التوحيد التيموي الميموني

د . أحمد راسم النفيس

مقدمة لازمة:

يختلف البحث في قضايا تاريخ الفكر عنه في قضايا التاريخ.

البحث في قضايا التاريخ يشبه البحث الجنائي حيث يتوجب إثبات الوقائع بالدليل الذي لا يقبل التأويل أما قضايا الفكر فيكفي إثبات تطابق الأفكار لإثبات أن ثمة مصدر واحد لها.

الماركسية في أمريكا اللاتينية في أقصى الجنوب الغربي للعالم هي نفسها ماركسية روسيا في أقصى الشمال الشرقي ولا حاجة بنا للبحث عن أول من تبنى هذه الفكرة هنا أو هناك رغم أن كارل ماركس كان أوروبيا ألمانيا.

مؤسس التوحيد الوهابي

من المعلوم أن محمد ابن عبد الوهاب كان عالة في (توحيده) على ابن تيميه وأن كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) هو مجرد تلخيص لكتاب ابن تيميه (اقتضاء الصراط المستقيم: مخالفة أصحاب الجحيم)، ويمكن لمن أراد التأكد أن يقارن بين الكتاب الأصل (الاقتضاء) والكتاب الملخص (التوحيد)!!.

ولكن من أين اقتبس ابن تيميه نظريته التوحيدية التي لم يسبقه بها أحد من الأولين وخالفها أغلب الآخرين بل وانتفض عليه أهل زمانه وأودعوه السجون والمعتقلات؟!.

في اعتقادنا أن ابن تيميه وأتباعه إلى يومنا هذا قاموا وبنجاح لا نظير له بدور ناقل الردى على ظهره من موضع إلى موضع لرأي يحدثه بعد رأي من خلال إلصاق ما لا يلتصق وتقريب ما لا يمكن له أن يتقارب أو يلتحم، أما سر نجاحهم المدوي فهو أن هذه الأمة كانت ولازالت ترفض قيادة ذوي البصر والبصيرة وترى أن الشروخ والفوالق التي تمزق شمل الأمة وتفتت كيانها هي الضمان الأكيد للوحدة والمنعة!!.

لنطرح السؤال بصورة مختلفة قليلة........

عاش ابن تيميه في الفترة من نهاية القرن السابع الهجري وحتى القرن الثامن الهجري (661 – 728 هـ) وقبل هذا كان هناك العديد من الكتب التي طرحت تصورا للعقيدة الإسلامية دار النقاش فيها حول صفات الذات الإلهية والجبر والاختيار ولكن لم يرد فيها تناول لمسألة التوسل والوسيلة باعتبارها من القضايا العقدية.

فمن أين جاء ابن تيميه بهذه القضية وانفرد باعتبار التوسل شركا مخرجا من الملة مضيفا لذلك ضرورة هدم أضرحة الأنبياء والأئمة بعد أن أعلنها أصناما وأوثانا تعبد من دون الله؟!.

ولد ابن ميمون عام 1135 ميلادي الموافق لعام 529 هجرية وجاء إلى مصر قبل سقوط الدولة الفاطمية ببضعة أعوام وتوفي عام 1204 ميلادية الموافق 600 هجرية أي بعد ما يقارب من 35 عاما أمضاها في بلاط الدولة الأيوبية طبيبا ومستشارا بل وواضعا لأساس الدولة الصهيونية المعاصرة وقبل مولد ابن تيميه بستين سنة فقط لا غير.

(اختير ابن ميمون طبيباً خاصاً لنور الدين علي أكبر أبناء صلاح الدين، وللقاضي الفاضل البيساني وزير صلاح الدين. واستخدم ابن ميمون نفوذه في بلاط السلطان لحماية يهود مصر، ولما فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد)[1].

يقول عبد اللطيف البغدادي الذي زار مصر في هذه الفترة، في كتابه (الإفادة والاعتبار): وكان قصدي في مصر ثلاثة أنفس ياسين السيمياوي والرئيس موسى ابن ميمون اليهودي وأبو القاسم الشارعي، وجاءني موسى فوجدته فاضلا في الغاية قد غلب عليه حب الرئاسة وخدم أرباب الدنيا وعمل كتابا في الطب كما عمل كتابا لليهود سماه كتاب (الدلالة) ولعن من يكتبه بغير اللسان العبراني (ووقفت عليه فوجدته كتاب سوء يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يُظن أنه يصلحها) لاحظ!!.

كان ابن ميمون طبيب البلاط الأيوبي وهي مكانة رفيعة جعلته صاحب كلمة مسموعة وشفاعة مقبولة لديهم.

التوحيد الميموني:

يقول ابن ميمون في كتابه (دلالة الحائرين):

معلوم أن أبانا إبراهيم عليه السلام نشأ في ملة الصابئة ومذهبهم أن ليس ثم إله إلا الكواكب وأن الشمس هي الإله الأعظم وكذلك أيضا قالوا أن سائر السبعة كواكب آلهة، لكن النيرين أعظم، كما قالوا بقدم العالم وزعموا بأن آدم مولود من ذكر وأنثى ولكنهم يعظمونه ويقولون أنه كان نبيا رسول القمر.

وبحسب تلك الآراء أقام الصابئة الأصنام للكواكب أصنام الذهب للشمس وأصنام الفضة للقمر وقسموا المعادن والأقاليم للكواكب وبنوا الهياكل واتخذوا فيها الأصنام وزعموا أن قوى الكواكب تفيض على تلك الأصنام فتتكلم تلك الأصنام وتفهم وتعقل وتوحي للناس وتعلم الناس منافعهم.

كذلك قالوا في الأشجار التي هي من قسمة هذه الكواكب إذ أفردت تلك الشجرة لذلك الكوكب وغرست به وفعل لها وفعل بها كذا فاضت روحانية ذلك الكوكب على تلك الشجرة وتوحي للناس وتكلمهم في النوم، تجد كل ذلك منصوصا في كتبهم التي أنبهك عليها وهؤلاء كانوا أنبياء البعل وأنبياء العشتروات المذكورين عندنا الذين تمكنت عندهم هذه الآراء حتى تركوا الرب ونادوا أيها البعل أجبنا كل هذه لشهرة تلك الآراء وفشاء الجهل وكثر هذيان العالم حينئذ في هذا النوع من الخيالات فنشأت فيها آراء وصار منهم مشعبذ ومتفائل وساحر ومن يرقى رقية ومن يسأل جانا أو تابعه ومن يستشير الموتى.

وقد بينا كيف قام أبانا إبراهيم بنقض تلك الآراء حتى نبئ فكمل الغرض فأمر بقتل هؤلاء ومحو آثارهم واستئصال شأفتهم وهدم مذابحهم ومنع من تبع شيء من سيرهم تلك.

وقد علمت من نصوص التوراة في عدة مواضع أن القصد الأول من الشريعة كلها إزالة عبادة الأصنام ومحو أثرها وكل ما يتعلق بها حتى ذكرها وكل ما يؤدي إلى شيء من أعمالها مثل الجان والتابعة والإمرار من النار والعراف والمشعبذ والمتفائل والساحر ومن يرقي رقية ويستشير الموتى والتحذير من التشبه بشيء من أعمالهم هذه.

فما أعظم كل فريضة تخلصنا من هذه الغلطة العظيمة وتردنا إلى الاعتقاد الصحيح وهو أن ثم إلها خالقُ كلِ هذه وهو الذي ينبغي أن يعبد ويحب ويخاف لا تلك المظنون بها أنها آلهة وأن هذا الإله الحق لا يحتاج في القرب منه وحصول رضاه لأمور فيها مشقة بوجه.

ويواصل ابن ميمون: إن كثيرا من الشرائع إنما بين لي معناها وعرفني عللها وقوفي على مذاهب الصابئة وآرائهم وأعمالهم وعبادتهم وقرائتي لكتبهم وأكبر كتاب لذلك هو كتاب (الفلاحة النبطية لابن وحشية، وهذا الكتاب مملوء من هذيانات عابدي الصنم ومما تميل إليه أنفس العوام مثل الطلسمات واستنزال الروحانيات والسحر والجن والغيلان التي تأوي البراري....

فهذه كلها هي أسفار عبادة الصنم التي أخرجت للسان العربي وهي مشتملة على أكثر آراء الصابئة وأعمالهم المشهور بعضها في العالم أعني بنيان الهياكل واتخاذ الصور من المسبوكات والحجارة فيها وبنيان المذابح والتقريب عليها إما ذبائح أو طعام أو اجتماع للصلوات ويجعلون فيها مواضع معظمة جدا يسمونها هيكل الصورة العقلية.....

ومعرفة تلك الآراء وتلك الأعمال هو باب كبير جدا في تعليل الفرائض لأن شريعتنا كلها أصلا وقطبها الذي عليه تدور هو محو تلك الآراء من الأذهان وتلك الآثار من الوجود لمحوها من الأذهان ولمحوها من الوجود قال: تنقضون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتمحون أسماءهم من تلك المواضع[2]. انتهى

من حق القارئ أن يتساءل عن الفائدة من هذا العرض لآراء هذا الحاخام اليهودي الذي يتحدث عن الصابئة ومعتقداتهم في حين يقودنا البحث إلى أن الأفكار التي طرحها هذا اليهودي الصهيوني (الذي تمكن ومن خلال موقعه في البلاط الأيوبي أن يؤسس للوجود اليهود في فلسطين)، كانت ولا زالت بالغة التأثير في الواقع المعاصر للعالم الإسلامي والدليل على ذلك هي خفة العقل التي يتحدث بها بعض المؤرخين عن ابن ميمون (الفيلسوف المسلم) ومن بين هؤلاء الدكتور يوسف زيدان الذي كتب في موقعه الإلكتروني: أما موسى بن ميمون فقد عاش فى المحيط العربى والإسلامى، بعد فيلون بستة قرون، فقد وُلِد فى قرطبة سنة 1135 ميلادية، وتوفى فى القاهرة سنة 1204 ميلادية، واشتهر بأنه أهم شخصية يهودية خلال العصور الوسطى، كما اشتهر كتابه دلالة الحائرين بأنه واحدٌ من أهم الكتب التى دوَّنها اليهود.

كان ابن ميمون قد تلقَّى العلم على يد ثلاثةٍ من العلماء المسلمين، فتلقَّى مباشرةً من ابن الأفلح ومن أحد تلاميذ ابن الصائغ .. وتلقى من ابن رشد بشكلٍ غير مباشر، حين عكف -كما يذكر ابن ميمون نفسه- على دراسة مؤلفات ابن رشد طيلة ثلاثة عشر سنة .

والمطالِعُ فى أحد أهم كُتب ابن ميمون : دلالة الحائرين. لا يجد إلا صدى لأفكار فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام - خاصةً الأشاعرة - ولذلك فحين ألَّف إسرائيل ولفنسون كتابه موسى بن ميمون حياته ومصنفاته وهو الكتابُ المنشور بالعربية فى القاهرة سنـة 1936 م كتب الشيخ مصطفى عبد الرزاق مقدمة الكتاب فقال فيها: إن موسى ابن ميمون يعدُّ من الفلاسفة المسلمين! ثم ذكر العديد من الأدلة المؤيدة لذلك ..

وفى مقدمة تحقيقه لكتاب "دلالة الحائرين" يقول الدكتور/ حسين آتاى: إذا أخذنا فى الاعتبار أنَّ الشهرستانى قد عدَّ حنين بن إسحاق النصرانى، فيلسوفاً إسلاميّاً؛ فإنه لاوجهَ للتفرقة بينه وبين موسى بن ميمون الإسرائيلى .. وكما يعتبر الفلاسفة اليهود المشاركين فى الفلسفة الغربية- يقصد أمثال: اسبينوزا وكارل ماركس وبرجسون - فى بلاد الغرب، فلاسفةً غربيين؛ فإن الفلاسفة اليهود والنصارى الذين شاركوا فى الفلسفة الإسلامية وعاشوا فى العالم الإسلامى آنذاك يعتبرون فلاسفةً إسلاميين ؛ فمحمد أبو بكر بن زكريا الرازى مع أنه كان لا يعتنق ديناً ما، فقد اعتُبر من بين فلاسفة المسلمين. وعلى ذلك، فالفلاسفة أمثال موسى بن ميمون لا يعتبرون فلاسفةً من ناحية الشكل فحسب، لمجرد انتسابهم للمجتمع الإسلامى، بل لمشاركتهم فى ثقافةِ ذلك المجتمع أيضاً؛ لذلك فموسى بن ميمون فيلسوف إسلامى من ناحية الشكل ومن ناحية الموضوع، لأنه نشأ فى ذلك المناخ الفكرى، فساهم فيه وأضاف إليه بقدر ما أخذ منه. وقولنا إنه فيلسوفٌ إسلامى، لايعنى أنا نقول بأنه مسلمٌ آمن بالإسلام ديناً - كان موسى بن ميمون قد أشهر إسلامه وهو فى المغرب ثم ارتد فى مصر -بل هو فيلسوفٌ إسلامىٌّ بالمعنى الثقافى الحضارى فحسب. والدارس للثقافة الإسلامية ولا يزال الكلام هنا للدكتور آتاى حين يقرأ كتابه "دلالة الحائرين" يرى أن موسى بن ميمون حتى فى مناقشاته لنصوص التوراة، إنما يصدر عن فكرٍ وثقافةٍ إسلامية، وأنه عندما ينتقد المتكلمين المسلمين يكون نقدُه لهم بأسلوبٍ خالٍ من الشدة التى ينتقد بها المتكلمون المسلمون بعضهم بعضاً، وأنه ينقد بنى دينه بشكلٍ أشد .. إذن، فأبن ميمون يُعتبر فيلسوفاً إسلاميّاً[3] .

هنيئا لنا بابن ميمون وابن زيدان رضي الله عنهما!!.

إنه فيلسوف من فلاسفة الإسلام – كما يزعم الشيخ مصطفى عبد الرازق – في تقديمه لكتاب (إسرائيل ويلفنسون) عن ابن ميمون الذي أطنب فقال: (أبو عمران موسى ابن ميمون فيلسوف من فلاسفة الإسلام فإن المشتغلين في ظل الإسلام بذلك اللون من الأوان البحث النظري مسلمين وغير مسلمين يسمون منذ أزمان فلاسفة الإسلام[4].

إنه إذا (فيلسوف من فلاسفة الإسلام) كما يقول هؤلاء البسطاء (تأثرا؟! وتأثيرا وهذا مؤكد) وهنيئا للصهاينة بأعداء يقود مسارهم الفكري حفنة من الحمقى والمغفلين.

الرجل كما وصفه عبد اللطيف البغدادي (يريد أن يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يُظن أنه يصلحها) والوصف الصحيح لما قدمه الرجل في كتابه (يريد أن يفسد العقائد بما يوهم أنه يصلحها لا بما يَظن أو يُظن) فهؤلاء الخبثاء ليسوا حمقى أو مغفلين مثل قادة الفكر العربي المعاصر الذين لا يعنيهم إلا حصتهم من الشهرة والمال!!.

لقد جاء الرجل في موعده مع التاريخ الذي كان يشهد في ذلك الوقت أبشع عملية إبادة للحجر والبشر والعقل الإسلامي على يد القائد الأيوبي يوسف بن أيوب حيث تمثل هذا في القضاء على الدولة الفاطمية وتصفية موجوداتها ومنتجاتها الفكرية والثقافية والعقلية وتمهيد الأرض أمام إقامة الكيان الصهيوني في الأرض الفلسطينية المقدسة، تلك المهمة التي لا يمكن لها أن تكتمل إلا من خلال تهويد المسيحية والإسلام.

لقد أضحى تهويد المسيحية الغربية الآن حقيقة واقعة يعرفها قراء الصحف والمجلات الذين يقرأون يوميا مصطلح (المسيحية الصهيونية).

أما تهويد الإسلام أو الاختراق الصهيوني للإسلام فهو ذلك اللغز الذي ما زال يحتاج إلى من يفك رموزه وهذا ما نحاول القيام به في هذا الكتاب.

كيف يمكن أن يكون الصهيوني موسى ابن ميمون القابع في بلاط صلاح الدين (حامي حمى العروبة والإسلام!!) (فيلسوفا مسلما) وهو في نفس الوقت (فاتح باب الاستيطان الصهيوني في فلسطين ومؤسس الهيكل الثالث).

إنها البلاهة بعينها وإن أردت الدقة قلت إنها الخيانة بعينها ولا عجب أن ينجح الصهاينة الآن في التلاعب بقادة أمة لا تعي ولا تقرأ وإن قرأت لا تفهم ناهيك عن أنها لا تعتبر بما لحق بها من مآس قريبة أو بعيدة.

من هم الصابئة؟!.

ترى من هؤلاء الذين يقصدهم ابن ميمون بالصابئة المسئولين عن خراب العالم وفساد العقائد والذين يتعين (محو آرائهم من الأذهان وآثارهم من الوجود محوا لها من الأذهان والوجود ومن هؤلاء الذين يتعين نقض مذابحهم وكسر أنصابهم ومحو أسماءهم من تلك المواضع)؟!.

هل كان هناك ثمة وجود للصابئة في مصر التي كانت فاطمية عند وصول ذلك الصهيوني ثم أضحت أيوبية فكان أن احتفى به الأيوبيون في نفس الوقت الذي طرد فيه مئات الآلاف من المصريين إلى المنافي والفيافي والقفار والهند وجنوب أسوان؟!.

الجواب واضح ولا يمكن أن يفهمه إلا من تمرس على الاستماع للصهاينة المعاصرين الذين يصرحون بشيء ويقصدون شيئا آخر لمجرد وجود تماثل معه في بعض الصور والأشكال.

الصابئة الذين يقصدهم مستشار صلاح الدين يوسف ابن أيوب وطبيبه الخاص هم المسلمون وهو المصطلح القديم المستخدم من قبل قريش في وصف المسلمين الأوائل، تماما مثلما يصف الصهاينة المعاصرون، المقاومين بالإرهابيين والمخربين.

يقول أبو أنس ماجد البنكاني في كتابه عن الصابئة: (أصبحت هذه الكلمة علماً لكل من أسلم وتبع النبي محمد حيث كان كفار قريش يسمون من أسلم بالصابئ. ألا ترى أنه لما بعث محمد وصفه المشركون بالصابئ وربما دعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة الزهرية أم النبي كان أظهر عبادة الكواكب في قومه فزعموا أن النبي ورث ذلك منه!!. وفي حديث عمران ابن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبي ونفد ماؤهم فابتغوا الماء فلقوا امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها انطلقي إلى رسول الله فقالت الذي يقال له الصابئ قالوا هو الذي تعنين، وساق حديث تكثير الماء.

وكانوا يسمون المسلمين الصباة كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبي إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمرا فنـزل على أمية بمكة وقال لأمية انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما أبو جهل فقال لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال سعد فقال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة.

كما يروي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قصة بالغة الدلالة تظهر أن التيار الأموي القرشي المعادي للإسلام كان يرى أن الدعوة التي حملها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله تمثل امتدادا للدعوة الصابئية التي حملها جد النبي لأمه (أبو كبشة) الذي نسب إلى المعتقد الصابئي.

قال ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكار في (الموفقيات) وهو غير متهم على معاوية ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة على عليه السلام، والانحراف عنه: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية فكان أبى يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما فانتظرته ساعة، وظننت أنه لامر حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتما منذ الليلة؟ فقال: يا بني، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به. إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بنى هاشم، فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبى كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: (أشهد أن محمدا رسول الله)، فأى عملي يبقى، وأى ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفنا دفنا.

الصابئة إذا في الوجدان السياسي الأموي المعادي للنبي وأهل بيته ممن حاربوا نبي الإسلام قبل الفتح وبعد الفتح ويوم صفين هم المسلمون وعلى رأسهم محمد بن عبد الله (ابن أبي كبشة) رأس الصابئة!!.

ومن المفيد أيضا أن يطلع القارئ على ما ورد في موقع التاريخ المسيحي تحت عنوان (مكة "مقة" معابد الله إله القمر الوثني) حيث يفتري هؤلاء على نبينا صلوات الله عليه زاعمين أن المسلمين يعبدون إله القمر ويمكن لمن أراد المزيد أن يطلع على الرابط التالي:

http://www.coptichistory.org/new_page_196.htm

لا يحتاج المرء أن يكون عبقريا ليدرك أن الصابئة الذين نوه عنهم (الفيلسوف المسلم) ابن ميمون ودعا لإبادتهم وتحطيم أصنامهم من الوجود هم نحن المسلمون!!!.

كان على السذج الذين أوردنا مدائحهم سابقا لابن ميمون أن ينتبهوا أن هذا اليهودي وجريا على عادة أسلافه ممن حاربوا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله يجمع بين خصلتين: الأولى إنكاره للنبوة المحمدية والثاني عداؤه لها وهو في ذلك يختلف عن غيره من أهل الكتاب ممن اكتفوا برفض الاعتراف ولم يتجاوز الأمر بهم إلى حد العداء الصريح.

ابن تيميه يتلقى ويلقي إلينا ما أوحى به ابن ميمون

ننتقل إلى ابن تيميه (شيخ الإسلام) المزعوم وهو يكرر وينقل عن ابن ميمون ربما بصورة حرفية واقرأوا النص التالي نقلا عن كتاب اقتضاء الصراط المستقيم: (وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله لئلا يفضي ذلك إلى دعاء المقبورين والصلاة لهم وكلا الأمرين قد وقع فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية والتعزيمات ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم على مذهب المشركين من الهند والصابئين والمشركين من العرب وغيرهم مثل طمطم الهندي وملكوشا البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالجبت والطاغوت وهم منتسبون إلى أهل الإسلام (لاحظ أن نفس هذه الأسماء وردت في دلالة الحائرين وأنه يدرجهم في إطار الإسلام بينما يسميهم ابن ميمون بالصابئة)، كما قال تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) وقد قال غير واحد من السلف: الجبت السحر والطاغوت الأوثان وبعضهم قال الشيطان وكلاهما حق، وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر و الشرك الذي هو عبادة الطاغوت كما يجمعون بين السحر وعبادة الكواكب وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل ودين جميع الرسل أنه شرك محرم بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه ومخاطبة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه لقومه كانت في نحو هذا الشرك وكذلك قوله تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض إلى قوله تعالى إن ربك عليم حكيم) فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذه السبيل لأن قومه كانوا يتخذون الكوكب أربابا يدعونها ويسألونها ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد أن كواكبا من الكواكب خلق السموات والأرض وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب هؤلاء المشركين.

فيلبي يكمل المسيرة

تدمير معالم النبوة وآثارها (الوثنية الصابئية) شكلت سببا رئيسا للهجمة الوهابية التدميرية على معالم الحضارة الإسلامية هو ما أعلنه سانت جون (عبد الله) فيلبي رجل المخابرات الإنجليزي الذي أشرف بنفسه على هدم كل الأضرحة والقباب في الحجاز قائلا (إن ذلك سيجعل الأجيال القادمة تنسى الوقائع التاريخية المرتبطة بهذه الأماكن).

من حقنا ومن واجبنا أن نستفسر من ابن تيميه عن سر هذا التطابق الذي يكاد أن يكون حرفيا بين كلامه وكلام ابن ميمون حتى أن التطابق وربما الاقتباس يصل إلى اقتباس المراجع فكلاهما يقتبس من ابن وحشية وهذا يجعل منه حجة على الصابئة المسلمين وذاك يجعله حجة على المسلمين الصابئة.

ولا شك أن لابن تيميه ميزة يتفوق بها على ابن ميمون وقدرة أكبر على تحقيق الغرض الأساسي كونه (شيخا للإسلام) ومن ثم فهو لن يعاني صعوبة إدراج المسلمين في خانة المشركين وعبدة الأوثان تمهيدا لتوجيه الضربة القاضية لهم وهي هدم أوثانهم ومحوها من الأذهان هذا طبعا بعد تحديد هذه الأوثان التي سيتضح بعد قليل أنها أضرحة الأنبياء والأئمة تمهيدا لإزالتها نهائيا من الأذهان والقلوب ليسود الأرض (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد).

يمتاز ابن تيميه بقدرة على أسلمة أفكار ابن ميمون من خلال استخدام كلمة (أو) الساحرة........

وتأمل هذا النص التيموي:

(والخليل صلوات الله عليه أنكر شركهم بعبادة الكواكب العلوية وشركهم بعبادة الأوثان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك الكواكب أو هي تماثيل لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم وكسر الأصنام)  

فالتماثيل هي طلاسم لتلك الكواكب أو أو لمن مات من الأنبياء.

هل هي للكواكب أم للأنبياء؟!.

إما هذه أو تلك!! ولكنه على كل حال فن الأسلمة عبر الدحرجة والاستغفال!!.

إنه فن أسلمة الأفكار الصهيونية الميمونية عبر دحرجة المعاني والتلاعب بالألفاظ وعلى القارئ الغبي أن يأخذ كلام ابن تيميه (أو) كلام ابن ميمون وكلاهما يخلط بين الكواكب والأنبياء وبين المسلمين والصابئة اعتمادا على فلاسفة آخر الزمان الذين يأخذون هذه الكلام السام على علاته رغم أن هذه الاتهامات لا تخص المسلمين من قريب أو بعيد ولكن شيخ الإسلام قام بإسلمته ودحرجة كرة النار إلى عقر دارنا لتحرقنا وتحرق كل الأغبياء الذين يحسنون ظنا بالصهاينة وأزلامهم حتى ولو تلقبوا بألقاب الإسلام والإسلام منهم براء.

فقط كل ما هو مطلوب منك أيها المسلم أن تقبل أن توصف من قِبل ابن ميمون أو نتنياهو بأنك صابئي إرهابي مشرك نجس وأن اليهود وحدهم هم شعب الله المختار.

الذي نخلص إليه أن ابن تيميه قد اقتبس أفكار ابن ميمون بوعي أو من دون وعي وهي الأفكار التي ترى المسلمين جماعة صابئية منشقة تعبد النجوم والكواكب والقمر وتتقرب إلى آلهتها بتقديس حفنة من الرموز وتقيم لها الهياكل والأضرحة التي هي عنوان الكفر والوثنية وهي أضرحة النبي وأهل بيته وأن هذه الرموز يتعين محوها من الوجود والأذهان وهو ما (سيجعل الأجيال القادمة تنسى الوقائع التاريخية المرتبطة بهذه الأماكن) كما قال فيلبي ومن قبله ابن تيميه ومن قبله ابن ميمون.

.................................................

[1] http://www.marefa.org/index.php/

[2] دلالة الحائرين. موسى ابن ميمون. ترجمة حسين أتاي. الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة.

[3] http://www.ziedan.com/awham/4.asp

[4] موسى ابن ميمون. إسرائيل ويلفنسون. مقدمة الكتاب.

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 4/كانون الأول/2010 - 27/ذو الحجة/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م