهن على جبروته، وقوة شكيمته، وانتصاره في المعارك التي خاضها ضد أعدائه.

رابعا: الانخداع بما يبديه الوصوليون له من احترام وتبجيل:

 فالواقع إن الخبثاء يعرفون جيدا، ما لدى الشخص المغرور من استعدادات للإغداق عليهم من ماله، أو للوقوع في مخالبهم، وقضاء وطرهم، إذا هم أحاطوه بهالة من التبجيل والتقدير والاحترام. فهو يصدق انه شخصية عظيمة، خليقة بذلك التقدير والاحترام، مع إن الواقع إن ما يبديه أولئك المخادعون، عبارة عن طعم يضعونه في شباكهم لإيقاعه فيها، فيقتنصونه فعلا برضاه وبرغبته واشتياقه.

خامسا: إحاطة المغرور نفسه بالعظمة والأبهة:

 فالمغرور يرى في نفسه مخلوقا مقدسا، يجب إحاطته بالهيلمان، وبكل مظاهر العظمة والتقديس. فهو يقيم حاجزا بينه وبين الأشخاص العاديين، لاعتقاده انه يعلو عنهم منزلة، فيكون بذلك خليقا بكل أنواع الحفاوة والاحترام، وان تعاملهم معه يجب إن يختلف عن تعاملهم مع الناس العاديين.

معنى عقدة النقص:

 وبعد إن قدمنا هذه الخصائص الخمس، التي يتصف بها الشخص المغرور، فان علينا إن نلقي الضوء على عقدة النقص، قبل إن نتفحص العلاقة بينها وبين الغرور. فعقدة النقص تعنى ما يأتي:

أولا: تعبير مقلوب عن خبرات فشل لا شعورية:

 فعقدة النقص، عبارة عن تقديم صورة معكوسة لما تركته بعض الخبرات المحبطة من رواسب في اللاشعور. فمن كان مستنذلا في طفولته، يبدي الشراسة والعدوانية، بعد إن يشب عن الطوق، لا لأنه قد اكتسب صفة الشجاعة، بل لأنه يحاول إخفاء رعدته وخوفه وذله الدفين في قوامه اللاشعوري.

ثانيا: نقائص يحس المرء لا شعوريا بالعار إذا ما أعلنت وكشف الغطاء عنها:

فالواقع إن العلاقة فيما بين اللاشعور والشعور هي علاقة تضاد، وليست علاقة تناقض، اى إن ثمة درجات كثيرة فيما بينها. من هنا فان إحساس المرء بذلك العار، يقع بين اللاشعور والشعور. فعقدة النقص تحول بين المرء وبين التعبير عن تلك النقائص، وهو يحس بذلك النقص بعض الإحساس كما انه يستخفى عنه في جانب منه بعض الاستخفاء بسبب غوصه في أعماق لاشعوره.

ثالثا: الإحساس بالقلق اللاشعوري من العقوبات التي كانت توقع على المرء في طفولته:

 والقلق هو الخوف الذي استحال من النطاق الشعوري إلى النطاق اللاشعوري بالجهاز النفسي للمرء. فهو لا يتذكر تلك العقوبات التي أوقعت عليه أو أسبابها، ولكن القلق الذي يستبد به في ارتباط بتلك الخبرات اللاشعورية، يظل حيا في سلوكه، ولكنه يعكس الآية، وينحو لا شعوريا إلى إسقاط مخاوفه على الأطفال وذلك بالترفع عليهم، وكراهيتهم وإيذائهم.

رابعا: الشعور الدفين بالخطيئة بسبب خبرات مر بها المرء في طفولته:

ويترتب على ذلك الشعور الدفين، كراهية أي شيء يرتبط بالجنس، مما قد يترتب عليه الإقلاع عن الزواج، أو الفشل في استمراره، أو اختلاف المنازعات المستمرة مع شريك الحياة، إذا ما تم الزواج بالفعل.

الإعراض السلوكية للغرور وصلتها بعقدة النقص:

وعلينا إن نقوم بعد هذا، بإلقاء الضوء على الإعراض السلوكية للغرور في صلته بعقدة النقص، فنجد إن تلك الإعراض يمكن إن تحدد على النحو التالي:

أولا: التناقض السلوكي:

 فالشخص المغرور المصاب بعقدة النقص، يتردد بين الترفع الشديد والكبرياء الزائدة وبين التواضع الشديد والشعور بالضعة. فتجده في وقت ما يتحاشى مخاطبة زملائه ويتقرب إليهم، ويعترف لهم بأدق إسراره الشخصية.

ثانيا: افتقاده التكامل النفسي:

فالشخصية غير المتكاملة نفسيا، لا تتمتع بالتعاون والتآزر بين الفكر والعاطفة والإرادة، بل تكون متصفة بالتفكك فيما بين هذه المقومات الثلاثية، فالفكرة يعمل في اتجاه، والعاطفة تعمل في اتجاه ثان، والإرادة تعمل في اتجاه ثالث. وقد يحدث تضارب بين هذه الاتجاهات الثلاثة عند الشخص المغرور، ويكون ذلك نتيجة اعتمال العقدة النفسية في قوامه.

ثالثا: العجز عن التوافق الاجتماعي:

 فالشخص المغرور الذي تعتمل عقدة النقص في قوامه النفسي، لا يستطيع إن يقيم علاقات سوية مع الناس من حوله. فهو يثير كثيرا من المشاكل معهم، ولا يستطيع إن يلتقي بهم في منتصف الطريق في أي نقاش ينشأ بينه وبينهم، بل يصر على أرائه، ولا يستطيع إن يتناول عن أي رأي يذهب إليه، أو عن أي موقف يتخذه.

رابعا: التشكك في نيات الآخرين:

والشخص المغرور الذي تعتمل عقدة النقص في قوامه النفسي، دائم التشكك في مواقف الآخرين منه. فهو يعتقد إن كل من حوله لا يحبونه، بل يضمرون له الشر، ويحوكون له المكائد، ويرتبون له الورطات التي لا يتسنى له التخلص من براثنها.

خامسا: التعرض للكوابيس والأحلام المزعجة:

والشخص المغرور الذي تعتمل عقدة النقص في قوامه النفسي، يكون عرضه لمهاجمة الكوابيس عليه في إثناء نومه، كما انه يكون معرضا لمشاهدة الأحلام المزعجة باستمرار.

العيوب التربوية التي تفرح عقد النقص والغرور:

وعلينا إن نلقي الضوء بعد هذا، على العيوب التربوية التي يمكن إن تفرخ عقد النقص، وما يترتب عليها من الإصابة بالغرور، فنجد إن تلك العيوب تتحدد فيما يلي:

أولا: الضغوط التربوية الخارجية: فالتربية في اعتقاد كثير من المربين، عبارة عن تصنيع لشخصيات الناشئة في ضوء نماذج سلوكية محددة، لا تقبل التغير أو التعديل. ومعنى هذا إن الإيديولوجية التربوية السائدة لا تعترف بما بين الأطفال أو المراهقين أو الشباب من فروق فردية. ومن ثم فان المربي المتمكن في ضوء هذه الإيديولوجية، هو ذاك الذي يستخدم الترغيب والترهيب وبخاصة الضرب، حتى ينقاد من يقوم بتربيتهم، لما يفرضه عليهم من وسائل التصييع. وتكون نتيجة تلك الضغوط على شخصيات الناشئة إصابتهم بالعقدة النفسية التي تتبدى في هيئة غرور، لتغطية المخاوف اللاشعورية التي ما تزال تعتمل في قوامهم اللاشعورية.

ثانيا: صغار الأمس هم إباء وأمهات ومعلمو اليوم: فالكبار الذين يضطلعون بتربية الناشئة اليوم، يحملون في قوامهم النفسي تلك العيوب السلوكية التي ذكرناها في البند السابق، والتي اكتسبوها خلال مراحل نموهم، ومن ثم فأنهم يسقطونها على الصغار الذين يقومون بتربيتهم.

ثالثا: عدم وضوح أو تحديد الأهداف التربوية: فثمة تضارب بين الأهداف التربوية التي يبغى المربون تحقيقها في ناشئتهم. فقد تكون الأهداف التربوية التي يترسمها الإباء والأمهات متضاربة مع الأهداف التربوية التي يترسمها الإباء والأمهات متضاربة مع الأهداف التربوية التي يترسمها المعلمون. فينجم عن هذا التضارب اضطرابات نفسية، ومن بينها الإصابة بعقد النقص، بالإضافة إلى بعض العيوب السلوكية التي تتبدى لدى من يقومون بتربيتهم من اصفال ومراهقين وشباب، وما يترتب عليها من الإصابة بالغرور.

رابعا: التخويف لمنع الإعراض السلوكية المستهجنة: ومن الأخطاء التربوية التي تعمل على تفريخ عقد النقص وما يتبعها من إصابات سلوكية من أهمها الغرور، استخدام التخويف والترهيب لمنع الإعراض السلوكية المرغوب فيها. ومعنى هذا إن هذا التربية لا تهتم إلا بتلاشي القشور السلوكية، ولا تعمل في الوقت نفسه على استنهاض الاستعدادات والمواهب للبزوغ في حياة المرء.

خامسا: قصر تقييم الناس في ضوء ما يمتلكونه من مال: فالتربية لم تعد تركز على تنمية الشخصية، بغض النظر عن النتائج المستقبلية المادية، بل صار الناس ينظرون إلى التربية باعتبارها إعداد الناشئة، لكي يصيروا في مستقبلهم، قادرين على الكسب المادي. وبتعبير أخر فان التربية التي كانت قديما، كلفة بالعقل والعاطفة والإرادة، قد صارت لا تكلف إلا بالوسائل التي يتسنى بواسطتها الحصول على المال، ولا تهتم بما يتصل بالسلوك أو القيم الأخلاقية.

العوامل المساعدة على الإصابة بالغرور:

وعلينا إن نقوم في نهاية المطاف بإلقاء الضوء على العوامل المساعدة على التلبس بالغرور، فنجد إن تلك العوامل، يمكن إن تتحدد على النحو التالي:

أولا: الاستعداد الوراثي:

فمما لا شك فيه، إن ما جبل عليه المرء من استعدادات، يؤثر إلى حد بعيد في السلوك الذي ينشأ عليه، أو قل انه يساعد العوامل البيئية المؤثرة على إن تعمل عملها في شخصية المرء. فمن لديه استعداد للغرور، ينخرط في التفاعلات الخبرية التي تدفع به إلى التلبس بالغرور. فليس جميع الذين يتعرضون للمؤثرات البيئية ذاتها، ينخرطون في السلوك المتسم بالغرور، بل يعتمد هذا الانخراط على توافر تلك الاستعدادات الموروثة.

ثانيا: القيم السائدة بالأسرة:

 فأول مجتمع يفتح المرء عينيه عليه بعد ميلاده، هو أسرته، ومنها يتشرب المقومات التربوية الأساسية. فإذا كان الغرور هو السمة الشائعة بأسرته، فانه يمتص هذا الانتحاء السلوكي منها، ويشب على الغرور والتعالي على الناس الذين يتصل بهم، أو يتعامل معهم.

ثالثا: اتساع الفوارق الطبقية:

فالمجتمع الذي تتسع فيه الفوارق الغنية بين الفقراء والأغنياء، يعمل على إصابة أبناء الطبقة الغنية بالغرور، وذلك لوقوفهم على تلك الفوارق التي تجعل منهم الطبقة المحظوظة، مقارنة بأبناء الطبقة الفقيرة.

* استاذ وباحث

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 1/كانون الثاني/2011 - 25/محرم/1432

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م