حكومة الوحدة التعددية والبديل الجديد

عدنان الصالحي/مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

بكل تأكيد ليس القصد من العنوان محاولة التقليل من قيمة احد أو التهجم على أي جهة، بقدر ما هو وصف لحالة واقعية ابتليت بها حكومة السيد المالكي تحت شعار وغطاء (حكومة الوحدة الوطنية).

 فالمعروف عن مثل ذلك العنوان (الوحدة الوطنية) أن تتشكل الحكومة من اغلب الكتل التي تتشارك في التوجهات والأهداف ذاتها والتي تصب بمجملها في نتيجة واحدة هي خدمة البلاد والعباد، ويكون اختيار ممثليهم في الحكومة على أساس معيار الكفاءة والنزاهة والخبرة ويكون الخيار الأول لرئيس الحكومة فيما يكون التثبيت والتصديق للحكومة بشكلها النهائي للبرلمان وهذا ما هو متعارف عليه في ديمقراطيات الدول المتقدمة.

لست بصدد الدفاع هنا عن الحكومة ولا قدحها ولكن للاستفادة مما مضى والتهيئة لمرحلة قادمة في تأسيس جديد قد يمتد لأربع سنوات أخرى، كان لابد من الإشارة إلى مواقع الخلل والقوة، علنا نستفيد من تلك الأخطاء مستقبلا, لمعالجتها وتجاوزها، والتي نراها تتمثل في:

1- لعل الخطأ الأساس والأبرز في تشكيل الحكومة الحالية منذ البدء هو القبول بمبدأ المحاصصة على أساس إرضاء الأحزاب بعيدا عن الكفاءة والنزاهة وبالتالي كانت النتيجة ولادة حكومة مشوهة ضعيفة غير قادرة على إدارة المسؤوليات الملقاة على عاتقها، إضافة لاكتشاف بعض الوزراء من المطلوبين للقضاء أو المزورين للشهادات العليا لتقع أعباء كل ذلك على رئيس الوزراء الذي لم يكن له دور في اختيارهم بل دفعوا له كسلة العنب الجاهزة.

2- قوة ارتباط الوزراء برئيس الحكومة اضعف بكثير مقارنة بارتباطهم بأحزابهم التي رشحتهم وكان جل أعمالهم تميل لصالح كفة تلك الأحزاب، مما جعل الولاء للجهة بعيدا عن المصلحة العليا وعدم الخضوع لتوجيهات رئيس الحكومة.

3- حدوث ترهل كبير في اغلب الوزارات نتيجة التعيينات العشوائية التي جلبت الكثير من مقربي الوزراء بدون فائدة أو حاجة حقيقية، وسببت فسادا إداريا مضاف لما عليه حال الوزارات أصلا.

4- إسناد المناصب المهمة والمفاصل الفعالة في الوزارات والدوائر الى المتنفذين حزبيا بعيدا عن الاختصاص أو الكفاءة، وهذا بدوره أنتج وزارات ودوائر خاملة تتقاسمها التوجهات والانتماءات، منشغلة بالمصالح الحزبية والتوجهات الفئوية،غير خاضعة لسياسة الدولة العامة.

5- عدم وجود مشروع وطني ذا إطار سياسي متكامل موضوع للحكومة من قبل الأحزاب والكتل المشتركة فيها بل إن البعض حاول عرقلة عملها وإيجاد المبررات لإسقاطها.

6- وجود بعض المستشارين غير الكفوئين لدى الوزراء، خصوصا مستشاري مجلس الوزراء الذين مابرحت توجه لهم الاتهامات بخصوص بعض القرارات غير السليمة والمتسرعة.

7- الانتقائية في تطبيق القرارات وتسييس القضاء حسب المصلحة الحزبية.

8- الفشل في مكافحة الفساد الإداري والمالي وعدم ظهور نتائج واضحة بهذا الشأن، حيث يعتبر هذا الداء أشبه بالمرض الخبيث الذي ينخر بأجهزة الدولة ويعادل خطره خطر الإرهاب الخارجي إن لم يفوقه.

9- الانتهاكات التي قام بها البعض من أجهزة الأمن لحقوق الإنسان, اثر سلبا على سمعة الحكومة بتقديم دولة ديمقراطية متحضرة رغم معاقبة البعض منهم.

10- قانون دمج المليشيات والذي ولد قيادات عسكرية شكلية ورتب فخرية بدون خبرة قتالية، أدت بالنتيجة الى اختلاف ولاءات تلك الأجهزة وارتباطاتها، مما ساهم في إرباك الواقع الأمني للبلاد وتهجين الماكنة العسكرية العراقية.

11- الاهتمام المستمر بالجانب العسكري وترك وتأخير الجوانب الأخرى كالاستثمار والبناء وإعادة الأعمار الحقيقية، ورفع المستوى المعيشي للمواطن ترك المواطن يعيش في عزلة عن الحكومة نتيجة عدم التواصل.

12- تخبط واضح وصريح في مشروع المصالحة الذي طرح بداية تشكيل الحكومة واقتصارها على الشكل الإعلامي لبعض الأجزاء دون إيجاد معالجات حقيقية وجذرية للمشاكل المتراكبة.

13- غياب الشفافية في التعاملات الحكومية وبقاء الروتين السابق في اغلب الدوائر الحكومية وتداخلات المسؤوليات.

14- غياب الخط المباشر الرابط بين المواطن والحكومة وخصوصا أثناء الأزمات والتفجيرات، مما سهل الطعن بالحكومة من قبل الجهات المغرضة.

15- تردي مستمر في قطاع الكهرباء دون وجود بوادر لحل الأزمة والذي يعتبرها الموطن المقياس الثاني أو المنافس لمقياس النجاح الأمني لكل حكومة.

16- عدم وجود ضوابط وقوانين تنظم العمل الإداري بين المؤسسات الحديثة النشوء والمؤسسات السابقة، خصوصا التشريعية منها والتنفيذية.

المعالجات

كما اشرنا الى إن الأساس الخاطئ انشأ نتائج خاطئة، كذلك العكس يكون صحيحا، وعليه فلابد من اتخاذ قرار مسبق بعدم تكرار تشكيل حكومة قادمة بنفس الطرق والآليات أو المسميات السابقة لتنتج تشكيلة وزراية مرهقة منذ البدء فاقدة السيطرة المركزية لرئاستها، ولتجنب ذلك يمكن إجراء ما يلي:

1- تبني مشروع وطني متكامل من قبل الكتل والأحزاب المشاركة في الحكومة والمعارضة في البرلمان يضمن للجميع حقوقهم وللبلاد أمنها واستقرارها وللشعب حريته ورفاهيته ويكون ذلك بمثابة وثيقة عمل للحكومة تعمل الكتل الفائزة مستقبلا على إنجاحها كلا من موقعه.

2- تشكيل حكومة متجانسة الأطياف على أساس الكفاءة والنزاهة، يكون الاستحقاق الانتخابي عنصرا ومرتكزا لخريطتها، مسندة بمشاريع واليات عمل من جميع الكتل المشاركة فيها.

3- أن يكون لدى المتصدي لقيادة الدولة في الرئاسات الثلاث صفات خاصة ومركزة متمثلة بـ(واعياً متعلماً سليماً، مؤهلاً مهنياً، منتجاً، يمتلك ناصية العلم والثقافة والمعرفة، عارفاً لحقوقه وواجباته مدركاً حدودهما، يقدّر قيمة الزمن، مخلصاً في أداء عمله، لا يتجاوز ولا يحابي، مؤمناً بالدستور مسترشداً ببنوده، يحترم القانون ويعمل على صيانته، يساهم بدور فعّال وإيجابي في خدمة الوطن وحماية الممتلكات العامة ومكتسبات النظام السياسي الجديد، قويا في الحق، شديدا مع المجرمين، رحيما مع الناس قريبا منهم).

4- وضع جدول زمني محدد للإسراع بإقرار القوانين دون تأخير مما يساعد الحكومة بالتعجيل في عملية البناء والأعمار التي تعد الخطوة الأولى في نجاح أي حكومة.

5- حصر التشكيلة الحكومية بالوزارات الحقيقية الفعالة وإلغاء المترهلة والفائضة عن الحاجة والتي أنتجتها التوافقات السابقة.

6- فتح القنوات الإقليمية والدولية للمساعدة على تثبيت الحالة السياسية الجديدة في العراق والانفتاح على الجميع بمسافة واحدة.

7- تركيز مبدأ اللاعنف في جميع الميادين لتكون الحكومة مثالا يحتذى به في بناء بلد مدني ديمقراطي بعيدا عن الترهيب والتخويف، يقابل ذلك تقوية العنصر الاستخباراتي لضبط الحالة الأمنية في البلاد.

8- تفعيل مؤسسات المجتمع المدني وباقي المؤسسات الساندة وجعلها بموضع الحياد لرصد الخروقات والتجاوزات والمساهمة البناءة في تقييم الدور الحكومي، فيما يكون المجال لسلطة الإعلام واضحا ومتميزا دون أي ضغوط أو مضايقات.

9- استقلالية القضاء ومهنيته بعيدا عن جميع المؤثرات الخارجية ليساهم بشكل فعال في تثبيت دولة القانون، وعدم زج أي موضوع سياسي في تداخل قانوني او قضائي.

10- العمل على تحريك الجوانب الأخرى للدولة كقطاعات الزراعة والصناعة وتفعيل النشاط الخاص بما يضمن حركة متوازية لجميع الأنشطة وفق قوانين منضبطة ومسيطر عليها مركزيا.

11- الاهتمام بطبقة الشباب بشكل مركز وتأهيلهم لقيادة البلاد مستقبلا وفق برامج موضوعية علمية بعيدا عن التسابق الحزبي، وإعادة مراكز التشغيل الصيفي والربيعي.

12- العمل على إيجاد آليات وطرق لإعادة الحيوية للفرد العراقي وتثبيت روح المواطنة وتحريك العمل التطوعي ونشر ثقافة المسؤولية مشتركة، برفع شعار(المواطن الرجل الأول في الدولة).

مما لاشك فيه بان الحكومة الحالية (التي توشك على الرحيل) تحملت أعباء كثيرة وكبيرة أهمها أخطاء ما بعد الغزو الأمريكي وما أفرزته مرحلة الحكومتين الانتقالية والمؤقتة والأسوأ من ذلك كله إدارة الحاكم المدني بول بريمر، فكان من المنطقي أن تكون الحاجة لحكومة قوية بما فيه الكفاية لتصلح وتبني ما قد تم تخريبه سواء من قبل النظام السابق أو ممن أساء الإدارة بعده، غير إن ولادتها المشوهة وبقائها برجل واحدة لفترة طويلة بعد الانسحابات المتتالية من قبل بعض الجهات المشتركة بتشكيلها كان أهم أسباب تلكؤها وتأخرها في البدء بما قررت الشروع به من مشاريع وخطط انفجارية.

ولعل ما ساعد على فقدان ثقة المواطن بالحكومة كون الأول (المواطن) لا يهتم كثيرا بالتفاصيل والقراءات العلمية بقدر اهتمامه بالنتائج المستحصلة على شكل نتيجة ظاهرية من خدمات بلدية أو اقتصادية.

لذلك كانت حكومة الأربع سنوات المشكلة في عام 2006 كمن يقاتل الأشباح فهي محاطة بهالة كبيرة من الوزراء وأكثرهم عالة عليها وليس فيهم فائدة لها بقدر فائدتهم لأحزابهم وان التوافقية الديمقراطية استحدثتهم هم ووزاراتهم بدون حاجة حقيقية لخدماتهم، فيما تحملت الحكومة ممثله برئيس وزرائها جميع إخفاقاتهم، ومن الخارج فهي تقاتل أشرس تحالف تكفيري-بعثي يرى في جميع المواقع ساحة للحرب سواء الشوارع المأهولة بالسكان أو القوات الأمنية أو محطات إنتاج الطاقة وتصفية المياه وغيرها.

فمن غير الخافي بان العراقيين اليوم ينتظرون على أحر من الجمر الحكومة القادمة بمنظرها الجديد علها تجد لهم أمنا مستقرا وخدمات مستمرة ونظرة مغايرة جديدة لشخصية الفرد العراقي.

* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

http://shrsc.com

شبكة النبأ المعلوماتية- الاحد 8/تشرين الثاني/2009 - 9/ذو القعدة/1430

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1430هـ  /  1999- 2009م