النبأ

 

البدعة.. بين المفهوم والحد

 

 

 

سمير الكرخي

مقـــدمـــة:

بعث الله تعالى أنبياءه ورسله لتبليغ رسالاته ودعوة الناس إلى توحيده ونبذ الشرك به، حتى ختمها بدعوة سيد المرسلين وخاتم النبيين(ص) الذي أظهر دينه على الأديان كلها، وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، وحفظاً لأصول الإسلام بحفظ كتابة القرآن من كل زيادة أو نقصان كما قال عز من قال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (يوسف: 12).

ولما أوجب الاقتفاء بسنته الشريفة - التي جعلها بياناً لأحكام الشريعة بقوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر: 7)-، تداول المسلمون روايات الحديث والسيرة وكثفوا الاهتمام بها وعكفوا على تدوينها الأمر الذي أفضى إلى اختلاف التدوين والتعارض في بعض الروايات والاجتهادات، فكان أن ظهرت آراء متعددة بينهم حتى آل الأمر بالبعض إلى تحريف كلام الله تعالى الذي بصدد المشركين والكفار، وحملها على أهل القبلة، واتهم البعض إخوانهم المسلمين بالبدع لاستغاثتهم بنبيهم (ص) وطلب شفاعته والتوسل به إلى الله تعالى، على أنها أفعال وممارسات لم تكن معهودة في عصر الرسول (ص) أو أنها كانت فتغيرت النظرة إليها في العهود التالية لوفاته فرأى فيها البعض كفراً أو شركاً مستدلين بقوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحداً) (الجنة: 18)، أو(اتخذوا من دون الله شفعاء) (الزمر:43)، وغيرها من الآيات التي عمموها بتفسيرهم واجتهاداتهم على الكافر والمشرك والمسلم على حد السواء.

ولكن البحث والتقصي الموضوعي والتفكير الهادئ البعيد عن المواقف المسبقة هو السبيل إلى المعرفة الحقة.

فما هي البدعة؟ وما هو حدها؟.

البدعة لغة وشرعاً:

يقال في اللغة: (بدع الشيء يبدعه بدعاً، وابتدعه: أنشأه وبدأه، والبدعة: الحدث وما ابتدع في الدين بعد الإكمال) (1).

وفي مجمع البيان: إن البدعة: (هي إحداث أمر على خلاف السنة) (2).

وعن ابن الأثير: (البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به رسوله (ص) فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به لأن النبي (ص) قد جعل له في ذلك ثواباً) (3).

وفي قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) (الحديد: 27).

إن الرهبانية التي اتخذها بعض اتباع عيسى(ع) هي بدعة لأنها إحداث في الشريعة بدليل قوله تعالى: (ما كتبناها عليهم).

يقول سيد قطب في تفسيره للآية: (والراجح في تفسير الآية أن هذه الرهبانية التي عرفها تاريخ المسيحية كانت اختياراً من بعض أتباع عيسى عليه السلام، ابتدعوها من عند أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وابتعاداً عن أوضاع الحياة ولم يكتبها الله عليهم ابتداءً، ولكن حين اختاروها وأوجبوها على أنفسهم صاروا مرتبطين أمام الله بأن يراعوا حقوقها ويحافظوا على مقتضياتها من تطهر وترفع وقناعة وعفة، وذكر وعبادة.. مما يحقق في أنفسهم حقيقة التجرد لله، التي قصدوا إليها بهذه الرهبانية التي ابتدعوها) (4).

وفي مجمع البيان: (قيل أن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء واتخاذ الصوامع، عن قتادة قال: إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال... فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها وذلك لتكذيبهم محمد (ص) ) (5).

يعني أن تعفف الرهبان واتخاذهم البراري والصوامع، وإن كانت غايتهم هي رضوان الله تعالى، لم ينفعهم بعد تكذيبهم رسالة محمد (ص)، لأن المحاسبة إنما تسري على حقيقة الشعور والإحساس الروحي بعيداً عن المظاهر والطقوس، أعني أن تحقق مبدأ الثواب والعقاب هو بتحقق الأعمال، والأعمال بالنيات، لعلمه سبحانه وتعالى بخفايا القلوب وذوات الصدور.

وعليه فالبدعة لغوياً: هي الإنشاء لا على مثال سابق، وأما شرعاً فهي كل ما أحدث في الشرع على خلاف ما جاءت به السنة الشريفة سواء كان حلالاً أو حراماً أو مندوباً أو مباحاً.

تشخيص البدعة:

لا إشكال في تعريف البدعة وتعيين حدودها، وإنما الإشكال في كيفية تشخيصها والحكم على كون فعل ما بدعة أم لا، فنقول ابتداءً:

1- إن البدعة حرام قطعاً لقوله (ص): (كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار) ولحكم العقل في عدم جواز الزيادة والتنقيص على ما ورد في أحكام الله تعالى لاختصاص ذلك به تعالى وبأنبيائه، فأما اختصاصه به تعالى فلقوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك) (الشورى: 13) .

وقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) (المائدة: 48).

وأما اختصاصه بأنبيائه، فلأجل أنه تعالى فوض بيان أحكامه من قبلهم: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) (النحل: 64).

وقوله تعالى: ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) (آل عمران: 187).

2- حدد العلامة الأمين في (كشف الارتياب) أسباب الاشتباه فقال:

أ- أما خطأ الدليل المستدل به على ذلك، من الشرع أو ليس منه.

ب - أو تقليد من سنّها لحسن الظن به مع أنه مبدع.

ج - أو توهم أنه لا بد من ورود النص بها، بالخصوص مع دخولها في عمومه أو إطلاقه(6).

ولتوضيح ذلك نقول: إن الاجتهاد هو استنباط الحكم الشرعي الذي يتحقق بالمعرفة بطرق الاستنباط، وشروط الاجتهاد موضحة في كتب كلا الفريقين، وعمل المجتهد هو الوصول إلى الدليل الذي منه يستنبط الحكم الشرعي، وتكمن الخطورة في تحديد الدليل؛ فأي خطأ في تحديده يعني إجراء الحكم الخاطئ بحق القضية المطروحة، والذي سينتقل إلى المقلد.

والبعض ضيق كون ورود النص فيما اشتبه عليه، كإحياء مراسيم عاشوراء مثلاً، وذكر مصيبة الحسين (ع) وأهل بيته، فيحكم ببدعتها بحجة أنها لم تكن في عهده (ص) والصحابة من بعده، لكن (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة بالقربى) (الشورى: 23) تكفي لدخول المسألة في عمومها، وقوله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) (الأعراف: 157)، يكفي دخول إحياء ذكريات المواليد في عموم التعظيم لهم؛ فالقرآن يشيد بأولئك الذين أكرموا النبي(ص) بوصفه إياهم (عزّروه-نصروه) ثم إن الحكم على الأفعال إنما يكون بالأدلة اليقينية لا بالاجتهادات الظنية؛ لأن اتباع الظن منهي عنه، لقوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) (النجم:28)، فتكفير المسلم الذي ينطق بالشهادتين - مثلاً - أمر عظيم يحتاج إثباته إلى دليل قطعي يوجب إخراجه من الإسلام، ولا مجال فيه للظن والاجتهاد كيفما اتفق.

التوحيد:

إن الهدف من بعث الأنبياء والرسل(ع) إنما هو لأجل عبادة الله وحده ورفض كل أشكال الشرك؛ قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) ) (النحل:36).

ولم يختلف المسلمون على التوحيد في العبادة لأنها أصل ثابت لهم كافة.

وقد ذكر الله تعالى فعل المشركين الذين اتخذوا آلهة مع الله تعالى، بقوله: (الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون) (الحجر: 96).

وقوله تعالى: (إلا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: 3)، فالمشرك يتخذ آلهة صغيرة مع الله، متوهماً أنه تعالى خول إليهم بعض صلاحياته كالرزق وغيره، فيستحقون العبادة لأنهم أرباب!!، (والرب هو المدبر الذي بيده الشيء).

العبادة:

قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الأنبياء: 3).

(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (غافر: 60).

(إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر:60).

يؤمن المسلمون إيماناً قاطعاً في مشارق الأرض ومغاربها بأن الله تعالى هو خالق الكون وما فيه وهو الإله الواحد الأحد الذي لا يستحق أحد دونه العبادة ومن شذ عن ذلك فهو كافر أو مشرك. إلا أن البعض ادعى أن دعاء النبي (ص) والتوسل به وبالأولياء والصالحين إلى الله، بقوله: ( يا نبي الرحمة أو يا رسول الله أتوصل بك إلى الله أو أغثني) شرك؛ لأنه عبادة غير الله، وقد قال تعالى: (ولا تدعوا مع الله أحداً) (الجن: 18) ، فكيف يدعي أنه موحد ويدعو غيره، وقد قال عز اسمه: (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء) (الرعد: 14).

نقول إن العبادة في اللغة هي الذل والخضوع، ويجب حملها على معناها في الشرع وإلا احتاجت إلى بيان، ولصح ذل العبيد وخضوعه لسيده عبادة له، وطاعة المرأة وتخضعها لزوجها عبادة له، بل طاعة كل واحد للآخر عبادة له، حتى طاعة الأنبياء لآبائهم عبادة لهم!.

فالعبادة هي ذل وخضوع لمن يعتقد بألوهيته سبحانه، وكونه المدبر لشؤون الكون وما فيه، كالإحياء والإماتة والرزق والتشريع... باعتباره المالك الحقيقي والفاعل المختار الذي لا إله سواه.

فالذي يعتقد بأن هناك مدبراً غيره مستقلاً في تأثيره، فقد أشرك به سبحانه، والمسلمون لا يرون ذلك إطلاقاً لأنهم يؤمنون بأنه الله الواحد، الأحد بالوحدة الحقة الذي لا ثان له، وهذا فرق واضح بين اعتقاد الموحدين واعتقاد المشركين الذين يدعون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، لأنهم يعتقدون بل ينسبون التدبير لها فهي تستحق العبادة بزعمهم.

أما المسلمون فلا يرون عند زيارتهم للنبي (ص) بأنهم يزورون رباً يستحق العبادة؛ إذ كيف ذلك وهم يشهدون بأنه عبده ورسوله؟.

فإذا كان دعاؤهم بقولهم يا رسول الله، محمولاً على المعنى اللغوي لصح ذلك عبادة له، وأما حمله على المعنى الوارد في الشرع وهو التذلل والخضوع لمن يعتقد بأنه إلها لا معبود سواه، فكيف يعقل تحقق عبادتهم للنبي (ص) وهم يشهدون بأنه عبد له ويقولون ويكررون في صلواتهم وحمدهم لله تعالى (الحمد لله رب العالمين)؟.

ترتيب الأحكام على الفعل الصادر من العبد:

إن قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون) (القصص: 84)، وقول رسول الله (ص): (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)، دليل على ترتب الجزاء من ثواب أو عقاب على الفعل الصادر من العبد بقصد على وجه الخصوص، إلا أن ترتيب الحكم على الفعل الصادر قد يكون مختلفاً باختلاف الموضوع، فإن كانت النية في دعائه (ص) على أنه المستقل بفعله وتأثيره فهذا شرك لجعله من لا يستحق العبادة معبوداً، وإلا لم يدخل دعاؤه تحت عنوان العبادة له (ص).

أي يمكن تصور طلب الشيء بدعائنا له (ص) على صورتين، الأولى بالاعتقاد باستقلاليته في الفعل، والثانية على أنه وسيلة الاستمداد من الله تعالى ولا معبود سواه.

ولا شك أن الأولى شرك، لأنها تحقق معنى العبادة، دون الثانية، وفي قوله تعالى: (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله) (آل عمران: 49)، ما كان عيسى (ع) مبرءاً للأكمه والأبرص بالاعتقاد على أنه المستقل بفعله، لقوله تعالى (بإذن الله) ولا كما فعل عبدة المسيح وأمه(ع)، حيث قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) (المائدة: 72).

ترتب حكم الشرك والكفر:

ثم إن الذي علم ترتب حكم الشرك والكفر - عليه - من العبادات والاعتقادات أمور:

1- اعتقاد المساواة لله تعالى في جميع الصفات أو أنه هو الله.

2- إنكار الشرائع وتكذيب الرسل وإن اعترف فاعله بتوحيد الله تعالى ولم يعبد وثناً بل بقي على شريعة منسوخة.

3- ما ذكر مع عبادة الأوثان بما لم يأذن به الله تعالى بل نهى عنه من سجود ونحر وذبح لها وذكر اسمها عليه... وتعظيم باعتقاد واستحقاق ذلك بالاستقلال لرفعة ذاتية واعتقاد أن له تدبيراً واختياراً... سواء كان مع الاعتراف بوجود اله أو عدمه(7).

هل التوسل بأولياء الله تعالى بدعة؟!

اعتبر البعض التوسل بأولياء الله بدعة تارة وعبادة لهم تارة أخرى، إلا أن هناك أدلة تثبت جواز التوسل وهي معتبرة لدى الطائفتين غير ناكرتين لها، منها:

1- التوسل به (ص) قبل أن يخلق: روى جماعة منهم الحاكم في (المستدرك)، من حديث عمر بن الخطاب (رض):

إن آدم لما اقترف الخطيئة قال: (يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد لما خلقتك). وذكره الطبراني وزاد فيه: (وهو آخر الأنبياء من ذريتك) (8).

2- التوسل به في حياته (ص): روى أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن عثمان بن حنيف:

(إن رجلاً ضرير البصر أتى النبي(ص) فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال (ص): إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك؟ قال: فادع، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء:

اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في قضاء حاجتي لتقضى لي، اللهم شفّعه فيّ) (9) صححه البيهقي والترمذي.

3- التوسل بالنبي (ص) بعد وفاته: روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عثمان بن حنيف:

(إن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف، فشكا إليه ذلك، فقال عثمان بن حنيف: أئت الميضاة فتوضأ، ثم أئت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بنبينا محمد (ص) نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي لتقضي حاجتي، وتذكر حاجتك.. فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان، فجاءه البواب، فأخذ بيده، فأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك؟، فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت الساعة وقال ما كان لك من حاجة فاذكرها) (10).

(عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا قال: فيسقون). وروى الدارمي عن أبي النعمان عن سعيد بن زيد عن عمر بن مالك النكري عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله قال: (قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي (ص) فاجعلوا منه كواً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمطرنا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق) (11).

فهل بعد هذه الروايات والأحاديث يبقى شك في أن التوسل ليس ببدعة، وإنما الحكم على كونه بدعة...بدعة.

الاستعانة بالأولياء بعد موتهم:

إن الاستعانة به (ص) وبالأولياء بعد موتهم إنما هي استعانة بأرواحهم المقدسة، والخلاف بين الإلهيين والماديين حول الروح واضح، فالماديون وبحكم رؤيتهم يعللون نشأة وتطور ونهاية الكون وما فيه بالمادة الصماء، وينكرون الروح الثابتة بقوله تعالى: (قل الروح من أمر ربي)، بينما ينظر الإلهي بأن الموت انتزاع للروح عن الجسد المادي الفاني؛ فعندما نخاطب أو ندعو أي أحد، فإنما نخاطب وندعو روحه؛ إذ ليس للجزء المادي من الفعل إلا الانفعال؛ فبعد الموت يفنى الجزء المادي وتبقى الروح التي يقبضها ملك الموت (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم) والوفاة تعني قبض الروح، والفترة التي يقضيها الميت في قبره حتى قيام الساعة هي البرزخ، التي يشير إليها القرآن الكريم: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (غافر: 46)، و(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون) (البقرة: 145)، وقوله تعالى: (والسلام على المرسلين) (الصافات: 181)، و(سلام على آل ياسين) (الصافات: 130)، وما سلامنا على النبي (ص) في الصلاة إلا سلامٌ واقعيٌ وليس سطحياً، وهذا يعني دوام صلتنا به (ص) بعد وفاته. ففي سنن أبي داود، قال رسول الله(ص): (ما من أحد يسلم علي إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام) (12). وروي عن النبي (ص) أنه وقف على قليب (بدر) وخاطب المشركين -المقتولين- قائلاً: (لقد كنتم جيران سوء لرسول الله، أخرجتموه من منزله وطردتموه، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال له رجل: يا رسول الله ما خطابك لها وقد صديت - يعني لرؤوس قد تفسخت -؟ فقال(ص):والله ما أنت بأسمع منهم، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع من حديد إلا أن أعرض بوجهي - هكذا - منهم) (13).

وقال (ص): (لقنوا موتاكم لا اله إلا الله) (14) فكيف يلقن الميت إن لم يكن يسمع؟.

في (وفاء الوفاء) روى عبد الحق في (الأحكام الصغرى) - وقال إسناده صحيح - عن أبي عباس عنه (ص): (وما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام... ) كما نقله ابن تيمية لكن بلفظ: (ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام) (15).

بعد أن نقلنا هذه الروايات والأحاديث، فقد ثبت لمن ينكر التوسل بالنبي(ص) والأولياء بعد وفاتهم - بحجة أنهم ماتوا فما ينفع التوسل بهم بعد الموت - ثبت ما يلي:

1- صحة الاستغاثة به (ص) بعد وفاته.

2- دعاؤه (ص) لربه بعد وفاته.

3- علمه (ص) بسؤال من يسأله بعد وفاته.

الشفاعة:

يستدل البعض من قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، أن طالب الشفاعة من أولياء الله مشرك لأنها عبادة لهم!.

والصحيح أن الآية في معرض حديثها عن المشركين الذين يعبدون الأصنام ويقولون بأنها شفعاؤهم عند الله؛ فهي بصدد عبادة المشركين للأصنام وليس بصدد بيان أن الشفاعة شرك.

وقوله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون) (الزمر: 44)، لا ينافي قوله عز وجل: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه) (يونس: 3)، لأن الشفاعة لله وقد أذن لعباده الصالحين أن يشفعوا (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (البقرة: 255).

وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن الشفاعة إليك بعضها:

1- روى الترمذي والحاكم عن ثابت عن أنس بن مالك عن النبي (ص) قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).

2 روى الترمذي والدارمي والحاكم وصححه وأقره الذهبي، عن عبد الله بن أبي الجدعاء عن النبي (ص) قال: (ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم).

ولفظ الترمذي: (يدخل الجنة..الحديث)، ولفظ الدارمي: (ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: سواك يا رسول الله، قال: سواي) (16).

3- روى البخاري عن جابر عن النبي (ص) من قال حين يسمع النداء: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) (17).

وعليه فإن الشفاعة ثابتة وما يحتج به ضدها إنما هو بخصوص مشركي الأمم الماضية، وما صنعوا من أصنام عبدوها من دون الله تعالى، واتخذوها شفعاء لهم.

وخلاصة القول:

1- إن خطأ الاستدلال بآيات من القرآن الكريم، كانت بصدد بيان أحوال المشركين والكفار، أدى إلى الحكم على بعض ممارسات المسلمين بأنها بدع وإحداث في الدين.

2- إنما تتحقق العبادة عبر الاعتقاد بأن المُتوَسل إليه والمستغاث به مستقل بأفعاله.

3- لا بدعة في التوسل والاستغاثة به (ص) وطلب الشفاعة منه ومن الأولياء والصالحين؛ لأنها كانت مألوفة عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

الهـــوامــــش:

(1) ابن المنظور/لسان العرب/ مادة بدع ص6.

(2) الطبرسي/ مجمع البيان/ مجلد 5/ ص242.

(3) ابن منظور/لسان العرب/ مادة بدع ص6.

(4) سيد قطب/في ظلال القرآن ج23 ص470-471.

(5) الطبرسي/ مجمع البيان/ مجلد 5/ص243.

(6) محسن الأمين/ كشف الارتياب ص98.

(7) العلامة الأميني/ كشف الارتياب ص106.

(8) معالم المدرستين/ ص30 ينقل عن مستدرك الحاكم ، كتاب التاريخ، في آخر كتاب البعث 2/615، ومجمع الزوائد 8/ 253، وتحقيق النصرة للمراغي ص113-114 وهو الذي نقله عن الطبراني.

(9) معالم المدرستين ص31 ينقل عن مسند أحمد 4/138 وسنن الترمذي/ كتاب الدعوات 13/80-81 وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة ج1285 ص441 وابن الأثير بسنده بترجمة عثمان بن حنيف من أسد الغابة،والبيهقي برواية صاحب كتاب تحقيق النصرة عنه بتحقيق النصرة ص114.

(10) معالم المدرستين ص31 ينقل عن تحقيق النصرة ص114-115، رواه الطبراني في معجمه الكبير.

(11) ردود على شبهات السلفية/ النقشبندي الديرثوي ص259 بنقل عن مقدمة سنن الدرامي: 1:43

(12) سنن أبي داود، ج1، كتاب الحج وزيارة القبور ص470-471.

(13) صحيح البخاري ج 5باب قتل أبي جهل ص76-77 وسيرة ابن هشام ج2 ص292 وحق اليقين للسيد عبد الله شبر ج2 ص73.

(14) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في الجنائز ومسند أحمد 3:3.

(15) محسن الأمين/ كشف الارتياب 114

(16) راجع تحفة الاحوذي: 3/299 وسنن الدارمي 2/328 والمستدرك للحاكم 1/71.

(17) صحيح البخاري 1/159.