حق التعبير عن الرأي... الحدود والضوابط

احمد جويد/ مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

تَعدُّ حرية التعبير عن الرأي احد اهم الحقوق الانسانية التي تكفلها الدساتير، وتتضمن أغلب دساتير دول العالم الديمقراطية وحتى غير الديمقراطية نصوصاً تؤكد على احترام هذا الحق وعدم المساس به، بينما يَعدّه الإسلام حق وواجب في ذات الوقت استدلالاً بالآية الكريمة (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة، آية (71)، ويرى البعض إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادية والعقائدية فحسب، بل يمتد ليشمل النشاط الإنساني في التفكير والنقد والمعارضة والتقييم في شؤون السياسة والثقافة والاقتصاد.

وبذلك يعتبر هذا الحق والواجب مقدس لا يمكن مصادرته أو التضييق عليه، ومن يعمل على خلاف ذلك فانه يؤسس إلى الاستبداد والدكتاتورية، غير أنه لا يجب لأحد أن يتعسف في استخدام هذا الحق، كأن يتطاول أو يسب أو يسقط أو يحقر الآخرين بحجة ممارسة حقه في حرية التعبير.

وبذلك أصبحت مسألة حرية التعبير عن الرأي مثارَ جدل في العديد من الدول والمجتمعات، الأمر الذي دفع ببعضها لوضع معايير خاصة تمثل إطار عام للمساحة الممكنة في التعبير كما هو الحال في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- التي وضعت المحكمة العليا فيها مقياسا لما يمكن اعتباره إساءة أو خرق لحدود حرية التعبير، ويسمى باختبار "ميلر" الذي بدأ العمل به في عام 1973 ويعتمد المقياس على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي:

1- إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة.

2- إذا كانت طريقة إبداء الرأي لا تعارض القوانين الجنائية للولاية.

3- إذا كانت طريقة عرض الرأي يتحلى بصفات فنية أو أدبية جادة.

وبذلك يمكن إدراج حرية التعبير عن الرأي تحت التعريف الآتي، أي هو (التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقاً لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير)، كما يصاحب حرية الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية.

ورغم إن للحرية الشخصية حدودها على الدوام، لكنها في بعض الاحيان بدلاً من أن تثبت القيم الإنسانية مصدراً لحدود الحرية الشخصية ليتحقق التوازن في المجتمع وفي الحياة البشرية، أصبحت المصالح المادية والسلطوية هي التي تقرر تلك الحدود، وهو واقع قائم رغم كل ما ينشر من مزاعم عن كونها حرية مطلقة، ولم يسبق تاريخياً أن وجدت حرية شخصية مطلقة، ولا توجد في الوقت الحاضر في أي بلد  في العالم على الإطلاق.

ففي الدول العربية على الرغم من وجود بنود في دساتير بعضها تضمن حرية الرأي والتعبير إلا أنها لم تخرج عن إطارها الشكلي إلى حيز التطبيق، حيث الانتهاكات الكثيرة لحرية التعبير في هذه الدول التي يُمنع في جلها إن لم يكن كلها انتقاد الحاكم أو السلطة الحاكمة، وقد يتعرض الكاتب أو الصحفي للسجن والتعذيب.

ولكون هذا الحق أثار جدلاً كبيراً في العديد من الدول نتيجة أعمال العنف وردود الأفعال الكبيرة التي أثارها التعبير ببعض الأعمال الفنية أو الكتب أو المسرحيات والأفلام كما حصل للمخرج الهولندي "ثيو فان غوخ" والذي تم قتله في 2 نوفمبر 2004 على يد محمد بويري الدانماركي من أصل مغربي لإخراجه فيلماً قصيراً يمس المعتقد الديني يصور فيه سوء معاملة المرأة في الإسلام وربطه بنصوص من القرآن، وكتابة تلك النصوص على أجساد الممثلات، وكان سيناريو الفيلم مكتوبا من قبل "آيان حرصي علي" عضوة البرلمان في هولندا وهي من مواليد الصومال التي حاولت أن تنقل فكرة مفادها أن المرأة في العالم الإسلامي معرضة للجلد إذا أقامت علاقة خارج إطار الزواج، كما إن الاغتصاب من قبل أفراد العائلة وعدم جواز مناقشة ذلك بسبب قوامة الرجل على المرأة (بحسب الفلم)، وغير ذلك من الأعمال التي أثارت أزمات سياسية واقتصادية بين بعض الدول كما حدث من خلال عرض الصور الكاريكاتورية لشخص النبي محمد(ص) من قبل فنان دنماركي أساء التعبير كثيراً في رسوماته منطلقاً من دوافع سياسية وعنصرية.

كل تلك الأعمال وغيرها أدت إلى ضرورة وجود بعض الضوابط والمحددات الأخلاقية والشرعية على هذا الحق، ومنها على سبيل المثال:

أ- عدم التعرض بالإساءة لمعتقدات الآخرين، كون المعتقد هو المؤثر الأول في المشاعر الإنسانية، والإساءة له تثير ردود أفعال غير محسوبة من أصحاب المعتقد.

ب- عدم تكفير المسلم والافتراء عليه، فإذا كانت حرية التعبير عن الرأي حق للفرد فإن تكفير الإنسان المسلم هو مدعاة لهدر دمه وبالتالي سوف يفقد هذا الإنسان حقه في الحياة مقابل احتفاظ الأول بحقه في التعبير.

ج- عدم التطاول على الذات الإلهية أو الأنبياء والرسل، كونها تصب في نفس السببين أعلاه.

وبما إن حرية التعبير عن الرأي تفسر بأكثر من معني بحسب طبيعة النظام السياسي وأعراف وتقاليد المجتمع ومعتقداته الدينية فإننا نرى وضع ضوابط مقننة تكون بمثابة الإطار العام الذي يستطيع الشخص التحرك خلاله والتي يمكن إيجازها بـ:

1- أن  يستهدف حق التعبير عن الرأي الصالح العام للمجتمع وألا يُستَغل لأغراض مريبة.

2- أن يمارس هذا الحق بطريقة لا تستفز الآخرين وبقدر من الحكمة، كما قال تعالى(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل 125.

3- أن لا يُستَََخدَم هذا الحق في قضايا تدعو إلى إشاعة الرذيلة والفساد داخل المجتمعات.

4- الابتعاد عن منطق الاستبداد بالرأي وألا يعتقد صاحب الرأي إنه على صواب دائماً في حقه بالتعبير.

5- أن لا يتم التعدي على حريات الآخرين بالتحريض على القتل أو الاعتداء أو الاحتلال بحيث يتم سلب حقوق الآخرين.

* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

http://shrsc.com

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 9/كانون الثاني/2010 - 23/محرم/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م