ردك على هذا الموضوع

الخصوصية العراقية .. واقع واستحقاق

حسين درويش العادلي

خصوصية أي أُمّة هي حصيلة شخصيتها المُنتزعَة من أعماق التأريخ، هي كينونتها المُستحصَلة من اندكاك صيرورتها في الزمان والمكان والذاكرة والبيئة والحدث والفعل والحركة والإبداع عبر أشواطها الوجودية،.. هي نكهتها المميزة التي وإن دخلت في نطاق العام والمشترك مع الذوات الأخرى إلاّ أنها تتميز بلونٍ ونكهةٍ تُشكّل روحها الخاصة في التعبير والأداء والحضور، .. لذا فهي الدّالة على الأنا الكُلية وما تشتمله في إطارها الخاص من حيث اللغات واللهجات والعقائد والقيم والأعراف والثقافات والدورات الحضارية ضمن وطنٍ محدد وأرضٍ خاصة وروحٍ مشتركة، تصهر الأنا في بوتقة الـ (نحن) الكُلية الصانعة للأُمّة.. فالخصوصية هي نتاج الهوية، والشخصية العاكسة للوجود الذاتي للأُمّة في وعيها وفعلها المركّز.

وكلما كانت الأُمّة ذات هوية متجذّرة وامتداد تأريخي ضارب في العمق، كلما تبلورت خصوصيتها كجوهر يؤصّل ذاته تلقائياً مستمداً طاقته من خزينه المعرفي والتجربي الذي صاغ وجوده عبر التأريخ، لذا فأسرع الأُمم اندثاراً في التأريخ تلك الفاقدة للخصوصية بمعناها الجوهري، فسرعان ما تجرفها موجات الإستلاب قبالة صولات المحن وكوارث الأزمات لتنهار عند معتركات الصراع حول الهوية وسمات التميّز الخاص، سرعان ما تتحطم أسوار الخاص لديها على عتبة أزمات الاجتياح من قِبَلِ الآخر، لتنهار كذّات ولتُحقّل ميزاتها لصالح الغالب أو الوافد الجديد، وما ذاك إلا لافتقادها لرصانة الأنا الخاصة كذات متراصة حاضرة في الذاكرة والفعل والطموح الجمعي، فهشاشة السّور الفارق بين الخاص والعام والذاتي والمشترك، هو الدّال على هشاشة الخصوصية بمعنى الجوهر الذاتي المانح للأنا الجمعية مكنونها الخاص.

ولعل أُمتنا العراقية من أوائل الأُمم التي صاغت خصوصيتها الفريدة عِبر جُهد تأريخي قل نظيره ، ليس لكونها من أعرق الأُمم وحسب، بل لكونها أيضاً أُمّة فاعلة وحاضرة وناشطة في الفعل والنتاج والإبداع، أُمّة احتلّت في أكثر من دورة تأريخية زمام المبادرة لعموم الإنسانية في قفزاتها النهضوية التطوّرية في سُلّم الاستقامة والرقي والحضارة.

إن الخصوصية العراقية الفريدة هي وليدة ما يمكن أن نُسمّيه بـ ((خصوبة التنوع))، فتنوع الأعراق والقوميات، وتنوع الأديان والمذاهب، وتنوع الفِرق والمدارس، وتنوع الحضارات والثقافات، وسط تنوع البيئة والمناخ والتربة، وبين يَدَي رافدين خالدين يهبان النماء والخصب والخير، أنتج فيما أنتج خصوصية نوعية فريدة قلّما نجدها مُجسّدةً في وطن أو لدى أُمة عبِر التأريخ فأبدعت السماحة والأُلفة والتعايش، لقد تمازجت وانصهرت عوامل التنوع مجتمعةً لُتنتج خصوبة مُهيأة للعطاء كلما توافرت لها الشروط الموضوعية المحفزّة للإبداع، وفي طليعة تلكم الشروط الموضوعية مناخات الحرية والمساواة والعدالة. والمنصف لا يجد جدباً أو انحداراً أو انحطاطاً أو تقهقراً في ميادين التعايش أو الحضور أو الإبداع العراقي إلاّ وكان سببه رأسياً أو خارجياً، رأسياًً متمثلاً بالإستبداد، وخارجياً متمثلاً بالإستدمار (الاستعمار)، وإلاّ قلّما يؤكد الواقع أنَّ التنوع العراقي قد فشل ذاتاً في ميادين البناء أو البقاء، إنَّه التنوع الخصب المنتج لخصوصية عراقية واهبة للحياة على تعدد أنساقها وحقولها وآفاقها، إنه التنوع النضّاخ بالحركية المُبدعة والتي لا يُحيلها إلى سكون (مؤقت) سوى عوامل القهر والاستبداد.

وعليه، فإن أُس الكوارث التي أغرقت بلدنا الحبيب وأُمتنا العراقية العريقة في غياهب التمييز والتعسف والتراجع الحضاري، تمثّل بتجاهل قيم ومبادئ الخصوصية العراقية الخصبة المنتجة والمبدعة، وتلك من أهم خطايا الإستبداد والإستدمار.

لقد أُريد لحياتنا العراقية في أبعادها السياسية والمجتمعية والقيمية ومنذ تأسيس كياننا الحديث عام 1921 أن تقوم على نفي هذه الخصوصية الفريدة، وهو إجراء ماكر من قِبَلِ عُتاة الإستبداد وأئمة الاستدمار لإجهاض أي حيوية عراقية تُحاول النهوض المجدد صوب إعادة بناء الذّات العراقية بما يوافق طاقاتها الخلاّقة وانتسابها التأريخي العريض من هنا تم أدلجة الدولة قومياً لتقع في شَرَك اضطهاد الأعراق، ومن هنا تم تمذهب الدولة طائفياً لتقع في شَرَكِ اضطهاد الطوائف، ومن هنا أيضاً تم إدخال الدولة كأداة قمع ونفي للدّين والقيم والمُثُل في بلد يعتز بخصوصيته العقدية والقيمية والأخلاقية. وعليه، فكل الكوارث المتوالية على أُمتنا العراقية إنما أنتجها منهج الإستبداد المدعوم من قِبل الإستدمار لسحق وتجاهل معالم خصوصيتنا العِرقية والطائفية والدينية والثقافية، وتلك أمثل سياسة لتحطيم بُنى اللُحمة الوطنية وتفتيت مقومات النهوض المجتمعي، إذ لا يمكن إحراز تقدم في ظل تجربة تعيش المأزق مع ذاتها.

إن معالم الخصوصية هي معالم الواقع في حقائقه وأنساقه الفعلية الثابتة والراسخة، وعليه فلا حياة لأي تجربة تعمل بالضد من خصوصية أي أُمة، لأنها تعمل ضد طبيعة الأشياء وخصائصها الذاتية المستعصية على المسخ أو التجاوز أو الإهمال، وبالمقابل، فإن الاستقرار والإبداع والتقدم رهن إعطاء مكونات الخصوصية استحقاقاتها الموضوعية الكاملة، سواء كان استحاق حياة أو استحقاق حق أو استحقاق واجب.

والآن، وبعد أن تحررت أُمتنا العراقية من براثن الإستبداد الصّدامي، وبين يَدَي صراع الطروحات وتناطح الرؤى وعِراك البدائل التي تُحاول رسم معالم تجربتنا الوطنية القادمة، تبرز استحقاقات الخصوصية العراقية على رأس قائمة الإهتمامات الوطنية المصيرية التي سيتوقف على التعاطي معها لون وشكل ومسار أُمتنا وبلدنا، فإما أن نسمح بتكرار تجارب السحق لميزات خصوصيتنا العِرقية والطائفية والقيمية بما يُعيد تجارب نحر الذّات الوطنية على مذبح الاضطهاد والنفي لاستحقاقات مكوناتنا العراقية الأصيلة، وإما أن نقبر تجارب التشتت والتجزئة والتقهقر الحضاري بالعمل لتمكين فروض خصوصيتنا الفريدة.

إن إقامة تجربة ديمقراطية تؤسِّس لدولة الإنسان والقانون، دولة المساواة والتكافؤ والمواطنة الصالحة، دولة الحريات والحقوق والواجبات المدنية المدعّمة دستورياً، دولة تتناغم مع عقائد رعاياها وتتجانس مع ثقافتهم وتتكامل مع تطلعاتهم، دولة تعتمد إرادة الكُل العراقي على تنوعه لإقرار التنمية وإحراز التقدم، لهي التجربة الصالحة والدولة النوعية الممكن تجانسها مع خصوصيتنا العراقية الفريدة.

وأيضاً وبجهدٍ وطني شامل، علينا النهوض بثقافة وطنية تقوم وتتقوم على قيم ومبادئ واستحقاقات خصوصيتنا العراقية، فإقامة التجارب الديمقراطية بما فيها تجربة الدولة النوعية لابد لها من حاضن ثقافي مجتمعي يهبها الإرتكاز والفاعلية والإستمرار، فالتحوّلات الجوهرية في أنظمة المجتمع والدولة لا يمكنها أن ترى النور مع سيادة ثقافة متخلفة لا تعي خصائص ذاتها ومرتسمات مسيرتها.

وفي طليعة خصائص الذات الوطنية التي يجب أن تشتملها ثقافة الوعي الوطني الجديد هي إدراك التنوع الخصب للذّات الوطنية العراقية، فهذا التنوع الفسيفسائي الجميل فيما هو عِرقي وطائفي وثقافي.. يُحتم على الكُل العراقي إشاعة وتمكين ثقافة الاحترام المتقابل والدفاع المتبادل عن حقوق بعضهم بعضاً في المواطنة والحريات والمساواة والتكافؤ والعدالة والرفاه.

وأيضاً، وفي مقدمة مرتسمات المسيرة الوطنية التي يجب وعيها وتأكيدها في قاموسنا الثقافي، الإقرار باستحالة الوحدة والسيادة والتقدم لأُمتنا وبلدنا دون إعطاء جميع القوميات والطوائف حقها المشروع في الوطن والدولة دونما تمييز أو اضطهاد أو تعسف أو حجر أو إقصاء، فالوطن مُلك الجميع، فلابد للجميع من حقوق وواجبات وحظوظ متساوية في وطنهم ودولتهم.

إن إشاعة وتمكين ثقافة وطنية تقوم على وعي خصوصيتنا العراقية وتمكين استحقاقاتها السياسية والإجتماعية والقيمية والثقافية، لهي الحاضن الأمثل لنشوء تجربة وطنية صالحة وعادلة ومتطوّرة تضمن لنا تجاوز أسس الكوارث التي أودت بحياة وطننا وأُمتنا الحبيبة.

مع التأكيد، إننا لا نرمي إلى تأسيس العُزلة مع الأُمم الأخرى التي نشترك وإياها وفق أرضية عقدية أو قيمية أو سياسية أو إنسانية عامة،فلا يعني تأكيدنا على الخصوصية العراقية نفي المشترك بما يقطّع عُرى العلائق والتكامل مع الآخرين، كلا.. بل هي دعوة لوعي خصائص ذاتنا الوطنية وعياً متكاملاً بما يؤهلنا لترتيب بيتنا الداخلي الجديد بما يوافق استحقاقاته الذاتية، وجعل ذلك أولوية في العمل والإخلاص لوطننا وإنساننا ومجتمعنا على ضوء ثقافة تعي ما لها وما عليها في حركة الحياة، ولكي لا نُؤسِّس لإستلابٍ جديد وتمزّق وطني جديد باسم القومية أو الطائفية..

إنَّ الثقافة التي نرمي لتأسيسها تعي أن العراق أولاً، فلا ترى أهمية لُبعدٍ قومي أو طائفي فيما لو أراد أن يشّد الإهتمام والعمل والولاء لغير ما هو عراقي، وهو وعي الوعي الذي نُحاول إنتاجه، فتنوعنا القومي والطائفي والثقافي يمكن أن يكون مصدر ضياع لوحدتنا الوطنية ولسيادة وريادة بلدنا فيما لو غدا هذا التنوع صدىً لما وراء الحدود، وعليه فوعي الخصوصية العراقية لا يمكن أن يكتمل دون وعي استحقاقاتها الوطنية وفي مقدمتها نفي التأثير والإمتداد والتبعية للغير أياً كانوا.

إننا نرى، أن سيادة هكذا وعي والعمل بفروضه، يضمن لنا التأسيس الأمثل لعهود النهوض والانبعاث المشرق لأُمتنا العراقية.

 

الصفحة الرئيسية

الأعــداد السابقــة

العــدد 70

إتصــلوا بـنـــا