مجلة النبأ - العدد61

 

العالم الديني والتواصل مع العصر

 

 

 

عبد الله الفريجي

ربما دلت كلمة علم في معناها اللغوي على الإطلاع والدراية، فإذا اطلع إنسان على شيء ودرى به أمسى عالماً به؛ وعليه فإن المعنى اللغوي القديم للفظة خالٍ من الدلالة على التحديد والمنهجية التي ينطوي عليها معناها المعاصر.

وإذا شئنا الإطلال على منشأ هذه الدلالة فإننا نرى أنها أضيفت إلى المعنى القديم عندما تداولها القرآن بعد نزوله تداولاً طوّر دلالتها، فإذا يمّمنا بوجوهنا شطر مادة (علم) في لسان العرب فإننا نراها تتحدث عن معنى هذه الكلمة طبقاً لمعناها الواسع المحدث، ولذا فإن أغلب الشواهد تأتي من الحديث النبوي والقرآن الكريم دون التفات إلى المعنى الدقيق، أو الإشارة إلى التطور الذي أحدثه الإسلام، ولا شك في أن ذلك تجاهل للطبيعة المتحركة للألفاظ.

ويمكننا إحراز أنها استخدمت قبل الإسلام بوضوح للدلالة على أحد أنواع العلوم الرائجة في ذلك العصر ألا وهو علم الإنسان، فقد كان يسمى عالِم الأنساب علاّمة، لكن العالم بالطب ربما سمي بالحكيم أو الطبيب، وكذلك عالم اللغة(1) الذي يعتد به ويقعد محكِّماً في مواسم الأدب كعكاظ فإنه لا يسمى عالماً.

والذي يجب استنتاجه هنا، هو أن الإسلام طور جميع أبعاد المجتمع في عصر التأسيس بما في ذلك دلالات الألفاظ، وأعطى للغة دفقة حياة جديدة، عن طريق عملية الاستخدام الاصطلاحي كما في صلاة أو حج..الخ، وهكذا فإن لفظة علم اتسعت لتستوعب الواقع الجديد..

على أننا يجب أن نلاحظ أن مفردة عالم صارت تقترن بمصداق اجتماعي واضح المعالم، ومن جهة أخرى صارت تدل على حالة التبحر والإلمام والتخصص دون أن تفقد معناها اللغوي الذي يدل على الإطلاع بالمعنى العام.

فالقرآن المجيد وفي عهد التأسيس أصدر أمراً للمسلمين بضرورة مراعاة التخصص وعدم ترك التعليم للصدف، وهذا واضح في دلالة الآية (وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (2).

فالآية قدمت الإشارة إلى أن عملية التفقه لا يمكن أن تكون عامة لأنها متعذرة، وعند التعذر لا يسقط وجوب التفقه، ولذا يتوجه الوجوب إلى فئة من كل فرقة تتخصص بالفقه وتمارس نشره وتتعامل مع النص تعاملاً يستجلي أبعاده كما أرادها الله حذراً من أي تعامل آخر لا يكون مطلوباً.

مع أننا نلاحظ أن عهد ما بعد وفاة الرسول (ص) شهد خروجاً عن المرسوم والمخطط الذي وضع أسسه الرسول (ص) والقرآن الكريم تبعاً لمعايير آية (النفر) التي تفرض التخصص والتبحر، بينما وقع تطور خطير في هذا العهد ببروز آلية خطيرة في التعامل مع النص، هي آلية النقل المحض وتولت هذه العملية فئتان هما فئة الحفّاظ وفئة الصحابة - مع إن البعض هم حفاظً وصحابة في آن - فصارتا تلعبان دوراً بديلاً عن دور العالم الذي دعت إليه الآية والذي أهم عناصر امتيازه هو الإلمام والدراية والخبرة.

وهكذا ولد التعامل المرتجل مع النص وخصوصاً فيما يتعلق بالجوانب السياسية من دلالاته، مما اقتضى من العلماء (أهل البيت(ع)) التنويه والتصدي، لأن هذا النمط من التعامل سهّل على كم هائل من البشر المعاصرين للرسول إدعاء الخبرة لأنها كانت تعتمد مجرد السماع والحفظ؛ وبذلك نشأت اتجاهات متضادة تستند إلى النص في تسويق الأفهام الخاصة، شكلت بداية الانقسامات التاريخية المعروفة.

وتبعاً لذلك ولد التعدد في معايير الحكم على هذا الفرد أو ذاك في الانتماء إلى الطبقة (العلمية) التي لها الحق في التعامل مع النص، فحافظ القرآن أضيف إلى هذه الطبقة وكذلك حافظ الحديث، مع أننا نرى تشدد القرآن والأئمة(ع) أن مجرد حفظ الحديث أو الآية أو معرفة سبب نزولها لا يجعل من الشخص عالماً بالمعنى الشرعي القرآني.

وكان هذا التعدد في المعايير يعبر عن نشأة أول إشكالية في المجتمع المسلم، هي إشكالية الفاضل والمفضول، هذه الإشكالية التي تصدرت واجهة السجال الفكري، وكانت تنطوي على بعد معرفي هو بعد (العالم والأعلم) الذي ظل يحتل مكانة ثانوية بالنسبة للبعد السياسي الذي كان محط أنظار المجتمع لأنه يعني الوصول إلى السلطة.

البعد المرتجل في التعامل مع النص أدى إلى خلق التمزق في طبقتين؛ هما طبقة السياسي وطبقة العلمي، وفتح الباب أمام انقسام كان له دوره الخطير في المراحل اللاحقة حيث صار السياسي غير عالم وصار العالم غير سياسي(!!)، مع أننا نعلم أن الإسلام لا يجيز هذا الانقسام لأنه يفترض تراتبية في أي موقع، وقد وردت أحاديث ترفض تولي المفضول في أي مجال من مجالات الحياة، حتى لو كان رعي الأغنام.

وبالنسبة لقيادة المجتمع فإن المعيار يتكون من عنصرين؛ الأول عنصر السياسة والإدارة والثاني عنصر العلم والمعرفة بالدين والحياة، وأن يكون المتولي هو الأعلم فيهما معاً.

فالثورة الاجتماعية السياسية الإسلامية كانت تتقوم بهاتين الطبقتين (العلمية والسياسية) وهما في الحقيقة طبقة واحدة لا يميز بينهما إلا مستوى العلم وامتلاك القدرة على إدارة دفة البلاد والعباد، وعليه فإن الطبقة السياسية هي الطبقة الأعلم والأقدر من طبقة العلماء وهما متساوقتان في التوجهات والطرح، غير أن ذلك لم يحصل، وقد تعرض العالِم وهو في طور التكون إلى هذه الهزة العنيفة كجزء من الهزة التي تعرض لها المجتمع بصورة عامة.

العالم في العصور اللاحقة

إن ما يعطي العالم صفته في عصر التأسيس، (عالم) بجميع أبعادها المعرفية والاجتماعية عنصران أحدهما الدرجة المتقدمة التي يملكها في الإطلاع على علوم العصر (وهي علوم دينية في تلك الحقبة) وهو من هذه الناحية يشبه - إلى حد ما - المثقف الغربي الذي قاد التحولات في عصر النهضة، وثانيهما هو دوره التغييري الذي يجعله بصفة دائمة ممسكاً بالواقع الاجتماعي من خلال إمساكه بالوعي، لأنه رافده الرئيس، بالإضافة إلى كون العالم عنصر رقابة للفكر في جانبه النظري والتطبيقي.

أما بعد عصر التأسيس وبدء ما يسمى بـ(العصر الراشدي) فإن جملة تطورات وقعت وفرضت الحركة على هذا الدور بجميع معالمه الأخرى منها:

1- اتساع مستوى التعليم، إذ لم يعد مقتصراً على العلم بالقرآن والسنة، حيث نشأت علوم أخرى تخدم هذا العلم الرئيسي، من قبيل اللغة وأسباب النزول والتفسير بأشكاله البدائية.

2- تحول العالم - ليس على وجه الإطلاق - إلى حلقة وصل بين السلطة والناس، وهذا يعني أن السلطة لم تحاول القضاء على دور العالم، لكنها فضلت الاستفادة من هذا الدور، ولهذا فإن العالم من ناحية الدور واجه منعطفاً ليس له فيه سوى خياران:

الأول التحول إلى عالم سلطة، والثاني: التحول إلى عالم معارضة ملاحَق ومطارَد.

وتبعاً لأي من هذين الخيارين فإن دور العالم يتعرض للتهديد، حيث لا يتمكن من ممارسة دوره الكامل كأداة ضبط وتوجيه اجتماعية، لأنه إن أمسى في أحضان السلطة كف عن أداء الدور، وسيتحول دوره إلى تبرير التسلط وتزييف الوعي، وإن لم يكن كذلك فإنه سيبقى مطارَداً ممنوعاً من لعب (الدور العلمي المحض أي الاهتمام بالمعنى وإنتاج الفكر) أو (دوره الاجتماعي كرقيب على الوعي وتطبيق النظرية).

والمتأمل يلاحظ أن العالم في تلك الفترة كان يلعب دور المنتج للوعي الناشر له بغض النظر عن كون الوعي المنتج تحريفياً أو وعياً سليماً، وقد ترتب على هذه المكانة الفريدة التي منحها الإسلام للعالم نقلة اجتماعية تعد أهم تطور تاريخي إنساني يمكن إدراكه من خلال ما يلي:

إنه قلب الموقع الاجتماعي للموجهين في المجتمع العربي الجاهلي، فمهد بذلك لقلب الواقع الاجتماعي العالمي في عصور لاحقة؛ إذ منذ تلك اللحظة انفسحت للعلماء فرصة لعب دور تاريخي سيتجلى في تحول العلم والعلماء إلى أداة للثورة الاجتماعية العالمية فمعلوم أن الشاعر والكاهن - في الجاهلية - كانا يلعبان الدور الأول على صعيد توجيه الوعي وكلاهما كانا يتكئان في لعب دوريهما على اللفظ أكثر من المضمون، بالإضافة إلى المهارة الفردية (الحس المرهف، التجربة الشخصية) فجاء الإسلام بموجه جديد اسمه العالم الذي استغنى عن الفردية المحضة، واستند إلى مرجعيات محددة الأبعاد صار يتحرك في ضوئها لملاحقة المعنى، وبعبارة أخرى حلّت العاطفة (المعقلنة) بدلاً عن العاطفة الخام بالنسبة للموجه (العالم) وصارت بالنسبة للقابل أو المنفعل عملية إيقاظ للعقل والتفكير.

وهكذا ولدت العلاقة الجديدة التي يحكمها الإيمان بالدين ورسمت أبعادها الآية (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) أي علاقة التلقي (وهي علاقة تقوم بين العالم الذي يتعامل مع النص ثم ينقل إنتاجه إلى المتلقي)، هذه العملية تنطوي بدورها على علاقة إعلامية شبيهة بما تمارسه وسائل الإعلام المعاصرة؛ فهي لا تعطي المعلومة المحضة، بل تهيئ لتكوين موقف على أساسها، فمثل هذا الدور كان العالم يمارسه، ولعل هذا هو الذي فرض على السلطات أن تطارد العالم لشراء دوره أو منعه عن ممارسة هذا الدور.

ومن هنا فإن طبقة العلماء كانت تعاني نفس ما تعانيه الآن الطبقة المثقفة المعاصرة ولعلها واجهت نفس الخيارات، حيث أن التاريخ الإسلامي حافل بحالات سحق العلماء بشراسة دون أن يجدوا من يدافع عنهم، لأن بطش السلطات غالباً ما يجعلهم يقفون وحيدين في ساحة المواجهة.

كما أن السلطة لم تكتف بمحاولات شراء العالم، بل كانت تلجأ لإطلاق هذه الصفة على بعض الناس ممن يفتقرون إلى المقومات العلمية وتسقط عليهم التكريم الذي تفرضه الشريعة للعالم، فيتحول التكريم إلى أحد أنماط الرشوة.

وإن من أهم انعكاسات هذه العملية - بعد ضياع وحدة المعايير قبل تحولها إلى مرتكز ثقافي سائد في العقل المسلم - ذيوع الوصف النسبي، أي هناك عالم لفئة لا اعتبار له عند الفئات الأخرى، وهناك عالم السلطة الذي يحظى بتكريم السلطان دون أن ينال احترام العامة، وهناك عالم يكرمه العامة دون أن يكون أكثر من جاهل نقال جهالات.

وقد وصف نهج البلاغة حالات هذا التعدد الخطر، وبين أن رواة الأحاديث أربعة:

1- منافق يتعمد الكذب 2- سامع لم يتقن السمع 3- سامع متجزئ أي سمع الأمر ولم يسمع النهي 4- الناقل المستوفي للشرائط(3).

كما وصف الإمام علي بن أبي طالب (ع) العلماء وبيّن أن منهم من هو جاهل مدعٍ، إذا أصاب ظن أنه أخطأ، وإذا أخطأ ظن أنه أصاب.

ولعلّ من أخطر نتائج هذه الأوضاع عجز الأمة عن التشخيص؛ ففي ظل صراع الجبر والتفويض ضاع الاتجاه العلمي القائل بالأمر بين الأمرين؛ ذلك أنه يحتاج إلى دقة عالية من التفكير والاستعداد العالي للتلقي، وهو ما لا يتوفر عليه أحد في ظل أجواء اللغط والصراع الفكري والسياسي، وهكذا أصبح الحق والباطل في مستوى واحد بسبب ضياع آليات الفرز إثر ذلك التعدد المفرط.

فهذه العملية جرّت وراءها تزييف شرعية التمثيل، والتي تحمل في طياتها شرعية التلقي والإلقاء؛ فالشرع الإسلامي لم يترك فراغاً سواء بالنسبة للقائد أو بالنسبة للعالم، فالقائد يحدده الشرع وكذلك العالم الذي له الحق في بيان معالم الشرع والعمل على ضوئه، ولو كان الإسلام قد نجح في فرض القائد الشرعي الذي يمثله والعالم الذي يطرحه بأمانة لما رأينا أشكال التخبط والصراعات التي سجلها التاريخ، فإذا أخذنا مثلاً لهذا التخبط الموقف من السنة والقرآن اللذين يعتبران أساس الدين بلا خلاف، فإننا نرى إقبال الخلفاء على تدوين القرآن والاهتمام به، بينما نرى النهي عن تدوين السنة بدعوى عدم الاختلاط، فهل الاعتماد على الذاكرة البشرية يحفظ السنة أم أنه يؤدي إلى ضياعها؟ وإذا كانت منبعاً أساسياً مثلها مثل القرآن، فلماذا يسجل القرآن وتترك السنة؟ وإذا تم تسجيل السنة ألا يؤدي ذلك إلى الحفاظ عليها من التزوير، وبالتالي يساهم في عدم اختلاطها بسواها، فلماذا يساهم التسجيل في الحفاظ على القرآن بينما لا يؤدي إلى الحفاظ على السنة؟ وأخيراً لماذا عاد المسلمون إلى التسجيل في النهاية واضطروا إلى سلوك الطرق الصعبة، وضمناً راجت عملية التدوين وتحولت إلى تجارة تدر أرباحاً هائلة؟!(4).

ويعتبر القرن الثالث الهجري من القرون الهامة في تاريخ العلم والعلماء ففيه (صار الأدباء الذين نشأوا حول الخلفاء وفي قصورهم، وتعلموا الأدب وتقاليد الفروسية، أدباء من طراز جديد يلمون بكل شيء ويشبهون في عصرنا الصحفيين غير المتخصصين الذين يتكلمون في جميع الأمور، ولهذا نجد العلماء يفرقون أنفسهم عن الأدباء، حتى قال ابن قتيبة: من أراد أن يكون عالماً فليطلب فناً واحداً، ومن أراد أن يكون أديباً فليتسع في العلوم).

ومن التغيرات أيضاً أن علم الفقه تميز عن غيره من علوم الدين، وأصبح العلماء فريقين.

وكانت غالبية طلبة العلم يقصدون الفقهاء، لأن الفقهاء هم حملة علوم الشريعة والعبادات، فكان لابد لمن يريد تولي القضاء والخطابة في المساجد من التتلمذ عليهم(5).

وهذا يلفت النظر إلى أن السلطة كانت تفرض فقهاء معينين لنشر مقولات خاصة متبناة في إطار علاقة (التلقي ذات الوجوب الشرعي) في نفس الوقت الذي تمنع فيه التيارات الأخرى، فقد (أصدر الخليفة القادر (408هـ) كتاباً ضد المعتزلة، فأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام، وأنذرهم إن خالفوه بحلول النكال والعقوبة، وامتثل السلطان محمود في غزنه أمر الخليفة واستن بسنته في قتل المخالفين ونفيهم وحبسهم، وأمر بلعنهم على المنابر (وصار ذلك سنة في الإسلام)(6).

وقبل ذلك سنة (83هـ) قام سليمان بن عبد الملك بتخريق كتاب عن مغازي الرسول(ص) لمجرد عدم احتوائه على مفاخر بني أمية!.

وكانت نتيجة هذه الأوضاع هي سيادة تيار فكري اعتقادي انتهى إلى إفشال التجربة الإسلامية، وتحول الدين إلى حالة طقسية مظهرية فاقدة للمضمون، وتحول العالم في أغلب مصاديقه إلى أداة من أدوات السلطة، وتحققت تنبؤات الرسول (ص) حول مستقبل هذا الدين حيث قال ما مفاده سيعود الدين غريباً كما بدأ غريباً، أو أن القرآن سوف لا يبقى إلا رسمه وكانت هذه الخطوة أهم مرحلة من مراحل التراجع لأن العلم صار عبارة عن أفكار مملاة لا مجال للخروج عنها وبذلك صار العالم أداة جمود رهيبة إذا استثنينا التيارات المعارضة التي كانت تجاهد للبقاء.

ولم تتخلص الأمة من الأطر الحديدية إلا بعد أن جاء الدليل من خارج الإطار الإسلامي متمثلاً بالغزو الغربي الذي أنهى النظم الحاكمة باسم الإسلام، وعرّض المرجعيات المعرفية إلى هزّات أطلقت قوى النقد من عقالها، وتساوت جميع التيارات في تبني موقف واحد يؤمن بضرورة نقد الإسلام بجميع معالمه السياسية والفكرية، وطالت العالم ببنيته ومقولاته ودوره الاجتماعي السياسي، وهكذا ولدت المرحلة المعاصرة من دور العالِم وهي المرحلة النقدية.

المرحلة النقدية المعاصرة

عندما اتضحت معالم التراجع في بداية الغزو الغربي، كان العلماء والنخب قد بدأوا يستشعرون ضرورة التغيير، بعد أن ثبت لديهم وجود خطأ ما في البنية الاجتماعية السياسية وفي البنية الفكرية الاعتقادية، كما أنه قد بات واضحاً للعيان أن الإسلام قد تحول إلى وجود هامشي مظهري طقسي؛ ولذلك فإنه قد انشعب الموقف التغييري إلى شعبتين متناقضتين، الأولى كانت قديمة وأصيلة لدى التيارات المعارضة تدعو إلى إعادة تأصيل الإسلام ومنحه بعده العميق والجوهري، وإعادة تطبيقه بجميع أبعاده، وقد التحق بهذه التيارات الواعون من تيارات السلطة، بعد أن توضح لديهم مدى الانفصال بين السلطة والدين.

أما التيار الآخر فهو التيار الذي صار يرى ضرورة إلغاء الدين كلياً، والاستفادة من المنظومة الغربية (القوية والصاعدة) يائسين من عملية الإصلاح، بل متهمين الدين بأنه وراء هذا التراجع الذي أوصل الأمة إلى الوقوع تحت الهيمنة الأجنبية، مستدلين على هذا الإتهام بوجود (طبقة العلماء) الملتصقة بالسلطات التي لا وظيفة لديها سوى التبرير والتسويغ وتسخير الدين لمصلحة السلطات!.

وعندما انهارت الأنظمة الإسلامية المتمثلة آنذاك بالدولة العثمانية، وبالدولة الصفوية، تصاعدت عملية الوعي وصار واضحاً للعيان ولكافة الناس من جميع الفئات، بأن البنية الحضارية تنطوي على خلل كبير، ولهذا تحولت عملية النقد إلى عملية عامة يمارسها كل فرد من منطلقاته الخاصة، وتتنافس النخب محفَّزة بدوافع مختلفة لإنجاز تغيير لإنقاذ المستقبل.

وهكذا قفز العالم إلى الواجهة ليلعب دور المحرك والمحدد لوجهات الحركة، لكن ولد إلى جانبه رمز آخر صار يحتل دوره في الواقع الاجتماعي بحكم قدرته على منافسة العالم من نفس الجهة التي تبيح للعالم لعب دوره، ألا وهي القدرة على توجيه الوعي، هذا هو المثقف الذي ولد نتيجة انتقال نظم التربية والتثقيف الغربية إلى المجتمعات الإسلامية.

ومن هنا نشأ تعدد جديد هو تعدد المثقف والعالم اللذين صار كل منهما ينقسم إلى ثلاثة خطوط:

1- خط المثقف المسلم التوفيقي.

2- المثقف العلماني التوفيقي.

3- المثقف العلماني المتغرب.

ويقابله:

1- العالم الأصولي.

2- العالم التوفيقي.

3- العالم الكلاسيكي الذي يأخذ التراث كما هو.

وهكذا ولدت معضلة معاصرة أفرزت تيارات أولها التيار الذي يحاول استعادة الدور من خلال الالتحام بالذات الحضارية للأمة، لكنها ليست الذات المعاصرة الضعيفة التي تعيش حالة التداعي والخاضعة للهيمنة، إنما الذات القوية الناهضة، والتيار الثاني هو التيار الذي يريد أيضاً الالتحام بالذات القوية والناهضة لكنها الذات التي يعاد إنتاجها من خلال استعارة عوامل القوة عبر التوفيق بين الذات والآخر، والتيار الثالث الذي يرى أن استعادة القوة تأتي من خلال الخروج من المنظومة الحضارية والمعرفية الإسلامية لأنها قديمة ولم تعد قادرة على إنتاج القوة والنهوض!.

لذا نلاحظ انفراد بعض المثقفين بالتيار الثالث، وانفراد بعض العلماء بالبقاء في إطار التراث كما هو، بدون أي تغيير، بينما تشكل دائرة التوفيق الدائرة الأوسع وهي تشمل عدد من المثقفين والعلماء على حد سواء.

وإذا تأملنا الواقع بدقة فإننا سنلاحظ أن المثقف ليس سوى استطالة لدور العالم، وأنه مجرد استعادة لبعد تم إهماله في الحضارة الإسلامية في عصور الانحطاط هو العالم الدنيوي، الذي يحيط بعلوم الدنيا كالفيزياء والكيمياء والطب.. الخ، ولذا فإن العالم المعاصر صار يتركب من صنفين هما: علماء الدنيا (المثقفون)، وعلماء الدين (الفقهاء)، وإن الإشكالية هي إشكالية بين عالم جديد (مثقف) يتلقى علومه التي أنتجت خارج المنظومة المعرفية الإسلامية، وعالم قديم لا يزال يتلقى علومه من داخل المنظومة المعرفية الإسلامية.

وللمتتبع أن يرى كيف نشأت الحركة في الواقع المعرفي الإسلامي، ففي بداية التأثر الإسلامي بالمنظومة الغربية لاح التناقض بارزاً بين العالم والمثقف نتيجة عوامل منها:

1- التأثر بنفس الثورة الفكرية الغربية التي بلغت أوج تطرفها في أواخر القرن التاسع عشر في سيادة المادية، وتبني إنكار الغيب والدين وسيادة المادية، ولهذا فإن المثقف المسلم تأثر بدرجة كبيرة بهذا الاتجاه الذي ساد في الحضارة الغربية.

2- جدة العلوم الدنيوية وغرابتها وبالتالي شدة وقعها على الذهن المسلم؛ مما خلق أقصى درجات الانبهار.

لكن هذا الأمر بدأ يتغير تدريجياً، حيث ظهر العالم الذي يجمع العلوم الدينية والعلوم الدنيوية في الواقع الإسلامي، إلى جانب بروز التيار الآخر في الحضارة الغربية وهو التيار الذي صار أقل تشدداً إزاء الدين ومقولات الدين..

إذن فالإشكالية التي نشأت بالنسبة لدور العالم (المثقف) و(عالم الدين) صارت تجد طريقها إلى الحل بناءً على نفس المنظومة الغربية التي كانت تدعو إلى القطيعة مع الغيب والدين، في الاتجاه الغالب، لكن هذه المنظومة ليست مغلقة بصورة نهائية أمام الإيمان، بل إنها ووفق نفس المرجعيات تركت فسحة للإيمان ونشأ تيار غربي يريد إنتاج الدين المسيحي إنتاجاً جديداً لا يتقاطع مع العلم.

إن هذه الفسحة في المنظومة المعرفية الغربية انتقلت إلى الشرق المسلم - تماماً كما انتقل تيار الإلحاد- وشكلت أساساً لاستعادة الدين الإسلامي وفقاً وتبعاً للأسس الغربية، وهكذا وجد المثقف المسلم أساساً لولادته التاريخية كجامع (بين الإيمان والعلم).

لقد صار ممكناً من الناحية العملية أن يكون المثقف والمتعلم تعليماً عصرياً أن يكون مؤمناً وقابلاً لمفاهيم الدين، حتى لو اعتمد طرق اليقين العلمية الحديثة، وهكذا ولد التدين الإسلامي المعاصر بناءً على المنظومة المعرفية الغربية وزال التعارض الذي شاع في فترة ما بين العلم والدين، فالإطار الفكري الغربي صار قابلاً لأن يملأ بمضامين دينية وإسلامية.

والخلاصة؛ لقد شهد العالم إمكانية إحداث تكيف إسلامي تبعاً للأسس العلمية المعاصرة بغض النظر عن سلامة هذه الأسس أو خطئها، فتكون هذه المعايير هي الحاكمة في الخطأ والصواب، ذلك أن المثقف المفترض حتى لو كان مسلماً إلا أن بنيته الفكرية غربية، ولذا فإن أول عملية توفيق حصلت بشكل تلقائي، هي أن المسلم صار يتلقى التراث كثقافة يجد نفسه متعلقاً بمرتكزاتها بحكم الولادة في وسط مسلم، لكنه في نفس الوقت يتلقى تعليماً غربياً قائماً على أسس معرفية غربية فتكون النتيجة أن البعض يدفع بالثقافة الإسلامية بعيداً إلى اللاشعور، بينما البعض الآخر ينجح في التوفيق بين الاثنين فيكون مثقفاً مسلماً.

هذه العملية ربما استغرقت أكثر من قرن لكنها في النتيجة ولّدت مقومات التوفيق، وهذا لا يعني أنه توفيق ناجح، لكنه في النهاية توفيق يمكن له أن يحصل على النجاح في أطوار لاحقة أكثر نضجاً.

إذن، فقد أسفرت محاولات استبدال المرجعية المعرفية الإسلامية الموروثة بالمرجعية الغربية الوافدة عن ولادة الفكر الديني ولادة جديدة وفقاً للمرجعية المنقولة، على العكس من التوقعات التي كانت تفترض حصول قطيعة كاملة مع التراث نتيجة هذا النقل. وما حدث كان عبارة عن نشوء ازدواجية مرجعيات وليس قطيعة.

ومن حسن الحظ فإننا نلاحظ وجود مشتركات بين المرجعيتين أدركها المسلمون أكثر من سواهم، ساهمت هذه المشتركات في تسهيل عملية التوفيق، وولد المثقف المسلم كما ولد العالم المثقف، وبذلك انفسحت في الأفق الثقافي والاجتماعي فرص ولادة التيار الثقافي التوفيقي بأوسع درجاته، التيار الذي أعاد اكتشاف الذات من خلال مقولات ونظم الآخر الذي لاح نقيضاً وطارداً لها، وبذلك أسدل الستار على شعارات القطيعة مع التراث وعدم صلاحيته للعصر.

لقد أنتج الغرب تياراً علمياً غير إلحادي - ولو كان ضعيف الانتشار - سهّل للتيارات الدينية الإسلامية المعاصرة فرصتها التاريخية للاستناد إلى منظومة الآخر في إثبات الذات متبعةًً أسلوب نقض مدعيات الآخر بناءً على نفس مقولاته.

ولهذا صار الحديث ممكناً عن بقاء الدين وفقاً للمنظومة الموروثة أو المنظومة المعرفية الأصيلة، كما صار الحديث ممكناً أيضاً عن بقاء الدين وفقاً لمعايير الآخر ومنظومته المستوردة، وبذلك تكرس بقاء الدين بشكل يدحر كل دعوات الإلحاد. ولهذا انبثقت الموجة الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين كتيار جارف، عجزت كل التيارات الإلحادية والتغريبية عن التصدي له رغم كل الأساليب العنيفة التي اتبعت للحد من تأثيره.

التعدد في آخر أشكاله

غير أن هذا النجاح لا يعني نهاية المطاف لأنه لا يزال نجاحاً غير موحد الأسس، إنه يضمر تعدداً خطيراً لا يقل خطورة عن التعدد السابق الذي أسفر عن تعثر المسارات، إلا أنه في كل الأحوال يحمل في ذاته إمكانيات الحل للتوصل إلى وحدة الأسس التي حدد الفكر الإسلامي أنها من ضروريات نجاح عملية النهوض وتتويج المرحلة النقدية باستعادة الأبعاد المغيبة التي أشرنا إليها في بداية البحث، أي استمرارية استجابة العالم المسلم لتطورات الحياة من الناحية المعرفية المحضة وإنتاج العالم الدنيوي المؤمن بنفس الطريقة التي يتم بها إنتاج العالم الديني الملم بعلوم الدنيا، والتي باتت في عصرنا متنوعة بشدة تفرض التخصص الذي نادت به الآية (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) وهكذا فإن ولادة المثقف المسلم باعتباره متخصصاً بعلوم الدنيا دون أن يفقد بعده الديني، هي ولادة مشبعة لحاجة اجتماعية أصيلة نتجت عن ضيق أفق الأنظمة السياسية السابقة التي منعت ولادته تبعاً للمنظومة الإسلامية، فهي إذن ولادة صحيحة حتى لو جاءت متأخرة ومتعثرة، ثم إن نفس هذه الأوضاع التي منعت العالم المسلم من لعب دوره المعرفي -كما أشرنا إليه في بداية البحث - بسبب الخوف من دوره الاجتماعي، وجدت في الظروف المعاصرة فرصة ذهبية لاستعادة المعايير التي تم تزييفها في بداية التجربة الإسلامية بعد عصر الرسول(ص).

غير أن هذه العملية لا تزال في بداية الطريق وأن المثقف المؤمن لا يزال يستند إلى المنظومة المعرفية الغربية في التفكير والتقييم، ويبقى العالم مؤمناً ومستنداً إلى المنظومة المعرفية الموروثة ولا يستطيع نقل أقدامه بأي اتجاه آخر خوفاً من الضياع.

إذن نحن أمام تيار يؤمن بالدين وفق المعايير الأصيلة الموروثة، وتيار آخر يؤمن به ولكن وفقاً لمعايير المنظومة المستوردة وكلا هذين التيارين يتقاطعان في نقاط كثيرة، فالتيار الثاني يميل بشدة إلى تعميق عقلنة الدين وخصوصاً في النقاط اللاعقلانية لكي يجعله أكثر انسجاماً مع منظومته؛ ولذا نرى البعض يذهب إلى الإيمان بالجان باعتبارهم مجموعة الإيحاءات الشريرة التي تصدر عن ذهن الإنسان، أو الملائكة باعتبارها الأفكار والإيحاءات الخيرة، أو كما يحاول البعض إسقاط المفاهيم الغربية التي تؤمن بالمساواة فيذهب بعيداً لتطبيقها على الرموز الدينية، ليذهب بقداستها ويرى أنها لا تختلف عن أي من البشر، وهكذا نرى هنا العديد من الإسقاطات التي تنتقل من المسائل السياسية إلى الاعتقاد بدون تمحيص، أو إسقاط التفكير المادي التجريبي على عالم الغيب الذي يعد أهم أعمدة التفكير الديني.

فهذا التيار يحاول أن يضغط الأفكار والمعتقدات الدينية الإسلامية بالشكل الذي يجعلها مقبولة ومعقولة طبقاً لمعايير الآخر ومنظومته المعرفية، وهذا التيار طبعاً يولِّد في أقصى حالات تطرفه الاتجاهات التي تؤمن بحقن النصوص بمضامين معاصرة على طريقة نصر حامد أبو زيد أو طريقة (سروش) في إيران.

وفي النهاية؛ فإن هذا التيار وإن كان تياراً يقترب من الدين عدة خطوات إلا أنه في نهاية المطاف تيار تبريري لا يختلف عن التيارات التبريرية المتعددة التي ولدت خلال التجربة الإسلامية، فهو لا يختلف عن التيار الأموي الذي حاول أن يبرر الواقع والقيم العربية من خلال حقن النصوص بمفاهيم سائدة، لكن الفارق أن الحقن هذه المرة يأتي لتبرير قبول إفرازات الثقافة الغربية ومرجعياتها الفكرية خصوصاً في جوانبها المقنعة.

أما بالنسبة للتيار الأصيل فإنه أيضاً يفرز في أقصى حالاته تياراً سلفياً يدين بالقديم بلا تمحيص وبلا قراءة للتاريخ، إن هذا التيار يسبغ صورة مثالية على العهود الإسلامية الماضية لا حقيقة لها في الخارج، إنه يقوم على إسقاط انتقائي لبعض صور التاريخ ويعممها، إنه يتناسى أن هذا الواقع تحرك من نقطة انطلاق الرسالة الإسلامية العظيمة، وتقدم معها حتى أوصل الأمة إلى نقطة الاندحار والوقوع تحت الهيمنة الأجنبية.

إن ما يمكن الاتفاق عليه هو أننا نحتاج إلى إعادة إنتاج العالم بصوره الواسعة من خلال عملية نقدية (للذات وللآخر) وأن نتخلى عن عملية النقد الحائرة بين المرجعية التراثية والمرجعية الغربية، النقد الذي ينقد الغرب دون الذات، ونقد آخر ينقد الذات دون الغرب، ونقد ثالث للغرب والذات لكنه يسير على غير هدى أو كتاب منير.

وبعبارة أخرى أننا نحتاج إلى معيار دقيق وسليم لممارسة النقد، نحتاج إلى الإجابة عن سؤال المعيار والأساس الذي نزن به الأمور، فنصنف الخطأ والصواب في الواقع؛ إننا نحتاج إلى البحث عن المعنى الدقيق والمحدد والواضح للأصالة.

ولا شك أن اكتشاف هذه المعايير يمكن التوصل إليه من خلال العودة إلى قراءة التاريخ بطريقة عكسية من منطلق الدروس.

ويجب أن نعلم أن سرّ إخفاق التجربة أنما يكمن في إبعاد العالم القائد وإبعاد العلماء الشرعيين الذين يستمدون شرعية لعب أدوارهم من تفويض القائد الذي يكتسب شرعية قيادته من النص ومن التعيين، ذلك هو المطلع بطريقة عادية على خبايا النص الذي نعترف جميعاً بأنه ذو بطون وخبايا، وبطريقة أخرى إعجازية؛ وبالتالي فإنه وحده الذي يستطيع أن يعلّم الناس ليمسوا علماء قادرين على نقل علومهم إلى سواهم؛ إن العلم ليس الحفظ والسماع إنه علم الوعاية والرعاية.

وببساطة فإن علينا أن نأخذ العلم ومعايير النقد من (الحبل) الممدود بين السماء والأرض، ذلك (الحبل) الذي استبعده السلطان فخسر الدنيا والآخرة، وباءت الأمة بالفشل والخسران العظيم، ووقعت بسببه تحت نير الأعداء وفي أَسر الظَلَمة، ولا شيء أدل من التجربة التي رأيناها بأم أعيننا وقرأناها وجاءت كما أخبر الله ورسوله، والأئمة الأطهار، فهم الذين بينوا الأسباب والعلل والمخاطر، وأخبروا بالشر قبل وقوعه؛ لعلّ أذناً واعية تعي أو قلباً يتفكر فيحذر..

الهـــوامـــش:

(1) لسان العرب: ابن منظور، باب علم.

(2) سورة التوبة: 122.

(3) نهج البلاغة: محمد عبده ص472، خطبة 310، من كلام له (ع).

(4) تلخيص الحضارة الإسلامية: موجز الأسلوب الذي اتبعه الحكام ص109، آية الله العظمى الإمام الشيرازي (دام ظله)، مؤسسة المجتبى - بيروت.

(5) المصدر نفسه: ص99.

(6) المصدر نفسه: ص114-115.

(7) تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي: تأليف صائب عبد الحميد، مؤسسة الغدير، بيروت - لبنان ص56.